التجربة التونسية .. ومأزق الاسلام السياسي !! .. بقلم: محمد موسى حريكة


musahak@hotmail.com

وأخيرا فقد فعلها (الروبوت) كما يلقبه طلابه في الجامعات التونسية، والمعني بالطبع هو قيس بن المنصف بن محمد سعيد الاستاذ المختص في في القانون الدستوري والذي وصل الي السلطة بعد (الزلزال الانتخابي) في عام 2019 بعد ان أقصي نبيل القروي في الدور الثاني لتلك الانتخابات مسنودا بجماعات شبابية رافضة للمشهد المأزوم الذي افضت اليه بكر ثورات الربيع العربي .
فهل ما يحدث الان في تونس (انقلابا) حسب التعريفات الكلاسيكية لتبادل السلطة؟ ام ان ذلك لا يعدو ان يكون تعريفا متعجلا ومبتسرا لواقع هو أعمق بكثير مما توحي به تلك الصيغ الخبرية التي تحملها الاسافير وصور التلفزة المرئية المتدفقة علي مدار الساعة ؟
أهمية ما يجري في تونس يمثله برعم أزهار ذلك الربيع حينما اشعل محمد بوعزيزي النار في نفسه بعد أن رفضت السلطات في ولاية سيدي بوزيد شكواه في مواجهة الشرطية فادية حمدي التي (قلبت) عربته التي يدفعها بيديه كبائع متجول للخضر والفاكهة في باحات سوق المدينة!
لقد كان ذلك هو (الخبر) لو اننا أكتفينا به ولم نتمدد في ثناياه التي أشعلت ما يعرف بالربيع العربي من المغرب العربي وحتي الخليج شرقا وما يمكن ان نسميه ذلك (الزلزال) الذي ضرب حالة السكون المستبد في العالم العربي .
إذن فان إستخدام توصيف (انقلاب) وإدانة (الفعل) بتلك الصورة المطلقة والمتعجلة والتي تقترب من البحث عن (اليوتوبيا ) في دنيا سياسة ليست فاضلة ودون ان نكلف أنفسنا بضع ساعات لمراجعة ذلك الواقع السياسي والاجتماعي الذي أفضي الي اللحظة السياسية الراهنة في تونس، ربما يضعنا ذلك في قوالب الجمود السياسي الرسمي والذي تمثله الحالة الاردوغانية التي انطلقت سريعا ككرة المضرب المرتدة لتقرر انها تدين (الانقلاب) في تونس ، في حين ان نقابات الشغل والأحزاب التونسية والواجهات القانونية المختلفة التونسية كانت معتكفة علي تحليل وتفكيك تلك اللحظة (الغامضة) التي تجري علي أرض تونس حتي سحابة اليوم التالي ، اما حركة النهضة فإن تعريف ما يجري ك(انقلاب)
كان حالة حصرية خاصة بها دون كل التنظيمات السياسية في ذلك البلد .
دعونا نفكر في الهواء الطلق وخارج ذلك التمظهر (الايدلوجي) الذي يوحي به الانكفاء علي الحدث دون سبر أغواره .وكما يبدو فإن (مأزق الاسلام السياسي) والذي تمثله حركة النهضة وبعيدا عن تلك المراوغة اللفظية فهي في جوهرها تمثل (التيار الإسلامي) التونسي وقد تأسست النهضة في عام 1972،و عادت الي مسرح العمل السياسي بعد رحيل بن علي ، واستطاعت الفوز في انتخابات 2014 بعد تحالفات (الترويكا) ويمكن القول انه قد دانت لها الأمور في تونس ومن ثم أصبحت في مواجهة الواقع السياسي والاجتماعي المعقد وكما يقولون (الموية تكذب الغطاس) فهل كانت وهي من ضمن مدارس الاسلام السياسي تمتلك أجابة لأسئلة العصر وقضاياه الملحة؟ وهل تستطيع التفكير خارج الصندوق؟ أم ان الديمقراطية التي تبنتها في خضم هتافات ذلك الربيع ماهي الا حالة (ميكيافيلية) من أجل الوصول الي السلطة بذلك الزخم والحشد والتجييش الإسلامي للناخبين تحت شعار (الاسلام هو الحل)، ثم وجدت نفسها امام قضايا اجتماعية خارجة عن السيطرة وأقتصاد متشابك لا يمكن تهجينه. وموارد مالية يتشكل ربع عائداتها من مصانع النبيذ وعائدات السياحة الحرة والفندق وبنياتها التي تستجيب للسوق العالمي والانفتاح علي العالم خلف المتوسط وجحيم السوق الرأسمالي وشروطه.
لقد انشطرت حركة النهضة علي نفسها ازاء ذلك الأفق المسدود، بين حركات ارهابية محلية وعالمية وولاءات تاريخية تجمع بينها ورصيفاتها في العالم العربي وانطلقت تبحث عن حلفاء تاريخيين تمثلهم الحالة (العثمانية) في تركيا ،ولكن كل ذلك لم يجد في مواجهة أزمة مستفحلة يقابلها فساد اداري ولغ فيه كهنة الحركة ومناصريها وارث استبدادي كان مصاحبا للحياة السياسية منذ فجر الاستقلال وأصبحت النهضة تغترب كل يوم عن قضايا الناس العاديين الذين أوهمتهم ببرامجها الانتخابية الماضيوية، ولم يدر بخلد قادة هذه الحركة أن (كوفيد 19) مثلا يقع خارج دائرة (الاسلام هو الحل) وان مبلغ ال 146 مليون دينار التي تبرع بها راشد الغنوشي بعد ان سجلت تونس اعلا معدل في المنطقة للإصابات والوفيات بجائحة كرونا ،ان ذلك المبلغ كان مثارا للسخرية لدي المواطن التونسي ثم أودعه الناشطون لدي اروقة العدالة تحت طائلة من أين لك هذا ؟
توفر لنا الأحداث الجارية في تونس قراءة هادئة للإسلام السياسي ورصده من المعارضة الي السلطة، وتضعنا باستمرار امام ذلك السؤل هل يمتلك الإسلاميون برنامجا للإجابة علي تعقيدات العصر ،ثم الإدراك كيف ان الديمقراطية التي تتيح لهم الحكم كما هو في التجربة التونسية وهم المسنودين بمنظمات البر والإحسان والمؤلفة قلوبهم وتلك الحشود المضللة في المزاوجة بين الدنيا والآخرة وفق تلك الدعاية الانتخابية ،هل أن تلك الأغلبية التي حصلت عليها النهضة وحلفاءها في عام 2014 حالة قطعية ومؤشر حقيقي لحيازة الحكم ،ام اننا سنقف مشدوهين امام ملاحظة نابليون (The majority is not always right ).اي ان الأغلبية ليست دائما علي صواب.
المرشد راشد الغنوشي الذي حاول ان يزاوج بين الحداثة وشعارات الاسلام السياسي قد اصبح الان في ذلك المأزق الذي لا يحسد عليه ، ويجعلنا نقف علي جملة تلك الأزمة التي تعصف بتيارات الاسلام السياسي والتي انحنت لعاصفة الربيع العربي والمناداة بضرورة الديمقراطية ،وحتي اذا ما قادتها أصوات الناخبين الي سدة الحكم هرعت نحو كهوفها وشحذت آلياتها القديمة الصدئة العاجزة عن ملاءمة الواقع ،ومن ثم لم يعد لديها سوي سيف القهر والإرهاب في مواجهة شعوبها .
وهكذا سقطت النهضة لانها إستنبطت سلطة دينية بعيدا عن التغيير والعدالة الاجتماعية، وشارفت ما يمكن تسميته ب (انسداد الأفق) وسقطت قبل كل ذلك من قلوب التوانسة قبل ان يلقي بها الرجل (الروبوت) في حافظة التبريد !


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك