جامعة الخرطوم على خط السد الإثيوبي … حديث الدهشة والمفارقات .. بقلم: د. محمد عبد الحميد


أصدر مركز أبحاث المياه التابع لكلية الهندسة – جامعة الخرطوم في يونيو 2021م إصدارة باللغة الإنجليزية عنوانها (سد النهضة الإثيوبي- استعراضاً فنياً ) تضمنت العديد من الدراسات حول السد الإثيوبي بلغ عددها ثمانين بحثاً ما بين أوراق علمية منشورة ودراسات بحثية مضمنة في كتب وأطروحات دكتوراة، فضلاً عن بعض التقارير للوكالات الدولية. ومما يبدو أن الاصدارة اعتمدت على مصادر ثانوية للمعلومات مما يُقعد بها عن أن تكون عملاً بحثياً يعتمد على جمع بيانات أولية في الموضوعات التي تم التطرق لها. وبالرغم من ذلك ربما كان هذا الاستعراض مدخلاً مناسباً لما يمكن ان يُتوقع من صرح عظيم كجامعة الخرطوم أن تدلي بدلوها في قضية السد الإثيوبي، وهي بلا شك قضية تحمل طابعاً استراتيجياً مهماً لمستقبل السودان في أهم مورد من موارده الطبيعية (المياه في النيل الأزرق ونهر النيل)، والذي عليه وبه تتعلق حيوات الناس في سبل كسب معيشتهم، وحضارتهم. و يُعد مُحدداً مهماً لبقائهم وجوداً وعدماً، وبالتالي على أمنهم الإنساني بآفاقه المتعددة. فالإستعراض من حيث هو كبادرة أكاديمية تُحمد للقائمين عليها وسط الضجيج والصخب اللاهب الذي أثاره وما زال موضوع السد كقضية خلافية يتداخل فيها الجانب الفني الخاص بعلوم المياه مع غيره من التخصصات العلمية الأخري. كما يتداخل فيها الجانب السياسي بالفني، حيث تتقاطع فيه وحوله مصالح مرتبطة بأطماع إقليمية ودولية المعلن منها و الخفي.
فقد تم تصنيف الإستعراض في ستة موضوعات أساسية هي :- خصائص السد. الجوانب الهيدرولوجية. تحليل إنهيار السد. قضايا السياسات المائية. الاعتبارات الاقتصادية وأخيراً الجوانب البيئية.
رغم أن الباحثين فيما يبدو قد التزموا منهجاً صارماً في عدم التدخل في خلاصات الدراسات التي تم استعراضها، إلا أنه قد بدا واضحاً أثر دهشتهم لما تبين من خلال الإستعراض أن الدراسات التي عُنِيتْ بدراسة الآثار والانعكاسات البيئية للسد محدودة على دول أسفل النهر خاصة السودان. فقد ذكروا ما نصه : ( مِن المثير للأسى أنه لم يتوافر أمام المؤلفين تقييم واضح للأثر البيئي لسد النهضة الإثيوبي ص 21 ) ولعل مكمن الدهشة هنا مرده للمفارقة النابعة من الحماس الدافق الذي ميز الموقف السوداني بتأييد قيام السد في عهد الرئيس المخلوع عمر البشير والذي لم يطرأ عليه أي تغيير في عهد ما بعد الثورة… وقد أكد الباحثون أن مثل هذه الدراسات تُجرى عادة لمشروعات أصغر بكثير من السد الإثيوبي، ومع ذلك لم تتوافر هذه الدراسات، مما حدا بهم لحث السودان بالإسراع في إنجاز هذه الدراسات. وبإمكان المرء طرح تساؤل مشروع ومهم (لماذا كل هذا الحماس الرسمي القاضي بالموافقة على سد لم يتوافر على دراسة مهمة كالبُعد البيئي؟! ولمصلحة مَن جرى التغافل عنها؟!). ثم هنالك ملاحظة مهمة وهي أن وزيراً سابقاً للري من المتحمسين للسد يستنكر تدخل البيئيين في قضية السد رغم أهمية هذا البُعد. وهو يعلن استنكاره بتدخل البيئيين على شاشات التلفزيون بصورة وثوقية ودون أن تهتز له شعرة جهالة. مؤكدا أن الخوض في قضية السد من شأن المهندسين فقط. وما درى المسكين أن البيئة هي الحياة وكلما يحيط بالإنسان تؤثر فيه وتتأثر به. وليس أدل على ذلك ما خلص إليه الإستعراض في التوصية الرابعة حيث جاءت : (هنالك حاجة عاجلة وأساسية لإجراء دراسات الآثار البيئية بما يشمل ولا يقتصر على التغير المناخي، الغابات النهرية، السهول الفيضية، الثروة السمكية، صناعة الطوب، هجرة الحيوانات البرية، جودة المياه، مورفولوجية النهر، عملية الإطماء، والآثار الصحية ضمن آثار أخرى). هنا وعند هذه التوصية وتأمل العوامل أعلاه عاملاً إثر عامل يستغرب المرء كيف اطمأنت الحكومة السابقة والحالية على فوائد السد في غياب دراسات توضح أثر السد على هذه العوامل. فإن لم تكن هذه العوامل في مجملها هي الحياة…. فماذا تكون إذن؟!
من جهة أخرى أكد الإستعراض في التوصية الخامسة على ضرورة (تحديد الإجراءات الاقتصادية لمتابعة وتقييم الآثار البيئية والتعرف على الطرق التي يمكن أن تقلل الآثار السالبة وتحديد من الذي سيكون مسؤولاً عن التعويضات الناجمة عن الخسائر) وهنا في هذه النقطة بالتحديد يُترك لفطنة القارئ وحصافته من ذا الذي بوسعه أن يُوقِع خسائر على الآخرين ومَن هو الذي يجب أن يتحمل تبعت تلك التعويضات؟!
قد تنعقد حواجب الدهشة عندما يعرف البعض أن هنالك جانب مهم تم غض النظر عنه وهو جانب المخاطر Risks ولم يلتفت اليه المسؤولون السودانيون والذي لو تم لكان قد كفى السودان مؤونة رهق الركض وراء وساطات طفقوا يلتمسونها في أركان الكون الأربعة، لتدفع إثيوبيا على توقيع إتفاق قانوني ملزم حول ملء وتشغيل السد ، حيث كان بالإمكان التأكيد على جعل السد في حدود المقبول من المخاطر بسعة لا تؤثر على قدرة السودان أن يستفيد من وارد المياه وتشغيل خزاناته بصورة آمنة لا تتأثر بالسد الإثيوبي. ولا تحرم الجانب الإثيوبي من حقه في إنشاء سد يخدم به ما يشاء من مشروعاته التنموية.
خلاصة القول إن الإستعراض الذي أضطلعت به جامعة الخرطوم يمكن أن يكون فاتحة لدراسات ميدانية ترصد وتبين وتقيم مستويات المخاطر التي ستترتب على قيام السد الإثيوبي، ووضع الخطط والتصورات بالجاهزبة اللازمة التي يمكن أن تُقلل من الآثار الضارة للسد الإثيوبي متى ما ظهرت.
د. محمد عبد الحميد استاذ مادة الحد من مخاطر الكوارث بالجامعات السودانية

wadrajab222@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك