19 يوليو سفر البشاشة والحزن !! “ذكريات موغلة فى البعد ” .. بقلم: عدنان زاهر – تورنتو


1

القطار الذى تكاد مؤخرته تلامس الأفق البعيد ، يسير بحذرملاحظ كعدّاء يحاول أن يدّخر قوته فى أول السباق، للاستفادة منها فى مراحله النهائية .هذا القطر الذى امتطيه كان عليه أن يقطع الجزء الغربى من الاتحاد السوفيتى ” القديم “متجاوزا سهول “اوكراينا ” و مخترقا بولندا، تشيكوسلفاكيا، النمسا حتى يصل محطته الأخيرة ” روما “.كنت متشوقا الى الوصول للخرطوم لحضور الأيام الأولى لحركة هاشم العطا 1971 ….لمشاهدة التاريخ و هو يكتب….. ذلك الأنفعال المنفلت من عقاله زاد من احساسى ببطء ذلك القطار.
كان قد انقضيا عامان على وجودى فى موسكو و قد أكملت السنه الأولى من دراستى القانون، و لم أكن حريصا للعودة للسودان فى اجازتى السنوية، و لكن كان لأسرتى رأيا آخر – و كما علمت لاحقا – فهم لا يريدون بقائى بعيدا عن السودان لفترة طويلة حتى لا يؤثر ذلك على ارتباطى الوجدانى و المادى بالمجتمع….. باختصار كى لا أنسى الوطن، لذلك السبب قاما بارسال تذكرة السفر من روما للخرطوم ،و كان محض صدفة أن يتزامن ذلك قبيل قيام هاشم العطا بحركته بعدة أيام ( أسميه لاحقا هنا انقلاب هاشم العطا ).
فى الحقيقة لم أكن أفهم لماذا تذكرة السفر بالطائرة من روما للخرطوم…. و ليس من موسكو للخرطوم ؟!……..هل لم تكن هنالك رحلات مباشرة من الخرطوم للأتحاد السوفيتى فى ذلك الزمن ؟!…..قمت بتوجيه ذلك السؤال لشقيقتى الكبرى….أجابت بأندهاش و تعجب ( تسألنى بعد خمسين سنه………..كمان دايرنى اتذكر ليك ) !!!!
لم أكن فى ذلك الوقت مستعدا للسفر من جميع النواحى، وقد أستلمت التذكرة قبل وصول قروش منصرفات السفر .عندما وقع أنقلاب هاشم العطا فى تلك الأيام فاجأ الجميع بالطبع بما فيهم شخصى….قررت السفر دون انتظار النقود. كنت معدما و لم يكن معى غير سبعة دولارات أمريكية ،تحركت من موسكو نهار 20 يوليو و معى حقيبة سفر صغيرة، كيس به بعض من مكسرات ( بندق، لوز،عين جمل ) كنت قد قمت بشرائهم لوالدتى ” يمه ” من آخر ما أملك من ” روبلات ” روسية، فقد كانت تعشق المكسرات.لم أكن أحمل هما رغم سفرى غير العادى ( شباب )، كأنما الرحلة كانت بين أمدرمان و الخرطوم…..حالما ب ( الثورة ) التى سوف تغيّر السودان. كنت أظن وقتها اننى و بعد وصولى روما سأركب الطائرة مباشرة الى الخرطوم و لا حاجة لى لنقود أقوم بصرفها !
كان السفر مشوقا و القطار يخترق السهول الاكورانية و الجبال و محازيا لنهر ” الدون ” الذى ينبع من منتصف روسيا متجها جنوبا ليصب فى بحر ” آزوف “. لم أرى جمالا للطبيعة كما شاهدتها فى أوكراينا، و لا أجمل من نهر الدون وغابات الخشب تسبح برفق على سطحه فى طريقها الى أماكن التجمع.كنت مبهورا بجمال الطبيعة من جانب و مشوش التفكير من الجانب الآخر وأنا أفكر فى أى الاتجاهات سوف تسير الأحداث فى السودان ؟!!

2
ظل القطار لاهث الأنفاس يقطع السهول و الوديان،الجبال و الغابات، تتبدل السحنات و الأشكال و هو يتجاوز حدود البلدان التى يخترق سهولها. ذكر الرفاق الأقدم و الأكبر سنا فى مدينة موسكو (ان هذا الأنقلاب على قيادته شيوعيين و ديمقراطيين )…..خطر فى ذهنى ان كثير من الأشياء سوف تتغير….السودان لديه الفرصة الآن للسير فى الطريق القويم بعد ربع قرن من الأستقلال. الآن و أنا أكتب تفاصيل تلك التجربة بعد خمسين عاما…..توصلت الى اننى كم كنت غرا،حالما ، واهما و متفائلا تلك الأيام !!!
كنت أقتصد بقدر ما أمكن فى أكل السندوتشات و هى بالكاد لا تكفى يوما واحدا، ناهيك عن ثلاث أيام حتى الوصول لهدفى الاخير….روما. ظللت طيلة الرحلة أحلم و أرسم لالالوان فى مخيلتى صور السودان الآتى…..سودان المستقبل..
( التعليم لكل مواطن سودانى حتى الجامعة، مجانية العلاج و توفره…..الأطفال و هم يمرحون فى الحدائق الغناء…..حق العمل لكل شخص بالغ…..الحقوق المتساوية لكل الأشخاص بصرف النظر عن لون الشخص….قبيلته و منشئه و خلفيته الاجتماعىه و الاقتصادىه و الدينية… الأنفتاح الثقافى و مهرجانات الغناء و الرقص….التطور الرياضى…. الكتب المنهمرة من جميع أرجاء الكون ….النهضة العلمية……..الخ )…
قطع سلسلة تلك الأحلام الوردية صفير القطار و هو يعلن عن وصوله ” روما ” محطته الأخيرة . التقطت أنفى مباشرة و بنهم رائحة الدخان المنبعث من القطارات…… تلك الروائح تثير فى نفسى دوما الحنين و تيقظ الذكريات الدفينه…..كما أن هسيس المحطات و ترحابها الغامض يستدعى صورا مبهمة و متداخلة عن الوطن البعيد.
نزلت من القطار،قمت بتأجير ” خزنة ” صغيرة فى المحطة و أدخلت فيها عفشى المتواضع ثم اتجهت للبحث عن مضيفى ( س ) الذى يعمل بمنظمة الفاو، و كان قد أوصى من قبل الزملاء لأستقبالى.لحسن حظى لم يكن مقره بعيدا،عند دخولى عليه و قبل أن يرد على تحياتى المنهمرة بالطريقة السودانية، خاطبنى بصوت غلب عليه الحزن و بدون مقدمات ( ترجع طوالى الى موسكو…مافى ليك مشية للخرطوم )!!!….مضيفا ( نميرى رجع السلطة من جديد….هنالك حملة دموية و مجنونه ضد الشيوعيين و القوى الديمقراطية….اعتقالات عشوائية للجميع و انفلات أمنى و ممارسات انتقامية ومن الخطورة العودة الآن للسودان )….كان ذلك اليوم هو الثالث و العشرين من يوليو 1971 .

أواصل…..
عدنان زاهر – تورنتو
29 يوليو 2021

elsadati2008@gmail.com


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!