قلم تحت التراب: الطيب شبشه من حياكة الملابس الى حياكة الأخبار .. بقلم: صديق محيسي


siddiqmeheasi7@gmail.com

جيل كامل من اباء الصحافة السودانية جاهدوا باقلامهم حتى تحرر السودان من الحكم الأجنبى وحققوا الأستقلال, هذا الرثاء للراحل الطيب شبشه هو إسترجاع لعصر مضى كانت بدايته “صحافة أبخرةالرصاص” وصحافة الرصاص لصحافي هذا الجيل هي بداية هذه المهنة في السودان عندما كانت الصحيفة تمر بمراحل عدة حتي تخرج من المطبعة , المرحلة الأولي هي إذابة الرصاص في فرن ماكينة الليونوتايب ليتحول الي حروف تجمع وتنضد في مستطيل اشبه بالإطار الذي هو في حجم صفحة الصحيفة لترص فيه المادة الصحفية خبرا, او مقالة وهي عملية حساسة ودقيقة كان يطلق علي من يقوم بها اسم “الموضب “المخرج حاليا وبالرغم من بدائية هذه الطريقة ولكنها كانت هي السائدة في العالم العربي والسودان, وكان الصحافي يحتفى فرحا في اليوم الثاني بجهوده عندما يقلب الجريدة كأنما يهدهد طفلا صغيرا. حرصت في هذه السيرة ذكر رموز صحفية بعينها لدورها وتأثيرها علي العمل الصحفى, احمد يوسف هاشم , بشير محمد سعيد ,فضل بشير ,عبد الرحمن مختار ,عبد العزيز حسن, محمد الخليفة طه الريفى ,عبدالله رجب ,على حامد ,السلمابى, محجوب عثمان والقائمة تطول كان اخرهم الطيب
لم تكن هناك جامعات ولا معاهد للصحافة تعلم الطلاب المهنة ولم يكن مطلوبا من الذي يطلب العمل في الصحافة سوي الموهبة والرغبة في ذلك ,وكانت الصحف نفسها هي المعاهد التي يتدرب فيها راغبو العمل الصحفي, يتدرجون من يوميات الشرطة يسجلون الجرائم والقضايا المثيرة وبعد ذلك ينتقلون للدوائر القضائية فيطورون مصادر اخبارهم من يوميات التحرى, ثم الي القضاة, وقضاة المحاكم العليا, وزراء العدل , وكذا كان البرلمان محطة مهمة للصحفيين الجدد حيث يسجلون كلمات النواب في إطار صراعات المعارضة والحكومة فتخرج من القاعة اخبارا ساخنة .
يروى الراحل الطيب محمد عبد الرازق بشير، الشهير بالطيب شبشه من منطقة شبشه بالنيل الأبيض ان لقب شبشه حين هاجر والده إلى ولايات الجنوب إبان فترة إصدار قانون المناطق لمقفولة في عام 1923 م لمنع المسلمين لدخول لتلك المناطق، وهو الوحيد من بين رفقائه التجار اسمه محمد، وحين سأله أحد الضباط الإنجليز عن اسمه قال له اسمي محمد حينها رد عليه الضابط بان هذا الاسم ممنوع هنا ,وسأله من اين قال من شبشه فرد الضابط عليه قائلاً إنك ود شبشه فعرفت بعد ذلك كل العائلة بهذا الاسم «بشبشه» وصرت انا الطيب شبشه.
يحكي الطيب عن تجربته الصحفية في تحقيق اجرته معه صحيفة الإنتباهة فيذكر ( اولاً انا لا أؤمن بالصدفة بل أؤمن بالقدر الذي سطر للإنسان في ان يكون له خارطة طريق في اللوح المحفوظ. وكان الوالد تاجرًا فكنت احضر الى الدكان واحمل ورقة واقلامًا ملونة واكتب, وكنت احلم بان اكون كاتبًا بغض النظر عن نوع الكتابة ولا اعرف معنى كاتب. بدأت بمكتب للأرشيف، فكان عمي نائبًا برلمانيًا وجئت اليه الي الخرطوم وقلت له اريد ان اعمل صحفيًا فقال لي ان هناك صحيفة اسمها العلم ستصدر قريبًا.وكان رئيس تحريرها هو الصحفي المشهور علي حامد رحمه الله، المهم جاء قرار تعييني محررًا بجريدة العلم من الرئيس الزعيم اسماعيل الأزهري براتب لا يتعدى قيمة المواصلات وهو «6» جنيهات, وكان ذلك في 30 يونيو «1958م» ثم تحولت الى جريدة صوت السودان عن طريق الشيخ علي عبد الرحمن المهدي الذي كتب مذكرة الى احمد السيد حمد رئيس التحرير، وقال فيها : تقرر تعيين ابننا الطيب شبشه براتب 30 جنيهًا، وكانت قفزة كبيرة بالنسبة لي واستمررت في صوت السودان الى ان جاء انقلاب عبود في نوفمبر 1958. وبعد توقف الجريدة عملت عند الترزي المصري احمد فتح الله. وكان عبد الله رجب رئيس تحرير جريدة الصراحة أحد زبائن الترزي المصري وهو من بحث عني وتم تعييني في جريدة الصراحة وهي اول جريدة مستقلة عام 1961م.وفي اغسطس 1962م انتقلت جريدة الصراحة الى وزارة الإعلام بمقر جريدة جديدة وهي جريدة الثورة والتي كان يطلق عليها «البرش بقرش» وهي كانت اميز جريدة عرفت في تاريخ الصحافة السودانية. وفي اكتوبر 1964م أصدر الاستاذ عبد الرحمن مختار جريدة الصحافة وعُيِّنت فيها محررًا وكان المحرر عبارة عن كشكول يحرر كل الالوان الصحفية.
فى عام 1967حين انشق حزب الأمة الى حزبين فعملت سكرتيرًا صحفيًا للامام الهادى وعملت ايضًا بالإذاعة لفترة ثم انتقلت للعمل مع بشير محمد سعيد في جريدة الايام براتب 30 جنيهًا سودانيًا ومكثت فيها الى حين تم تعييني رئيسًا لقسم التحقيقات ثم نائب رئيس تحرير تنفيذي ورئيس اجتماع مسائي يومي وبعدها انتقلت الى صحيفة الجزيرة السعودية وهي آخر تجاربي الصحفية.
انا أومن بأن حرية التعبير هي ملك للصحافي وحده, وتتوقف على قدراته وايمانه بحقه ينتزعه ويمارسه وهو من يتحكم فيها. وكنا في صحيفة الايام نضرب بقرارات سلطات الرقابة عرض الحائط ,ومن ضمن ذلك في اخبار المصالحة الوطنية حين منعنا من نشر اخبارها فقمت الاتصال على رئيس الجمهورية جعفر نميري رحمة الله عليه وطرحت عليه الحاصل، وقال لي افعل ما يخوله لك ضميرك الصحفي ,والذي دعاني للهجرة الي المملكة العربية السعودية التدخل المباشر من السلطة في امور التحرير بالجريدة. وقد اكتسبت خبرة كبيرة لم أكن سأحصل عليها لو كنت في السودان خصوصا التعامل مع تكنلوجيا الصحافة. اشتهر الطيب شبشه باسم البلدوزر لقدرته على السهر وتحمل المشاق في متابعة مادة الصحيفة من مراحلها الأولي حتى مرحلة الطباعة .
فى صراعنا النقابى مع نظام جعفر النميرى نأخذ على الراحل شبشه موقفه المؤيد لنظام النميرى والمعارض للنقابه, ففى الدورة الانتخابية لعام1978 والتى فشلت ثلاثة اجتماعات للجمعية العموميّة كان مقرراً لها أنْ تجرى فيها ,وكان آخر اجتماع انعقد في أكتوبر من العام نفسه بمبنى الاتحاد الاشتراكي حضره أبو القاسم محمّد إبراهيم النائب الأول لرئيس الجمهورية، والدكتور أسماعيل الحاج موسى وزير الثقافة والإعلام الَّذي ارتكب فيما بعد مذبحة صحفيي وكالة السودان للأنباء.
وفى ذلك الاجتماع الصاخب هدّد أبو القاسم محمّد إبراهيم بمعاقبة الَّذين يقفون ضد “الثورة،” وقال: إنّ على الصحفيّين الشرفاء تنظيف الساحة الصحفية من الثورة المُضادة، وأعقبه في الحديث الصحفي من الأيّام الراحل عبدالله عبيد وشن هجوماً شديداً على ما أسماه بالعناصر المندسّة وسط صفوف النقابة فى هذا الجو المتوتر اعقبه الراحل الطيب شبشه سكرتير تحرير الأيّام يومذاك وواصل الهجوم ضد” أعداء الثورة” وطالب بتعديل قانون الصحافة لطرد “الخارجين على خط الثورة”. فردّ عليهم الفاتح المرضي الصحفي بوكالة السودان للأنباء وأحد أقوى المُعارِضين لنظام مايو واستعرّض تاريخ الاثنين مستعينا بواقعة محددة، وقد ذكر أنّ الطيب شبشه كان أول رئيس للاتحاد النسائي إبّان حكم الرئيس إبراهيم عبود ,وكان المرضى يشير الى تكليف وزارة العمل يومذاك الطيب شبشه بتكوين اتحاد نسائى جديد تابع للظام مقابل الأتحاد النسائى الأصل الذى يتهمه النظام انه تابع للشيوعيين غير ان التجربة فشلت وعاد شبشه الى وظيفته كمحرر فى جريدة الثورة ,الا رحم الله الطيب شبشه واحسن اليه فقد كان جزءا من تاريخ الصحافة السودانية.


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!