اقليم دارفور في الفكر السياسي السوداني (1/13) .. بقلم: محمد صالح عبد الله يس


تاريخيا تدل الشواهد والاثار والمحفورات ان شعوب الداجو هي اولي الشعوب التي قطنت هذا الاقليم ولا يعرف المؤرخون مجموعة سكانية قطنت هذا الاقليم قبلهم ووصف المؤرخ بن عمر التونسي في كتابة تشحيذ الاذهان بمعرفة بلاد العرب والسودان وصف قبائل الداجو بانهم شعب حضارة يحبون الفنون وهم اهل رفاه عاشوا في دعة وحياتهم غاية في الرغد والسعادة وتحدث عن بلاط الداجو الذي يجلس علي قمته السلطان ويخرج في المواسم والاعياد محاطا بابهة وجلال ويزدان موكبه بالمزامير والهواتف البيئية وله من الطبول والنحاسات تضطرب منها الافئدة والاذان
لم يكن هذا الاقليم معروفا قبل سلطنات الداجو رغم الحفريات القديمة والبائسة من قبل بعض المؤرخين الذي وقعوا في فخ واحابيل بعض القبائل التي تريدان تؤرخ لذاتها وتلغي الاخرين جملة واحدة رغم محاولة المؤرخين استصحاب بعض المترجمين معهم الا انهم لم يتمكنوا من الوصول الي ماهية وكنة وجودهذا الاقليم بسبب الحاجز اللغوي اذ ان تعدد الالسن وتباين لغات اهل الاقليم كانت هي العقبة الكؤد التي عصفت بمجهودات المؤرخين الباحثين عن ماهيته وظل الاقليم مجهولا جهالةٍ فاحشة فنسجت حوله الاساطير والخرافة واصبح الحديث عنه مرتعا للاشاعات والاقاويل وتحول تاريخه بسبب بغياب البحث والتقصي الي شبه حقائق ومسلمات يتناقلها المؤرخون والعوام علي حد سواء فتعثرت معرفة هوائها وترابها ومائها وكافور مزاجها
يصنف الجغرافيون اقاليم العالم الي نوعين اقاليم حبيسة او دول حبيسة ليس لها موانئ او شطان تخلوا منها المنافذ البحرية والنوع الثاني اقاليم ودول متشاطئة قريبة من البحار ومساقط الانهار واقليم دارفور مصنف من الاقاليم الحبيسة والمغلقة فجميع حدود الاقليم تتاخم الكتلة اليابسة من جيرانها فهي تشترك في حدودها مع دولة وسط افريقا وتشاد وليبيا ولها حدود مع مصر ومتساكنة مع دول جنوب السودان التي انفصلت عن السودان لاحقا لها فاقليم دارفور من الاقاليم او الدول التي تقع علي قارعة الطريق الامر الذي جعلها معبرا لشعوب ومجموعات اثنية وقبلية من افريقيا الغربية والشمالية الغربية والجنوبية الغربية فاصبح مهبطا لحضارات وثقافات مثقلة باعباء تاريخية القت بظلالها علي مجاميع الحمولة الاجتماعية علي حركة السكان وسبل كسب عيشها وادت هذه الهجرات الي استحداث نمط جديد للحياة السياسية والثقافية واصبح الاقليم بين غمضة عينٍ وانتباهتها الي وريث شرعي للممالك الافريقية القديمة ذات الارث التاريخي الباذخ في نظم الحكم والادارة
وفي المقابل ايضا وفدت علي الاقليم مجموعات سكانية افريقية كانت تعيش علي هامش بلاط الممالك القديمة وتساكنت مع مكونات الاقليم وانصهرت واندمجت واصبحت جزءا منه لحما ودما وجغرافية وتاريخ وادي هذا التنوع الي خلق واقع اجتماعي جديد يشكل الواقع الحالي
منذ ان اندلع الصراع الاخير في دارفور حاول الكثيرون من رواد علماء الجيوبولتيك ومهندسو السياسة العالمية وخبراء الصراعات داخل اقاليم الدولة الواحدة حاولواجميعهم ان يجدوا تفسيرا لماهية ماجري ويجري علي الرغم من استصدار قوي الحراك الثوري بيانات ومنوفستات تحدثت ان اسباب حملهم للسلاح واعلنوا اهدافهم واضحة الا ان الدولة او الحكومة كانت لها تفسير اخر لاسباب التمرد واعلنت للعالم ان الصراع الذي يدور خور صراع ارض بين الرعاة والمزارعين وسوقت هذه الفرضية المتوهمة الي دول العالم واصدقائها الاقليميين واستاجرت بيوتات الاعلام وشركات العلاقات العامية الربحية لتدافع عنها وتردد مقولاتها ومزاعمها واستقدمتهم الي دارفور ورافقتهم الي مدن وامصار بعض الاقليم الامنة والاقل تاثرا بالحرب متحاشية مناطق الصراع وبؤر التوتر الحقيقية التي باتت مادة دسمة لصحافة العالم الحر الذي تصدرت صحفها وفضائيات اكلشيهات الموت والدمار التي لحقت بقري المواطنين العزل الذين استخدمتهم الحركات كدروع ومصدات امنة من نيران القوات الحكومية التي عاثت فيها نهبا وقتلا وترويعا
في الاعلام المحلي تناولت الصحافة السودانية الازمة الدارفورية حسبما تريد الحكومة واستنفرت لذلك مجموعة من صحفيها واستكتبتهم بما تهوي وقد سقطت اقلام كثيرة في فخ احابيلها فسودوا الصحف باقلامهم الراعفة ينفخون مزامير الحرب وينادون بحسم التمرد الذي احدث خسائر كبيرة في مشرفية الحكومة وعواليها فاكثروا النباح والعويل وليست النائحة المستأجرة كالنائحة الثكلي وتولت اجهزة الدولة الرسمية من تلفاز واذاعة كبر الحملة وجيشت المشتغلين بصناعة الابداع من فنانيين وشعراء لارباك المشهد الثقافي وتجيره لصالحها وقد راينا افرادا منهم تحدثوا عن ازمة الاقليم في الاجهزة الرسمية حديثا كان مسيئا لاهل دارفور وفقدوا مكانتهم في وجدان اهلها بعد ان استبدوا بقلوبهم سنين عددا ًمنهم اعداد
اتجه النظام الي الادارات الاهلية وطوعتهم لمصلحتها واشترت الضعاف منهم بالمال والهلل واصبح العمد والشراتي والنظار تروس في ماكنة السلطة الحاكمة فامتلكوا الفلل والعمارات واصبح ولاة الاقليم المنكوب فريسة سهلة في ايديهم بل تحول بعضهم الي مبتزون للولاة الذي انعموا عليهم بالسيارات الفارهة كما قال احدهم مخاطبا كبير المردة في زياراته لاحدي الولايات ( قال بملء فيه اننا معك ياسيدي الرئيس قلبا وقالبا نحن لا نريد منك شيئا غير الناقة اليابانية في اشارة الي الاندكروزر )
ساتناول في هذه المحطات الاباء المؤسسين للحركات الاحتجاجية وتمردها علي المركز منذ سقوط المهدية بدأً بالسلطان تاج الدين ومعاركه مع الفرنسين ومعركة فيرا مع ابناء السلطان عبد الرحمن فرتي الكبير مع الفرنسين هناك ومعارك الرزيقات مع سلاطين باشا مرورا بقيام سلطنة الفور الاخيرة بقيادة علي السلطان علي دينار وحتي استشهاده ثم اعرج الي مظاهر الاحتجاجات منذ العام 1917 والاحداث الكبيرة في الاقليم ونعرج علي ثورة الامام السحيني ومحاكمات ابناء امكدادة بعد ثورة السحيني مباشرة وكيف تعاملت السلطات هناك مع الشباب الذين انتفضوا ضد المستعمر بقيادة الانصاري احمد جمعة نمي وحادثة الاعتداء علي رئيس الوزراء عبد الله خليل في ندوته المحضورة وكيف عومل الشيخ علي محمد الطيب الذي وجهت اليه اصابع الاتهام في هذه الحادثة
كذلك من العلامات الفارقة في تاريخ الاقليم هو حادثة حريق العلم البريطاني في الفاشر في الثاني من فبراير 1952 فقد كان لهذا الحدث اثاره السياسية والثقافية فقد انطلقت الثورة من نادي دارفور الذي كان منتدي لاهل الفاشرجميعا اتخذ فيه قرار حرق العلم البريطاني فهو حادث متفرد فلم تمر بريطانيا بمازق خطير مزق عزتها وكبريائها ولم تمتهن كرامتها في جميع مستعمراتها الا في هذه الرقعة من السودان ثم اتعرض بحول الله الي الحركات والثورات والانتفاضات التي التي تلتها وحتي العام 2003 متحريا في ذلك الموضوعية وتحاشي سقطات النفس الامارة بالسوء
قطعا ساتناول بالتفصيل غير المخل عن دور الحكومات السودانية المتعاقبة وتعاملها مع هذه الاحتجاجات وكيف ينظر المركز لقضايا دارفور وكيف تعاملت الانظمة بعد الاستقلال مع القضية
الاحزاب السياسية من اقصي اليمين الي يسارها كانت حاضرة في ازمة دارفور بعضها استبضع من سوقها فباع واشتري ولعبت دورا محوريا أخطأت فيه واصابت
ماهو دور الاقليم في مشروعات الدولة السودانية الكبري ماهي تراتيبيتها في سجل النضال الوطني عبر الحقب المختلفة مثل مشروع التحرر و الاستقلال ومشاريع الوحدة والهوية ومجادلتها واين دارفور من وجدان النخب السودانية التي آلت اليها مقاليد الحكم بعد خروج المستعمر وماهو نصيب الاقليم من المشاريع الخدمية الكبري في البلاد وكم هو حصتها ونصيبها
من المشروعات الخدمية من بين اقاليم السودان
ايضا سنتناول في هذا السفر العلاقات الاقليمية وتدخلاتها ودور وجهودها في الازمة وكيف القت بظلالها وثقلها علي مجريات الازمة وقد وثقت معظم هذه الجهود وقد تسني لي حضور الائتمارات والاجتماعات المكثفة التي دعت لها ليبيا وتشاد الفرقاء السودانيين
اما الاعلام السوداني فهو المسئول عن بناء جسور التواصل بين اهل السودان فقد لعب دورا سالبا اثر في خلخلة البنيان والتركيبة الاجتماعية وساهم في تشظي مكونات الاقليم وانهيار مشتركاته واذكي نيران ثقافة الكراهية بين الاسرة الواحدة وفقد مصداقيته وتحول الي مهرج يصنع المخاتلات والمناورات فهجرته جماهيره واعلنت مقاطعته ووجدوا خيارات وبدائل محايدة تنقل اخبارهم وتعبر عن معاناتهم وقد لعبت وسائل التفاعل الاجتماعي دورا عظيما في صناعة وانتاج المعلومات وتدويرها واستطاعت هذه الوسائط ان تهزم اعلام الدولة الرسمي واجبرته صاغرا ان يتناول بعض اخبار الاقليم ومعاناته
بطريقة مبتذلة وخجولة
اخر السفر ساتطرق فيه الي قيام حركات الكفاح المسلح الحديثة وهوياتها وظروف نشأتها واتناول سير قيادتها ثم التحديات التي واجهتها واسباب تشطبها وانقساماتها واثر ذلك علي مستقبل التسويات السياسية واخير وليس اخر ساتناول الاتفاقيات الجزئية بين الحركات ونظام الانقاذ و إتفاق جوبا للسلام وهل هي لها القدرة علي تحويل طاقات الحرب والاقتتال الي طاقات يجابية وتحشد لها الارادات الدارفورية وقطعا سنستعرض الانتقادات التي وجهت اليها ونتعرف علي الاسباب الحقيقية لممانعة بعض الحركات للانضمام اليها
هذه مقتطفات من هذ السفر ارجوا ان اوفق في ذلك فاذا هذيت فصبر وان ضل رشدي فعذر
ms.yaseen5@gmail.com
باريس


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!