التونسيون يكتبون الفصل الأخير في كتاب الثورة السودانية  .. بقلم: عزالدين صغيرون


تشكل حركة/ تنظيم الإخوان المسلمين، بسبب حربائيتها وازدواجية خطابها، دون فصائل الإسلام السياسي الأخرى، مشكلة مستعصية، سواء نشطت خارج القانون كجماعة سرية، أو كانت على المسرح شريكاً في فضاء الحراك السياسي العلني، حاكمة سواء أن كانت، أو معارضة. وهذا يرجع إلى أنها بحكم أيديولوجيتها الشمولية لا تؤمن بالديمقراطية وتداول السلطة. كما وبحكم نشأتها كتنظيم مغلق. يعتمد خطابها المعارض على التحريض والعنف في مواجهة الآخر المختلف .
والإسلام السياسي بطبيعته الشمولية دولاني بامتياز. والحل الذي يُزكّيه ويتطلع إليه هو امتلاكه الدولة عن طريق التمكين واستخدامها لفرض مثاله الاجتماعي والسياسي والأخلاقي.
وبالتالي فإنه مع الديمقراطية فقط لكي يصل إلى سدة الحكم، وحين يتحقق له ذلك بمختلف الطرق والوسائل، بما فيها رشوة الفقراء وشراء الأصوات الانتخابية بالزيت والطحين، إلى جانب تفعيل ورقة الدين سياسياً بشراء الأصوات بالجنة. فإنه يعمل فور استلامه السلطة والحكم عن طريق الديمقراطية على تغيير هوية الدولة ونظام الحكم، وأخونة كافة مؤسساتها.
(2)
وقد حدث هذا بالفعل في كل من تركيا والسودان اللتين تم فيهما أخونة الدولة وتغيير نظام حكمها، على نحو يؤدي إلى تأبيد سيطرة الإخوان على سلطة الحكم ويُرمى النظام الديمقراطي بعدها في مزبلة التاريخ. كما شرع الإخوان في مصر على تحقيق سيناريو مخطط التمكين والأخونة هذا، لولا ثورة يونيو 2013م التي أجهضته، وأطاحت بحكمهم.
ففي أول انتخابات برلمانية بعد الإطاحة بنظام مبارك، فازت الأحزاب الإسلامية بثلثي مقاعد البرلمان، نصفها تقريباً لجماعة الإخوان المسلمين. وفي الانتخابات الرئاسية عام 2012 فاز مرشح جماعة الإخوان المسلمين محمد مرسي العياط بالانتخابات الرئاسية بنسبة 51,7% من إجمالي أصوات المشاركين، ليصبح أول رئيس مدني منتخب ديمقراطياً في تاريخ البلاد، وأول رئيس إسلامي لمصر.
ولكن، لم ينقضي عام من ذلك حتى انقلب الرأي العام ضد الإخوان المسلمين. إذ رفضت شريحة واسعة من المصريين سيطرة الجماعة على الحقائب الوزارية ومحاولتها الاستئثار بمؤسسات إدارة الدولة تطبيقاً لسياسة التمكين، من خلال تعيين أنصارها في المناصب القيادية. فخرج الملايين مجدداً في حزيران/يونيو 2013 الى الشارع، لكن هذه المرة للمطالبة بـ”إسقاط الإخوان”. وهذا ما يحاول تكراره حزب النهضة الإخواني في تونس الآن.
(3)
وإذن حين يكتب أحدهم معترضاً على قرارات سعيد، ومتعاطفاً مع حزب النهضة الإسلاموي في تونس قائلاً بأن: ” تعطيل البرلمان المنتخب من الشعب لا يمكن  أن يكون له إسم آخر غير الانقلاب، مهما حاول البعض تجميل الحقيقة فما حدث في تونس هو انقلاب” وأن ” حركة النهضة وصلت إلى البرلمان عبر الانتخابات الديمقراطية، لا يمكن هزيمتها بالقرارات الفوقية، وإنما بالقرارات الدستورية، بالديمقراطية الانتخابية نفسها”(1).
وكأن من يقول هذا يجهل تجربة الإخوان في حكم مصر، والتي حاولوا الانقلاب فيها – عبر أغلبيتهم البرلمانية – تغيير نظام الدولة والحكم بانقلاب دستوري.
وحين يقال بأن المصريون عضوا أصابع الندم على إطاحتهم بالإخوان، لأن باب الانقلاب العسكري انفتح أمام الجنرال السيسي ليحكم، فإن من يقول ذلك يتجاهل، أو يتغافل، بأن الإخوان هم من فتحوا الباب أمام الانقلاب بمحاولتهم أخونة الدولة عن طريق الانقلاب الدستوري.
وعن أي ديمقراطية انتهكتها قرارات الرئيس قيس سعيد يتحدثون، والنهضة منذ تسلم الحكم أحال حياة الناس إلى جحيم اقتصادي ويمارس نشر الفوضى وإرباك الحركة السياسية.
(4)
– وإلا من الذي قتل محمد البراهمي بأربعة طلقة، وقتل شكري بلعيد وقد أثبتت التحقيقات بأن تصفيتهما تمت على يد الجهاز السري لحزب النهضة الإسلاموي؟.
– ما الذي تتوقعه من قيس حين تصل إلى يديه تقارير تؤكد بأن الأموال المنهوبة من الدولة تصل إلى ما يقارب الخمسة مليار دولار؟.
– وتضيف إلى ذلك أن لجان التحقيقات وضعت بين يديه قائمة بأسماء أكثر من 400 من اللصوص الذين يحتمون بالحصانة البرلمانية
– ما الذي تتوقعه منه حين يعلم يقيناً بأن اللصوص يحتمون بالحصانة البرلمانية للإفلات من العقاب؟
– ما الذي يمكن أن ينتظره والنيابة العامة – كما هو الحال عندنا – تحمي هؤلاء اللصوص؟.
ما الذي يقيده من أن يتخذ الإجراءات القانونية حين يعلم بأن بعض النافذين في السلطة يحولون دون إنتاج الفوسفات ويلحقون أضراراً كبيرة بالاقتصاد الوطني؟.
هذا رئيس اختاره الشعب في انتخابات حرة ونزيهة ووضع ثقته بين يديه واستأمنه على مصالحه، فما الذي ينتظره الناس منه؟. أن يخون  ثقة الشعب ويشيح بعينيه عن الفساد؟.
(5)
الأوساط الإخوانية في المنطقة وغير المنطقة سارعت إلى (الشوشرة) والتشويش على إجراءات الرئيس وهو يمارس مسؤولياته بشجاعة، ورفعت في معرض تشويهها قميص الديمقراطية الذي صبغته بطلاء أحمر، تخادع به عشاقها، وتدبج قصائد الرثاء على مقتلها المزعوم، وتحذر من ديكتاتورية ينسج سعيد خيوطها على غرار السيسي. بل و”شال” بعضهم الفاتحة على روح الديمقراطية وترحم على ثورة الياسمين(2).
في المقابل، وداخل تونس نفسها، لم يتأخر محمود المصمودي أحد الإخوان عن كشف حقيقة علاقة الإخوان بوطنهم، ويؤكد ما هو مؤكد من قيادات الإخوان في كل البلدان. داعياً الولايا المتحدة إلى عدم دعم الشعب التونسي بلقاح كوفيد 19 لتأييده الرئيس قيس وقراراته. وقبله صرحت إحدى السيدات من قيادات النهضة بأنه يكفي حزبها أنه صبر على “همّ” الشعب التونسي. في حين وجدت قرارات الرئيس تأييداً كاسحاً من المواطنين وكافة القوى السياسية والمنظمات المدنية، وعلى رأسها الاتحاد العام للشغل. بل نال الرئيس التأييد حتى بين قيادات حزب “قلب تونس” الحليف الأقرب للنهضة.
ولا تدري إلى من يوجه حزب النهضة نداءه لما سماها القوى الوطنية لتحتشد معه في مواجهة الرئيس بعد ذلك !!.
ففي ظل هذه الفوضى التي تعيشها الشعوب العربية يبدو الإسلام السياسي كما لو كان هو عقدة المنشار التي تتحطم عندها كل محاولات الخروج من نفق التخلف الذي ترسف في قيده هذه الدول والمجتمعات.
(6)
وبالتالي يمكن أن تُقرأ ارتدادات زلزال قرارات قيس سعيد في هذا الإطار كمؤشر لوصول أزمة الإسلام السياسي إلى نهاياتها. أو على أقل تقدير إلى بداية النهاية.
لأن صفة “الانقلاب” التي أطلقها حزب النهضة منفرداً دون سائر القوى السياسية والاجتماعية على قرارات بن سعيد، وأطلقها نظام أردوغان دون سائر الأنظمة في كل العالم لا يمكن أن تنطبق عليها، ولا يمكن لأي أحمق أن يصدقها.
إنه مأزق الإسلام السياسي الذي بات يحاصره وعي القوى الشبابية االجديد الذي تفجر في الربيع العربي، فسارعت فصائل الإسلام السياسي والقوى السياسية المتكلسة إلى سرقة ثماره. فانتفض الشباب في موجة ثورية ثانية لاستعادة ما سرقه اللصوص.
وأن يكون قيس سعيد هو الرئيس الحالي للجمهورية الذي يتخذ هذه الإجراءات، وأن تجد هذه القرارات الجريئة تأييد الشعب والقوى الشبابية، فإن هذا بحد ذاته دليل أكثر من كافٍ على الإسلام السياسي بإخوانه وساير تنظيماته في طريقه إلى سلة المهملات مصطحباً معه الأحزاب المتكلسة.
فقيس بن المنصف بن محمد سعيد الأستاذ الجامعي لا علاقة له بالنادي السياسي. وجه غريب رشح نفسه في انتخابات عام 2019 بلا سجل سياسي سابق. إلا القوى الشبابية التي سئمت مناورات الساسة التفت حوله تعبيراً عن رفضها للمشهد السياسي الكئيب الذي أفضت إليه ثورة الياسمين، وقد كانوا يأملون أن تكون فاتحة عهد جديد ونقطة انطلاق لتأسيس دولة جديدة. فكان أن حملته هذه القوى الحديثة بأحلامها وبوعيها الجديد إلى السلطة.
وهو الآن يفعل بشكل طبيعي ما ينبغي عليه أن يفعله، وإن كان صادماً لبعض القوى، (وينبغي أن يكون صادماً لها). ومن هذه الزاوية فقط، تستحق قرارات الرئيس صفتها الانقلابية.
وهو انقلاب في الاتجاه الصحيح. بل هو واجب وضروري لتحقيق أحلام من ضحوا بأرواحهم وبدمهم ودموعهم وحرياتهم لتحقيقها.
هو انقلاب على “ما هو كائن” من قبح وباطل، من أجل “ما ينبغي” أن يكون من جمال وحق.
(7)
بطريقة ما، أصبح من الواضح الآن أن تجارب الثورات الشبابية الشعبية في كل الدول والمجتمعات التي اشتعلت فيها تسير في نفس الاتجاه وتسعى لتحقيق ذات الهدف عبر طرق متجاورة، تتقاطع دروبها في بعض المحطات، ثم تفترق لتلتقي في محطات أخرى.
وفي بعض اللحظات تبدو هذه الثورات وكأن كل واحدة منها تقدم للأخريات مما استخلصته – أو مما يمكن استخلاصه – من تجاربها، خارطة طريق تهتدي بها للوصول إلى محطة تحقيق أهدافها المرحلية.
وكملاحظة جانبية، علينا أن نعي بأن: أهداف الثورة من زاوية الإطلاق والتجريد دائماً هي أهداف مرحلية. إذ ليس للثورة محطة وصول أخيرة ونهائية تبلغها، طالما الإنسان ينشد الكمال ويسعى لتحقيق الفردوس في الأرض.
وإذا أصبح من الواضح ما الدرس الذي قدمته لنا ولثورتنا التجربة التونسية، التي نجحت قواها الشبابية في إزاحة حرس الدولة العميقة القديم من السلطة، وبطريقة دستورية وقانونية، ودفعت بوجوه من خارج النادي السياسي التقليدي إلى واجهة المشهد.
فإن هذا الدرس ينبغي أن يُترجم في مفكرة وأجندة شباب ثورة سبتمبر إلى جهد تنفيذي جاد لتوحيد قوى الثورة الحية بعيداً عن أسوار النادي السياسي التقليدي الذي لم يتحرر بعد من رؤيته السلطوية/ الأبوية/ الأحادية/ الإقصائية، الضيقة.
(8)
ثمة أمر مشترك لافت في انتفاضات الشباب الثانية يدعم هذا التوجه الذي نقترحه على لجان المقاومة وقوى الثورة الحية في مختلف الدول التي شهدت هذه الانتفاضات بكل من السودان ولبنان والعراق وليبيا الآن يميزها عن انتفاضات الربيع العربي التي انطلقت في العقد الأول من الألفية الثانية، في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا.
فمن ناحية لا تبدو الموجة الثانية كاستئناف للموجة الأولى. رغم القواسم المشتركة بينهما، من حيث القوى الشبابية التي اشعلت فتيلها. ومن حيث انطلاقهما معاً بصورة عفوية دون تخطيط مسبق، ثانياً. ومن حيث لافتاتها التي خلت من الألوان الأيديولوجية، ثالثاً.
ورغم هذه الخيوط المشتركة التي تؤكد للوهلة الأولى بأن الموجة الثانية إنما هي استئناف للموجة الأولى، إلا أن الشخص لا ينزل النهر نفسه مرتين. فهناك ما يؤكد تميز هذه الموجة، من حيث أهدافها.
فالموجة الأولى كانت أقرب إلى الحركات الاحتجاجية الإصلاحية. بينما تشير كل الدلائل على أن الموجة الثانية أكثر جذرية، وأنها أقرب ما تكون إلى كونها “مشروع ثورة”.
وإذا كان سقف مطالب الموجة الأولى تحدد بتغيير السلطة الحاكمة، (تسميه “النظام”):
تسقط بس.
فإن الموجة الثانية أعلنت كفرها بالنظام في كليته. فقدرفع اللبنانيون شعارات في حراكهم تجاوزت الطائفية والمناطقية ورفعوا العلم اللبناني وحده. فقال مشيل عون أن اللبنانيين فقدوا الثقة في الدولة وعلى السياسيين أن يعيدوا للمواطنين الثقة في دولتهم!! فالجميع في لبنان يطالبون بذهاب الطبقة السياسية في الحكومة والمعارضة:
(كلن يعني كلن).
إنهم جميعاً وبصوت واحد (وشبابنا معهم)، يطالبون بذهاب الطبقة السياسية التي ظلت تنتج، وتعيد إنتاج نفس الفشل والأزمات، عاجزة عن كسر الحلقة الدائرية المفرغة لتأسيس الدولة الحديثة التي تحقق أحلام تلك الشعوب في الحرية والعدالة والرفاه.
هوامش
(1) يوسف السندي: انقلاب تونس، موقع صحيفة الراكوبة الإلكترونية، بتاريخ 27 يوليو 2021.
(2) حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي: البركة في الجميع تونس الخضراء ذبلت وفقدنا وطنا آخر والبقية تأتي، موقع صحيفة سودانايل الإلكترونية، بتاريخ 27 يوليو, 2021.
izzeddin9@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك