من يحاكي السناريو التونسي؟ .. بقلم: الفاضل عباس محمد علي


يبدو لي أن الفريق أول البرهان يتلمظ بشهية مستثارة، ويستنطق حاسته السادسة، وهو يتابع القنوات والأسافير بشغف وتركيز عميق، محاولاً أن يستوعب ما حدث في تونس، وأن يستنبط اوجه الشبه مع المشهد السوداني، مستعرضاً المعطيات والفرص والتحديات والآليات والpros and cons لقفزة في الظلام من هذا القبيل؛ (ولو نجحت التجارة يعود بالعروس والحمارة، ولو خسرت يعود بالحمارة فقط). ولقد أثبت الفريق أول خلال العامين المنصرمين أنه من النوع الذي يقفز في الظلام غير هياب، (eg ذهابه سراً لكمبالا لمقابلة نتنياهو، ولم يكن سراً تماماً، علي حد قوله، فقد استشار حمدوك والقادة السياسيين مسبقاً، ولكنهم لاحقاً انكروا وادعوا البراءة، ثم لما طلبهم دونالد ترمب استجابوا خانعين لذلك الفديو كنفرنس الذي توسطه نتنياهو، وكلهم يرددون: “ليكن ما يكون، أهم شي رضاء الأمريكان.” والفريق أول المقدام أيضاً من الطراز التآمري الإنقلابي، فقد شارك في الإطاحة بمحسوبه السابق البشير، وكذلك في إبعاد خلفه الفريق ابنعوف المسنود بكل الجيش والأمن، ولم يكن مع البرهان حينئذ إلا حميدتي رجل المليشا الجنجويدية الذي فطر علي المغامرات وركوب المخاطر والقفز في الظلام وتغيير البيليا؛ وكذلك قال الفريق أول بعظمة لسانه إنه شارك في محاولة انقلاب البعثيين برمضان في أول أيام الإنقاذ الذي تم فيه أعدام ثمانية وعشرين ضابطاً، وقال إنه نجي من الموت بأعجوبة، وظل سره في طي الكتمان طوال الثلاثين عاماً المنصرمة، (فياله من كادر كتوم وحصيف!).
بيد أن الفريق أول مثقل بحمولات وتعقيدات غائبة عن النموذج التونسي:
1. فجيشنا ضعيف ومنهك ومحبط وتحت رحمة الدعم السريع الممسك بأجهزته الحساسة (أي إبر الدبابات)، ولا يمكن توحيده حول عقيدة وراية جديدة عنوانها الوطن الحر الديمقراطي الملتزم بالوثيقة الدستورية، فهو لا زال إفرازاً لفكر وممارسات الإخوان المسلمين التي سادت لأكثر من ثلاثين سنة.
2. والخرطوم تعج بالمليشيات “المشروعة” وغير المشروعة، وأقل شرارة تنطلق من لدن الجيش سترد عليها نيران كثيفة مشاكسة متعددة ومتضاربة المصادر؛ دع عنك راق تاق النقرز والعصابات المسلحة لسمر البشرة الذين روعوا سكان العاصمة القومية في الآونة الأخيرة، فما عاد أهلنا مستطعمين من جوع ولا آمنين من خوف.
3. وما زال الشارع السوداني متشككاً في الفريق أول ولجنته العسكرية – فيما يختص بمجزرة فض الاعتصام، وبمقاومته لتسليم البشير وجماعته لمحكمة العدل الدولية، وبكراهيته للجنة إزالة التمكين أيقونة الثورة وغرّتها وسنامها، وباصطناعه سلام جوبا التمويهي الزائف الهادف لإرباك المعادلة الحاكمة التي أفرزتها الثورة، ولإستجلاب أصدقاء وصنائع الكيزان المعروفين بالحركات الحاملة للسلاح، وهي بمثابة نية مبيتة not too clever للإنقلاب علي حكومة الثورة والعودة لنظام الإخوان المسلمين الاستبدادي.

وعلي الرغم من ذلك، ثمة مغريات للتفكير في مغامرة شبيهة بالتونسية:
• فكما في تونس، ظل التردّي الاقتصادي يسير من سيء لأسوأ، ولقد عجزت حكومة قحت بكافة تجلياتها عن إيقاف التدهور، وبلغت روح الشعب حلقومه.
• والتفلتات الأمنية التي شكي منها الرئيس التونسي قيس سعيد لا تساوي شيئاً بالنسبة لما يدور في الخرطوم وباقي أصقاع السودان هذه الأيام من عنف: لصوص مسلحون قادمون من الدول الغرب إفريقية المجاورة بلا أوراق ثبوتية ودون تابلت، يفتكون بضحاياهم في عرض الطريق وفي رابعة النهار؛ بالإضافة للمليشيات ربيبة المؤتمر الوطني التي ما انفكت تخوض حروباً عنصرية مزمنة وسرمدية وتفتك بالمدنيين والنساء والأطفال بجنوب دارفور وجبل مرة وجنوب كردفان، وبشرق السودان كذلك.
• ولم تضع الثورة حداً حاسماً للفساد والهمبتة والثراء الحرام، ولم تتخلص إلا من بضع أشخاص بالجهاز السيادي والتنفيذي مقيمين بسجن كوبر دون محاكمات ثورية وجادة، بينما ظلت الدولة العميقة ماثلة بقضّها وقضيضها، تمتص رحيق الحياة من الكادحين، وترسّخ الانشطار الطبقي بين “أقلية” المهراجات الممسكين بأعنة الحكم والوالغين في مال السحت من جانب، وسواد الشعب الذي أصبح علي شفا المجاعة الشاملة الكاملة من الجانب الآخر.
• ولقد خيب العديد من الثوار التونسيين ظن شعبهم الصابر حتي شابت نواصيه (هرم)، ولم يتحلّوا بالروح الثورية وبالتجرد والتقشف الصوفي الذي عهدته البشرية في الثوار الأصليين مثل محمد أحمد المهدي وأنصاره الأوائل، وفلاديمير لينين والبلاشفة المؤسسين، وفيديل كاسترو وتشي جيفارا ورهطهما، وهو تشي منه ومقاتليه الفيات كونج، او قل حتى جمال عبد الناصر الذي توفي ولم يترك عقاراً واحداً بإسمه لورثته. فقد تعاملت الكوادر الحزبية الناشطة إبان الثورة…. تعاملت مع دولاب الحكومة كفيء وغنيمة لا يخجلون من التمرغ في نعيمه ومخصصاته؛ وما كان منهم إلا أن تبرجزوا وماتت ضمائرهم الثورية وانغمسوا في الفساد مثل سابقيهم الذين أطاحت بهم الثورة. ولقد تكررت نفس هذه الصورة تقريباً في السودان – أضف لذلك ظاهرة ال NGOs التي غزت البلاد لتقديم الدعم البرئ في ظاهره benign من أجل ترسيخ مبادئ الديمقراطية، فإذا برائحة الفساد تفوح منها، مما يذكّر بالفساد الكيزاني المجسد في منظمة الدعوة الإسلامية…إلخ؛ وإذا بها شيء تكتنفه الوصاية والانصياع للمحاور الإقليمية والتدخل الأجنبي والتخابر: (علي سبيل المثال منظمة الUSAID الأمريكية التي تقوم بتمويل ثلاثة صحف ومجلة سودانية وعدة مؤسسات بحثية ثورية السمت الخارجي).
• لا بد أن يكون هنالك مخرج من ورطة (مقلب) سلام جوبا الفاشل والباهظ التكلفة، والذي ساهم في تردي الأوضاع الإقتصادية والأمنية وفي ترهل الأجهزة السيادية والتنفيذية وتقليل كفاءتها ونجاعتها ومهنيتها؛ فقد كان قفزة في الظلام بلهاء وخبيثة وغير موفقة، ونسأل الله ألا تتكرر.
• هناك دول قريبة منا تاريخياً وجغرافياً ووجدانياً مترعة حتي شرقت بالدولار النفطي، ولو اضطلعنا بسناريو مثل لعبة السيسي الذي سطا بموجبها علي ثورة 30 يونيو 2013….ربما تنهال علينا ودائعهم وهباتهم المليارية ودعمهم النفطي، كما حدث لمصر بعد ثورتها التصحيحية المذكورة.
• يمكننا – (أو هكذا يقول لسان حال الفريق أول) – أن نتوصل لحل لمشكلة الدعم السريع once and for all ….حل يرضي كل الأطراف؛ إذ يمكننا أن ننتدبهم عن بكرة أبيهم للجيش والشرطة الإماراتية، وما زاد عن ذلك يذهب للسعودية؛ فالإمارات تحتاج لمحاربين مثلهم، بنفس الشراسة والعقيدة واللغة، (وإن كانت عربيتهم بلكنة إفريقية، فهي ليست نشازأ أكثر من لهجة الشحوح قاطني جبال هرموز)؛ ولقد جربتهم الإمارات في حرب اليمن وشبعت منهم إعجاباً ودهشة، فليس مثل شجاعتهم في الميدان وانتحاريتهم، كما ألفوهم يشبهون البدو الخليجيين في المظهر والجوهر. والإمارات معروفة باستيعابها لمثل هذه الأقوام، فقد فتحت إمارة أبو ظبي ذراعيها لقبيلة الزعاب عندما اختلفوا مع شيوخهم في الستينات، واستدعاهم الشيخ زايد عليه الرحمة لأبوظبي ومنح كل فرد منهم ثلاثة ملايين درهماً وداراً مشيدة بأرقي حي، وفتحت لهم أبواب التجنس والتوظيف والتجنيد بالجيش والشرطة ودولاب الحكومة. ويستطيع كل آل دقلو أن يقيموا بأبو ظبي بنفس الطريقة، وسوف يطيب لهم المقام، أفضل مما كان في السودان الذي يتشكك في هويتهم وتاريخهم ويرميهم بكافة أنواع الإتهامات؛ وبالقطع يستطيع هؤلاء السادة البدو أن يعيشوا في أمن وأمان وسط الإماراتيين الوديعين المضيافين الذين لا يتدخلون في حياتك طالما عشت كشخص مسالم يحترم القانون. وتستطيع حكومة السودان أن تضرب عصفورين بحجر واحد، بأن تتوصل لاتفاق بخصوص هذه العمالة يتم بموجبه إيداع معاش شهري لكل واحد منهم بالعملة الصعبة بمصلحة المعاشات السودانية، وهو غير قابل للسحب إلا بعد العودة النهائية والكنسلة، ليجد ذلك الجندي أو الضابط مبلغاً يستفيد منه في باقي حياته داخل السودان.

ولكن، في حقيقة الأمر، تلك مجرد أحلام، ولا تبني الدول ولا يتم الانتقال للمجتمع الحر الديمقراطي بالأحلام فقط. ومهما كان الفريق أول حسن النية ومفعماً بالمشاعر الوطنية النبيلة، فهو مثل الثوار الذين فسدوا وترهلوا، وسيتعامل بنفس المنطق: طالما الفساد اصبح طريقة حياة في بلدنا هذا، لماذا استثني نفسي وأحرم أولادي وإخوتي من نعيم السلطة؟
وسوف يجد نفسه علي جناح السرعة محاطاً بأسراب الأقرباء والجيران وأبناء الدفعة الذين يؤلهونه ويلقون في روعه أنه الأوحد والمنقذ والمؤسس وهكذا. ومثله مثل كل الأباطرة السابقين سوف يصاب بجنون العظمة (قرانديوزيتي) وبلوثة الشك في الآخرين (بيرسكيوشن مانيا) باعتبارهم مشاريع متآمرين مثله، ومن هنا يأتي البطش بالخصوم يمنة ويسري لما لا نهاية. وفي هذه الأجواء تتفرخ أنسال جديدة من البرجوازية الكمبرادورية البرغوثية (المرقوتية) الممعنة في الثراء علي حساب الكادحين. وقديماً قال أبو الطيب: (والظلم من شيم النفوس….فإن تجد ذا عفة فلعلة لا يظلم). ولقد بني فلاسفة التنوير الذين مهدوا للثورة التحررية الأمريكية 1776 وللثورة الفرنسية بعدها بعقد من الزمان….بنوا أطروحاتهم علي الإفتراض الجازم بأن الإنسان ذئبي بطبعه، فإن لم يتم تشذيب غرائزه ولجمها بالدستور والقوانين ودولة المؤسسات الضامنة لحقوق الإنسان والحارسة لمصالح الأقليات والعاملة علي التداول السلمي للسلطة وعلي إمكانية نقد الحاكم في وجهه….فإنه سيعمل علي تركيز السلطة في يده وعلي إطلاق العنان لغرائزه الذئبية العدوانية وتخرصاته وخطرفاته القذافية.
إذاً، ليس هنالك مجال لنموذج الدكتاتور العادل الذي يروج له بعض الغوغاء والسذج، ولا مفر من الاستمرار في النهج الوطني الديمقراطي الصبور الدؤوب تحت ظلال حقوق الإنسان وحرية التعبير والتنظيم. وليس هنالك مخرج سوي انعقاد مؤتمر اضطراري فوري يضم المجلس المركزي الحالي، كما يضم الحزب الشيوعي وتجمع المهنيين والنقابات الشرعية والشخصيات الوطنية وممثلين للجان الأحياء التي شاركت فعلياً في ثورة ديسمبر، علي أن يقوم هذا المؤتمر ب:
1. إلغاء اتفاقية جوبا، وتسريح المليشيات التي تناهت إلي الخرطوم من جرائها، ويمكن ضمها للقوات النظامية حسب لوائحها وقوانينها.
2. تكوين حكومة كفاءات وطنية جديدة رشيقة ومتماهية مع الثورة.
3. تعيين مجلس سيادة تشريفي من خمسة أشخاص برئيس مدني وعسكري واحد (ربما هو الفريق اول البرهان نفسه، إذا تعاون في إنجاز هذا السناريو).
4. تنفيذ مطلوبات العدالة الانتقالية فوراً.
5. اختيار واعلان المجلس التشريعي,
6. إرسال البشير وفريقه إلي محكمة الجنايات الدولية بلاهاي فوراً، وعقد محاكم فورية لباقي رموز ولصوص النظام الآفل.
إذا لم يتم تفعيل هذا السناريو، الذي لا يختلف كثيراً عن مبادرة أساتذة جامعة الخرطوم، فربما يستمر الفريق أول في إمعان التأمل في التجربة التونسية – هل من سبيل لتطبيقها في الخرطوم؟ وكيف؟ ومن المنفذ؟ ….. وهكذا. وكل الناس في الحقيقة مهمومون بالتحديات التي تواجه الثورة السودانية وبالأزمة الخانقة الحالية، التي لا تبلغ الأزمة التونسية عشرها.
ونسأل الله ألا تنكسر ثورتنا إلي أبد الأبدين.
حرية سلام عدالة
الثورة خيار الشعب
مدنية شعار الثورة,

fdil.abbas@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك