شباب السودان واسماك البحر الابيض المتوسط .. بقلم: بشير عبدالقادر


في تاريخ 5 من هذا الشهر نشرت مقال بعنوان “,يعطيكم العافية…إتفضلوا وأحلام الشباب المؤودة” . تعرضت ونبهت ونددت فيه بالهجرة غير المشروعة التي يغامر فيها شباب السودان بارواحهم بعد ان يكونوا قد دفعوا مئات الالوف من الجنيهات لعبور البحر الابيض المتوسط نحو اوربا .
لم يكن غرق 9 من شباب ام دوم في 03/07/2021 هو اول غرق جماعي ولن يكون الاخير بكل اسف الا اذا تداعت بل تضافرت جهود كل الجهات ابتدأ من الاسر وائمة المساجد واجهزة الاعلام المرئي والمسموع والسلطات المحلية والسفارات لتوعية الشباب بهذا الخطر العظيم.
لم اجد رد فعل كافي لمقالي ذلك؛ ولا حتى على مستوى الوسائط الاجتماعية التي هي الاكثر تداولا ومتابعة من الشباب.
اكتب اليوم بعد مشاهدتي لمقطع فيديو لشباب من شرق النيل يقدر عددهم ب200 شاب وصلوا تهريبا الى ليبيا بعد ان دفع كل منهم ما يعادل 6000 دينار ليبي للمهربين السودانيين عساهم يتم تهريبهم حتى اوربا. ولكن خدعهم المهربون وتركوهم في خرابات في ليبيا دون اكل او شرب. فصار أولئك الشباب يتمنون الرجوع الى السودان وما من سبيل!!!
كنت اتوقع ان تقوم الحكومة السودانية بمتابعة الموضوع لأهميته البالغة وتبرزه في الاعلام. فبعد ان تقوم السفارة السودانية بطرابلس بابلاغ الخارجية السودانية عسى وزيرتنا المنصورة تجد فرصة أثناء جولاتها المكوكية و سفرياتها المتواصلة للهبوط في طرابلس واصطحاب هولاء المائتين شاب في عودتها للخرطوم.
وهذا الامر ليس بدعا؛ بل يدخل في صميم عملها ولعله اهم عمل يمكن ان يسطر لها في تاريخها السياسي لو قامت به.
اذكر ان سيسليا زوجة الرئيس الفرنسي ساركوزي كانت قد توسطت في قضية ال 5 ممرضات البلغاريات والطبيب البلغاري من اصل فلسطيني اشرف حدوج ؛ و قضيتهم المشهورة بليبيا بين 1999 و 2007 والحكم عليهم بالسجن المؤبد بعد تخفيف الحكم الاول الذي كان الاعدام؛ بتهمة اعطائهم دم ملوث بالايدز لاطفال ليبين؛ حينها قامت زوجة الرئيس ساركوزي سيسليا بالسفر الى ليبيا لاصطحابهم(.في يوليو 2007…. نحو صوفيا-بلغاريا- على متن الطائرة الرئاسية الفرنسية).

من ناحية اخرى؛ تجدني اشرح شرح العارف الخبير للشباب السوداني بان الهجرة غير الشرعية بعد كل تلك الخسائر المادية و المخاطرة بالحياة للعبور لاوربا لم تعد تجدي لعدة اسباب.
اولها ازدياد صعود الاحزاب اليمينية المتطرفة بأوربا وهذه سياستها ضد المهاجرين وتسعى للتضييق عليهم وطردهم وترفض اعطاء اقامات للقادمين الجدد بل تطالب بغلق الحدود تماما. لذلك تحاول احزاب اليمين والوسط القيام بإجراءت ضد الاجانب بصورة عامة والمهاجرين بصورة غير شرعية بصورة خاصة فتسرع في ترحيلهم لبلادهم بعد وضعهم في سجون الترحيل القسري. وهي تفعل ذلك لكسب اصوات الناخبين وسحب البساط من احزاب اليمين المتطرف.

النقطة الثانية؛ منذ فترة طويلة اصبح حق اللجوء السياسي شبه متوقف وخاصة للسودانيين باعتبار توقف الحرب؛ وحتى في الحالات الخاصة فليس هناك معسكرات للاجئين للسكن بل يسكن اللاجئين في الخرابات والحدائق والخيم الفردية في الشوارع لمدة قد تزيد عن سنة في انتظار دراسة ملف طلب اللجوء والذي غالبا ما ينتهي بقرار الترحيل.
النقطة الثالثة وهي من الاهمية بمكان. اصبح من الاستحالة العبور من فرنسا او غيرها نحو بريطانيا لوجود بحر المانش ووجود بوابات محروسة باجهزة استشعار حراري تستطيع كشف اي انسان يختبيء بين البضائع في الشاحنات ووجود كلاب بوليسية مدربة لكشف المتسللين.
ولذلك اصبح هناك آلاف الشباب من السودان واثيوبيا وارتريا والصومال حتى الافغان يهيمون على وجوههم في الشوارع ويعيشون على ساندوتشات توزعها الجمعيات الخيرية مرتين في اليوم.
نقطة اخيرة اذا حصل الشاب على اوراق اقامة بعد سنة او سنتين من المعاناة في الشوارع فليس هناك فرص عمل بسبب حاجز اللغة وتفشي البطالة بين ابناء البلاد انفسهم والتي فاقت الثلاث ملايين عاطل وباحث عن العمل.
بل حتى الذين توفقوا ودرسوا وحصلوا على شهادات جامعية يعملون اعمال هامشية وقد يضطرون للقيام بعملين في اليوم الواحد للحصول على مايسد الحاجة.
إن الصورة الوردية التي يحاول البعض في كذب صريح ارسالها لاهله وأصدقائه لتطمئنهم و كدلالة على نجاحه في الهجرة؛ و هي وان كانت صور حقيقية لكنها خداعة؛ لأن ذلك المهاجر الذي ينام في الشارع والخرابات يبذل جهده لأخذ صورة امام بوابة متحف اللوفر او كبري لندن. مما يخدع الاخرين ويدعوهم لمغامرة الهجرة غير الشرعية وركوب “السمبك” فتلتهمه أسماك البحر الابيض المتوسط!!!

أنشد أحدهم:

“ياطالع الشجرة
ماتجيب معاك ثمرة
ثمرتنا اولادنا
وارضنا هي بلادنا
ياصاحب المركب
قول لي وينو جناي
الفات معاك قبيل
+++
ووليدي شالو الموج
غرقان وسط كم فوج
مالماتو فيهو كتار
سابحين مع التيار
وبيوت كتير وقعت
وعيون كتير دمعت
وينو البشيل الهم
وينو البزيل الغم
+++
اولادنا ماتوا خلاص
وبلادنا راجية خلاص
ياطالع الشجرة
ماتجيب معاك ثمرة”.

wadrawda@hotmail.fr


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!