“لماذا يكرهوننا”  .. بقلم: ناجي شريف بابكر


.
في معرض ردي على قول أحدهم مستنكرا “ولكنه مرض العداوة”.. كرد فعل مقرون بالتساؤل، عن ما يستدعي ربطي مابين نهج إسلاميي تونس وإسلاميي السودان، في أن كليهما لا يتورع من رهن مصالح الدول وثرواتها وتجييرها لمغامرات أممية لا تعني شعوبها في شئ..
إن ذاك التساؤل المثير للشفقة في ظاهره، أغلب الظن.. يذكرني بتساؤل الشعب الأمريكي عشية أحداث الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١.. “لماذا يكرهوننا”.. فالأمريكان المفتونون بمكاسبهم وبدولتهم الإمبريالية التي تتربع على تراكم عرق الأرقاء والضحايا، وعلى دمائهم عبر العصور، لا يرون خطاياهم أو هم يتعامون عنها، حتى اذا ما توفرت لديهم النوايا. لا يرون مئات الآلاف من الضحايا الذين ظلت تسحقهم آلة الحرب الأمريكية  بصفة تكاد أن تكون يومية، منذ خواتيم النصف الأول من القرن العشرين، وحتى تاريخه، في اليابان، وفي الحرب الكورية، وفي فيتنام وكمبوديا ومؤخرا في أفغانستان، والعراق ثم في سوريا..
 تساؤل لا يقل سطحيةً وبؤساً.. فكأنك لا ترى سوءات أحبابك من الإسلاميين، حينما تطالب الناس أن يدينوا لك ما حدث في تونس من حرمان للإسلاميين من حصاد السلطة ومنِّها وسلواها، وإلا كانوا بالمقابل لك ولهم خصوماً وأعداءً. وكأنما تلك الحادثة دون سواها هي أول جريمة عرفها التاريخ. لأنك لا ترى مناقصهم، ولا ترى في كبائرهم ما يدعوك للمراجعة والتدبر، لا مندوحة لديك في أقوالهم الجائرة حينما يجهرون بالعداء وبالغليظ من القول في حق مواطنين من ضحاياهم كانوا الأولى برعايتهم واللطف بهم، ولا في فتكهم وبأسهم الشديد حينما يفتكون:
-أكسح وأمسح، ما تجيبو حي
-ما تحملنا أعباء إدارية
-ما عاوزين أسير ولا جريح في جبل مون
-ماتخسروا فيه الطلقة يا جماعة، الطلقة بي سبعة جنيه
-بقول ليهم من هنا : التعليمات شووت تو كيل
-البيرشنا بالموية، نرشوا بالدم.
-لدينا كتائب ظل تعرفونها جيدا
– سندافع عن النظام، والدم إلى الرُكَب
– أي راس يترفع، بنقصوا.
بل ولا ترى بأسا في أفعالهم الحافلة بالفتك والتنكيل وجرائمهم التي أتت إتساقا وانفعالا بتعليمات متنفذيهم سابقة الذكر، وقد برز من بين تلك الجرائم ومن فظاعتها ما تسنى لي ذكره هنا:
-عشرات الالاف من القتلى في حرب النفط ضد جنوب السودان
-عشرة آلاف قتيل، على الأقل، في حرب دارفور..
– القتلى والمفقودون في معتقلات أجهزة أمن الإنقاذ وضحايا بيوت الأشباح، من عرجوا منهم الى الله ومن بترت أطرافهم ومآقيهم، ومن ورثوا من العاهات ما أقعدهم.
-قتلى ومفقودي ومعاقي معسكر العيلفون.
-مجزرة الثالث والعشرين من سبتمبر ٢٠١٣
-مجزرة القيادة العامة في يونيو ٢٠١٩، حالات الإغتصاب، واغراق العديد من القتلى والجرحى بالنيل..
-مجزرة طلاب الأبيض في يوليو ٢٠١٩..
بدلا من التدخل والمساعدة في حقن الدماء ولجم العنف الدموي أو مجرد الإدانة لهذه الفظائع والتجاوزات الفادحة، أو الأسف على الضحايا والدعاء لهم بالرحمة، والإعتراف بغبنهم ومظالمهم، ظل خطاب الإسلاميين ينصب في الإنكار والتكتم والتعتيم، وأسوأ من ذلك ترديد نافذين فيما بينهم لأقوال تهدف لشيطنة الضحايا إهدارا لحقهم في الحياة، والتنصل عن المسؤولية عن تلك الفظائع، التي ارتكبتها كتائب أمن ومليشيات إثنية، كانوا قد استحدثوها هم من كسب أيديهم، دربوها وأعدّوها وشحذوا لها نصالها وأسلحتها، وقد خاضت لهم من قبل حروبهم غير العادلة ضد خصومهم من أبناء وبنات هذا الشعب المكلوم..
لا يهمنا معرفة من هو المتورط المباشر في أعمال القتل، فهو والضحايا سيّان، فكلاهما بائسٌ مسلوب الإرادة، المهم هو السيناريست، من يدير المكائد خلف ستار ثم يعود ليرسم علي وجهه قناع طفولي كفعل الضواري. المهم هو أن كل المليشيات والعصابات وكتائب الظل والأمن المسلحة والقنّاصين، الكتائب الهجين التي أعدها وسلحها الاسلاميون وترأسوا إداراتها وجلبوا لها الخبراء ذوي العيون الزرق في ضواحي أمدرمان، دربوها وعلموها الطعن والفتك والفحش والفجور في العداء، حتى في مواجهة عزل يافعين،  قد أنجزت مهمتها الدموية والأخلاقية بكفاءة تُحسد عليها.
لا يوجد على ظهر البسيطة إنسان يخاف ربه ويعصم يديه ولسانه عن أذى الناس ودمائهم، يمكنه أن يقبل في نفس الوقت بعد كل تلك الأحداث والأقوال أن يكون للإسلاميين نصيرا، دعك عني وعن التكهنات في أسباب ردّتي وانتكاسي، فكل نفسٍ بما كسبت رهينة.. إن من يناصر الضحايا في زمن البأس والطغيان والتنكيل، لا يناصر جلادين لا تعرف قلوبهم الشفقة..
فمن العبث إبداء التبرُّمِ من العداء، وكأنكم تعبأون بالمشاعر وتتحسرون على الوداد. إن من لم يناصركم في الفتك والقنص واقتحام بيوت الأبرياء، من اختار أن يظاهر ضحاياكم ومنكوبيكم، ومن قذفتم بهم من أسطح منازلهم إلى الأرصفة الخرصانية، حتى تهشمت جماجمهم ورباعياتهم، بالضرورة لا يناصركم ولا يأسَ على حبكم، وبالضرورة أن ترونه عدوا لكم، ربما تلزمكم ديانتكم أن تزيلوه، كغيره من الضحايا، عن سبيل السالكين.
nagibabiker@hotmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك