المرايا المكبرة: صورة محمود محمد طه عن نفسه وصورة الجمهوريين عنه  (1/3)  .. بقلم: عادل عبد العاطي 


تكلمنا في الحلقات السابقة أن أفكار الطائفة الجمهورية التكفيرية تجاه الغير والمتعالية على الآخرين  تنبع من رؤيتهم لمحمود محمد طه أنه فوق البشر، وأنه يتلقى علما لدنيا ، وأنه رسول الرسالة الثانية  وأنه الاصيل الواحد والإنسان الكامل والمسيح المحمدي والحقيقة المحمدية الخ ، ولذلك لا يكون رأيه اجتهادا في الدين، وانما هو الدين نفسه ، مستقى من مصدر فوق بشري.
في هذا المقال نحاول أن نوثق لادعائنا هذا ، من كتابات محمود واقواله وكتابات الجمهوريين.  ونزعم أن محمودا كان ينظر لنفسه وأن  الجمهوريين كانوا ينظرون له  من خلال مرايا مُكبرة مُصخًمة، أعلت من شأنه في أمر أشبه بجنون العظمة من طرفه، وبالتأليه والغياب الكامل للعقل من طرفهم.
محمود محمد طه : نبي أم رسول :
واضح أن محمود محمد طه لم يكن ثابتا في رأيه عن نفسه، حين يتحدث عن امري النبوة والرسالة .  فهو مرات يرى نفسه كنبي ، ومرات ينسب الرسالة الثانية للرسول محمد، ومرات ينسبها لشخص آخر ، يعرفه القارئ من السياق الخ.
وكان أول تصريح لمحمود في هذا الإطار في حوار مع صحيفة في عام ١٩٥١ ، حيث  ورد  السؤال التالي :
((س): يعتقد العم خاطر أنه نبي ورسول ، وأن الآيات القرآنية لا تؤكد عدم وجود الأنبياء بعد محمد كما أنه يعتقد أنك نبي ، وفي كلا الاعتقادين لدينا شك وشكوك.)
رد محمود بإجابة طويلة معقدة ختمها  بالتالي :
(أما الجزء الأخير من السؤال فانه الإجابة من الناحية الموضوعية وهي المهمة قد سلفت أعلاه ومن الناحية الشخصية “فإني أزعم لنفسي ذلك وأرجو أن أكون محقا”.)
أما قضية رسول الرسالة الثانية فقد كتب محمود محمد طه في مقدمة الطبعة الثالثة من كتاب ” الرسالة الثانية من الاسلام” التالي :
( إن محمدا رسول الرسالة الأولى ، وهو رسول الرسالة الثانية .. وهو قد فصل الرسالة الأولى تفصيلا ، وأجمل الرسالة الثانية إجمالا ، ولا يقتضي تفصيلها إلا فهما جـديدا للقـرآن ، وهو ما يقوم عليه هذا الكتاب الذي بيـن يـدي القـراء .)
أما في مقدمة الطبعة الرابعة فيقول محمد هذا النص المخالف :
(من رسول الرسالة الثانية ؟؟
هو رجل آتاه الله الفهم عنه من القرآن ، وأذن له في الكلام ..
كيف نعرفه ؟؟
حسنا !! قالوا أن المسيح قد قال يوما لتلاميذه : (( احذروا الأنبياء الكذبة !! )) قالوا: (( كيف نعرفهم ؟؟ )).. قال : (( بثمارهم تعرفونهم )) ..)
الشاهد أن الناس قد فهمت من ذلك أن محمودا هو رسول الرسالة الثانية وهو الرجل الذي أتاه الله الفهم عن القرآن واذن له بالكلام، حيث أنه بعد هذه  المقدمة كتب كتابا مطولا تفصيليا يشرح فيه هذه الرسالة الثانية التي كانت مجملة إجمالا كما قال ، هو كتاب ” الرسالة الثانية من الاسلام”
وقد عبر أحد كبار ناشطي الجمهوريين ومحرر موقع الفكرة  الجمهورية  الاستاذ عمر عبد الله عن هذه القناعة أن محمودا هو من أتاه الله الفهم عن القرآن وأنه رسول الرسالة الثانية عندما كتب :
( الأستاذ محمود هو رسول الرسالة الثانية بمعنى انه فهمها من القرآن وشرحها وبشر بها .. فبعد أن ختمت النبوة بصريح نص لا مرية فيه واستقر بين دفتي المصحف كلما يريد الله أن يبلغه لعباده أصبحت التقوى هي وسيلة الفهم الجديد والعلم الجديد من الله (واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم) .. القرآن كلام الله ولكن فهمه يحتاج للتقوى .. الإستاذ محمود سلك درب التقوى هذا ففتح الله عليه بفهم جديد من القرآن هو ما شرحه في كتاب الرسالة الثانية وغيره من الكتب .. والتقوى درجات وكذلك الفهم من الله درجات .. بالمعنى العام كل من يفهم فهم من القرأن ويوصله للناس فهو رسول ولكنك هنا تسأل عن هل الأستاذ محمود هو رسول “الرسالة الثانية” وأنا أقول نعم فهو الذي استخرج فهمها من القرأن ونشره بين الناس في عصرنا هذا ..)
ترك التقليد والصلاة الفردية والأصالة :
وتشكل قضية الأصالة والاصيل مشكلة كبيرة عند الجمهوريين ، فوفقا لمحمود محمد طه ينبغي على الناس تقليد الرسول تقليدا جيدا حتى يصلوا لمرحلة الأصالة وياخذون علمهم من الله كفاحا ( دون واسطة) ، وحينها تنزل لهم عباداتهم الفردية الخاصة بما فيها صلاتهم الخاصة.ويقول محمود ويقول الجمهوريون من بعده أن هذا كان درب الرسول محمد  حيث كان يقلد جبريل حتى ليلة الإسراء والمعراج حيث وصل إلى سدرة المنتهى واخذ عبادته الفردية وإصالته. ولمحمود والجمهوريين تنظير كثير في هذا الأمر ربما يكون احسن تعبير له في محاضرة ( الاصيل الواحد) في عام ١٩٨٢ ثم في كتاب “التقليد ،  الاصيل ، الاصلاء” .
ولا يشك الجمهوريون في أن محمودا كان هو الاصيل ، وأنه أخذ عبادته وشريعته الفردية منذ الستينات .  حيث يحكي الاستاذ د.عبد الله عثمان في مقاله ( هل للفكرة الجمهورية اسرار ؟! نعم ولا ) التالي :
( في إجابة لسائل سأل بكوستي عن “صلاة الأستاذ” أجاب الأستاذ بقوله (أنا بصلي بإتقان شديييييييييييد لتقليد النبي لأمرو هو في التقليد لغاية ما أمرني بأن أكون أصيل وقال لي ها أنت وربك وأخذت صلاتي الفردية من الله بلا واسطة) .
ويعترف كثير من الجمهوريين، ومن بينهم الأستاذة أسماء محمود،  بأن محمودا قد كان يمارس الصلاة الفردية الخاصة به – صلاة الإصالة – لبضع وثلاثين عاما، وقد اعترف هو نفسه بأنه خاض تجربة الأصالة وعرفها ويستطيع أن يستخرج سندها وأدلتها من أصل الدين ،  حين يقول  في كتاب أسئلة وأجوبة – الجزء الثاني ، التالي :
(وانت تسأل عن الصلة التي تربطني بالمدعوين، فاعلم، إذن، أنها صلة الداعية إلى تقليد محمد، على أن يكون التقليد وسيلة إلى الإستقلال عن التقليد ـ إلى الأصالة ـ وحين أدعو إلى الأصالة، عن طريق التقليد، إنما أدعو إلى تجربة خضتها، وعرفتها، وأستطيع أن أستخرج سندها، وأدلتها، من أصل الدين.. كما فعلت مثلاً، في رسالة الصلاة التي قرأتها، وتكرمت بإبداء ملاحظاتك عليها)
محمود والشك في أصالته :
في سانحة أخرى تجد محمود في محاضرة الاصيل الواحد يقول إنه يرجو أن يكون هو الاصيل ، ولكنه يشك في ذلك ، ولا يأمن مكر الله ، حيث يقول التالي :
( انتو قد تسألوا أنفسكم، أو يجب أن تسألوا أنفسكم، وراح يسألكم الناس، من دون أدنى ريب: هل أنا الأصيل؟.. هل أنا الأصيل؟.. أنا إتكلمت عن مبدأ الأصالة وكتبت عنو وماشي في طريقه تطبيقياً….. هل أنا الأصيل؟ أنا أرجو أن أكون.. ولكني على شك!.. الشك بجي من السؤال أل بيُقال في القرآن: ((أطّلع الغيب، أم إتخذ عند الرحمن عهداً))؟! أنا ولا اطلعت على الغيب.. ولا عندي من الرحمن عهد!.. الإطلاع على الغيب هنا بيعنى معرفة الله كما هو عنده: ((قل لا يعلم من في السموات، والأرض، الغيب، إلا الله)) العلم دا ما عندي.. وما عندي عهد من الله.. العهد من الله هو عهد العلم أصلو.. أنا عندي علم! لكن إذا قيس بي علم الله يكون شنو؟! هنا يدخل الشك.. )
رغما عن ذلك يقول محمود لأتباعه الجمهوريين الا يشكوا في أنه الاصيل ! ويقول لهم اتركوا شكي لي ، ولا تشكوا انتم في ، وذلك لمصلحتكم ! – وللتوثيق نأتي بقوله من نفس المحاضرة :
( لكن، الشك العندي أنا ما يكون عندكم انتو برضو، بالصورة دي.. لأنو انتو ما عارفين جيهتو!! فإن إهتزت الصورة عندكم قد تترك المسألة أثرها في سلوككم، لكن خلو لي شكي لي انا لأنو أنا بعرفو.. لكن إذا سُئلتوا عني: هل أنا الأصيل؟ ما تقولوا أنا الأصيل قولوا كلامي دا: ((أنا أرجو أن أكون الأصيل وعلى شك ، وقد يكون عند الله من هو أولى مني)).. الكلام دا قولوه لكن ما تعملو بيهو.. ما بعرف النقطة لو إتضحت ليكم ولاّ لأ.. لانكم ما بتعرفوا مبلغ الشك العندي أنا.. ولا مستوى الشك العندي أنا)
هذا الكلام السابق عن الاصالة ثم  شك محمود في نفسه غريب حقا ، إذ كيف سمح محمود لنفسه بترك التقليد لأكثر من ٣٠ عاما ، لياتي ويقول إنه يشك في أصالته ؟؟ وكيف يشك محمود في نفسه ويطلب من الآخرين إلا يشكوا ؟! هذا تناقض مقيم و هو من أحد التناقضات الكبرى في الفكرة الجمهورية .
وقد  انتبه الاستاذ محمد عثمان  ابو الريش لهذه المسألة حين كتب في بوسته المهم ( هل الاستاذ محمود محمد طه مسؤول عن عقيدة بعض الجمهوريين فيه؟!  ) التالي :
( وبالرغـم من هـذا، فلا شك أن كان هناك حديثـا مزدوجـا.. فمن جهـة كان الأستـاذ يلاحظ ويعرف أن عقيـدة الكثيرين من الجمهـوريين هى أنه هـو المسيــح، فلم يثنهـم عن ذلك الإعتقـاد، غيـر أنه قال أنه يرجـو أن يكون هـو صـاحب المقـام، ولكن عنده شك.. ثم طلب من الأخوان أن يتركوا شكـه له.. وهنا جاءت البلبـة.. فهل ترك الشـك له يعنى صـرف النظـر عن أنه المسيـح وأن يعتبره الأخوان رجل مسلم مجتهـد لا يألو؟ أم يعنى الغريب منطقيـا بأن نترك شكـه هـو، ونستيقن نحن أنه هـو المسيـح الذى بشـر به النبى صلى الله عليه وسلم.)
من جهته يكتب الجمهوري الكبير الدكتور ياسر الشريف التالي وهو يعبر عن اعتقاد  عدد كبير من الجمهوريين، إن لم يكن كلهم  :
( طبعا، مَنْ لا يعرف الأستاذ محمود يحق له أن يتشكك في مسألة الأصالة حتى يقتنع بها أو على الأقل يؤمن بها أو يرفضها بشكل واضح.. أما مَنْ يقول بأنه جمهوري فلا بد له أن يكون له رأي واضح في مسألة أصالة الأستاذ محمود
وسؤالي للأخ حيدر هو: هل لديه أي شك في أن الأستاذ محمود صاحب أصالة وصاحب شريعة فردية؟؟ وهل ما قطع به الأستاذ القول بعاليه يدخل عند الأخ حيدر في باب العقائد القابلة للتشيك؟؟ فإذا كان لديه أي شك فهو في حِلٍّ من أن يتحدث عن الفكرة الجمهورية أو حتى ينتقد الجمهوريين الذين أُكرهوا على إعلان تخليهم عن فكر الأستاذ محمود، لأن مبدأ الأصالة وتطبيقها أمر أساسي في الفكرة الجمهورية)
كما يكتب الاستاذ عمر عبد الله التالي :
( الأستاذ محمود منذ أن تحقق بالأصالة بوسيلة التقليد المجود كان هو صاحب الوقت وصاحب المقام المحمود وقد تم له إنزال المقام من الملكوت وجسَّده على الأرض، بفضل الله ثم بفضل توسيل النبي عليه السلام، وقد حقق به مستوى رفيعا من العبودية، ظهر في دقة الفكر ودقة الفهم للقرآن، ثم أنه أنشأ جماعة سارت على درب التقليد، وفي نهاية الأمر برهن على صدقه في دعوته يوم التنفيذ.. وهو لا يزال صاحب الوقت وصاحب المقام المحمود لأنه لقي الله شهيدا والشهيد حي وقد نهانا الله أن نصف الشهيد بالميت: “ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون”)
في الحلقة التالية نشرح ما هو مفهوم  الاصيل الواحد وأن  الاصيل الواحد  هو نفسه الإنسان الكامل، وأن الإنسان الكامل هو نفسه الحقيقة المحمدية اي  تجلي الذات الإلهية اي هو  الله المذكور في القرآن، ثم نعرج في الحلقة الثالثة من هذه الثيمة لصاحب المقام المحمود والمسيح المحمدي ، الذي يعتقد كثير من الجمهوريين  أنه كان  محمود محمد طه، بينما يعتقد بعضهم أنه لم يأت بعد ولكنه سيأتي حتما لا بد، ولكن أيضا في شخص محمود .
عادل عبد العاطي
٢٨ يوليو ٢٠٢١م
abdelaati@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!