محرمات (تابوهات) الفكر والسياسة في السودان.. معوقات حقيقية ضد تطور الديمقراطية والتقدم .. بقلم: د. حيدر إبراهيم علي


الحرية هي أعلى قيمة في الوجود الإنساني، كما أن الإنسان وعقله هو القيمة العليا في الحياة، وصدق الشاعر الفيتوري في قوله:

الأعلى من قدر الإنسان هو الإنسان

أول مبادئ المجتمعات الحرة أن المواطنين متساوون وهم بشر عاديون معرضون للخطأ وخاضعون للنصيحة والتقويم والنقد، لذلك لا مجال للابتزاز والإرهاب الفكري وتهم الخيانة والعمالة حين نمارس النقد لأي فرد أو مؤسسة في المجتمع السوداني والحياة العامة. ولا يكتسب العسكري أي ميزة على المواطن المدني العادي. وكيف أصبح الجندي أو الضابط معصوماً ومقدساً وكيف اكتسب هذا التماهي مع الوطن حتى صار نقد المؤسسة العسكرية يعادل خيانة الوطن. ومن الذي يضع هذه الخطوط الحمراء المتوهمة؟ فالضابط موظف خدمة عامة يمنح مرتباً على الخدمة التي يقوم بها وهي الدفاع عن تراب الوطن وهو ليس متطوعاً ولا مجاهداً ولا يقدم خدمة مجانية لذلك لا مجال للامتنان والاستعلاء، بل هو يحوز امتيازاتٍ تفوق ما يكسبه الموظف المدني مهما كانت درجته الوظيفية. ومن ناحية طالما خرج العسكريون من ثكناتهم ومارسوا السياسة فهم شخصيات عامة لا تملك أية حصانة.

لذلك أرى في هجوم أحد الأفراد على مواطن انتقد المؤسسة العسكرية ضرباً من الإرهاب والابتزاز لا يليق بحياة المرحلة الديمقراطية الحالية التي تعيشها المؤسسة العسكرية شريكة في سلطة انتقالية، يسعى الجميع إلى نجاحها والوصول إلى نهايتها المنطقية التي طالبت بها الثورة، ولابد أن يتخلى الإخوة العسكريون عن لغة التعالي والاستبداد ولا نسمي نقد المؤسسة العسكرية (تطاولاً)، ولغة لن نسمح بالحديث السلبي عن المؤسسة العسكرية، فهي مؤسسة بشرية عرضة للخطأ والدليل وجود مجالس التأديب والمحاكم العسكرية التي أعدمت عدداً من الضباط، فهذا اعتراف ضمني باحتمال الخطأ. أتمنى أن ينزل العسكريون من تلك الأبراج التي يطلون منها على المدنيين وأن يعودوا أبناءً لهذا الشعب المقهور ويتواضعوا لخدمته واحترامه كأنداد لا كأسياد وفي هذا خير البلاد والعباد.

أما التابو أو المحرم الثاني فهو الحزب الشيوعي السوداني، قرأت هذا الأسبوع مقالاً للأستاذ تاج السر عثمان (بابو) بعنوان: أي هجوم على الحزب الشيوعي هو بداية لهدم الديمقراطية! هذا ربط عجيب وغير منطقي، فهو يسمى النقد: الهجوم، فالحزب يرفع شعار (إسقاط الحكومة الانتقالية) بحيث تتقاطع شعاراته مع الإسلاميين حتى تجرأ وطلب منه المؤتمر الشعبي التحالف ليصبح الحزب الشيوعي الإسلامي طالما تلاقت المطالب. من المؤكد أن أغلب النقد الذي طرحه الحزب الشيوعي، متفق عليه بين كل الديمقراطيين والحادبين على نجاح المرحلة الانتقالية، ولكن المطالبة بإسقاط الحكومة مطلب فوضوي وعشوائي لا يعقل أن يأتي من حزب يدعو للاشتراكية العلمية، ويميز نفسه بالعقلانية والعلمية والتحليل الصحيح والحلول الواقعية. وهنا أيضاً يقدم الأستاذ تاج السر حزبه ككيان معصوم من الخطأ ولا يطاله النقد ومن المفارقة أن الحزب نفسه أصدر كراسة عنوانها: (إصلاح الخطأ)، كما أن الحزب الشيوعي كثير الحديث عن ضرورة النقد والنقد الذاتي. ولكن الحزب نشر قدراً كبيراً من التخويف والإرهاب جعل الكثيرين يترددون في نقاش الحزب الشيوعي والحوار معه، ويرددون (كلو ولا الشيوعيين ما تقربهم إن لم تكن قادراً على تحمل القصف الفكري والشخصي الذي سوف يلاحقك!).

الحظر يا أخ تاج السر على الديمقراطية يأتي من الجمود الفكري والنظري والشعارات المتسرعة ومرض الطفولة اليساري، ومثل المؤسسة العسكرية الحزب ليس معصوماً وهو كيان عام نزل إلى الشارع واحتك بالشعب بل يدعي التعبير عنه أكثر من الآخرين، لذلك لا بد من قبول النقد حتى لو تحول لهجوم!

نحن في حاجة لتحويل مبادئ وقيم الديمقراطية إلى ثقافة وسلوك يومي، وألا نكون غارقين في نفاق تاريخي وتزييف للوعي والواقع وخداع للجماهير.


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

2 shares