السودان جاذبية الوحدة ومآرب شرذمة البحر والنهر (3- 3 ) .. بقلم: حامد جربو/السعودية


نواصل في هذا الجزء الثالث الأخير سرد ما تبقى من الصراعات البينية في سلطنة سنار ….
في عام 1804م توفى الشيخ ادريس وتولى الوزراء اخوه عدلان فاشغل بالملاهي والملذات واهمل امور المملكة . اتفق ابن اخيه مع الفونج والشيخ كمتور شيخ خشم البحر والملك رانقي على الفتك بعدلان , فعلم عدلان بمكيدة فأسرع الى جواده فامتطاه هارباً نحو سنار فرماه احدهم بحربة فأصابته فوقع من جواده ميتاً وكان ذلك في عام 1804م .
– تولى الوزارة بعده الوزير عدلان ابن اخيه محمد بن رجب , ولكن بقيت الكلمة لمعاونه محمد ابو ريش , ولم يمض شهر حتى وقع خلاف بين الشيخ كمتور نصير الملك وبين محمد ابو ريش نصير الوزير , فأدى الخلاف الى القتال بينهم فانهزم ابو ريش ووقع محمد بن رجب اسيراً في يد الشيخ كمتور فاسجنه, ودخل سنار واطلق أيدي العسكر في سلب اموال الناس..! فتوسط العلماء والأعيان في الصلح بين بينهما, وشرط على الشيخ كمتور ان يرد جميع ما سلب من سنار ويطلق سبيل الوزير ود رجب, فأظهر ابو ريش الرضى بصلح واضمر الغدر ..! فلما رد الشيخ كمتور ما سلبه واطلق سراح الوزير ود رجب , زحف ابو ريش برجاله فالتقى بالشيخ كمتور في ام صويبينة قرب سنار واندلع القتال بينهما فقتل فيه جماعة من كبار الفونج , وانهزم الملك رانفي فدخل قصره واجتاز الشيخ كمتور النيل الى بلاده كان ذلك عام 1805م . فاصبح الحادث ام صويبينة مضرب المثل ..( يبين لك اللي بان للكماتير في ام صويبينة ), دخل محمد ابو ادريس سنار فقتل الملك رانفي واعاد الملك بادي بن طمبل المعزول الى منصبه كان ذلك في سنة 1806م .
– في سنة1807م وقع خلاف بين محمد بن رجب ومحمد ابي ريش , فتقالا قتالا شديدا في مكان يسمى مهراية فانهزم محمد رجب وهرب الى العيلفون والتجأ الى اولاد الشيخ ادريس واخذ يرسل الى الشيخ كمتور والشنابلة واولاد سليمان السعداب وملوك شندي فاجمعوا كلمتهم على محاربة محمد ابي الريش وجعلوا عليهم ملكاً يسمى (عجبان ) من ذرية ملوك الفونج وجاءوا الى عبود في الجزيرة متهيئين للقتال ولكن محمد ابي الريش توفي في منتصف السنة وترك عساكره في حيرة .
– في عام 1812م نشب خلاف بين السعداب والجميعاب وتطور الخلاف الى قتال , فقتلُ فيه ارباب باب النقا , كان رجلاً شجاعاً عفيفاً نقياً وقتلُ معه جماعة من ابناء عمه وانتصر الجميعاب وقويت شوكتهم فرفعوا رؤوسهم على ملوك الجموعية واولاد عجيب مشايخ الحلفاية, .
– في عام 1816م زحف ود عدلان بعساكره على الحلفاية لقتال الشيخ ناصر ود عجيب ففر الشيخ ناصر ود عجيب الى شندي واقام فيها الى ان رجع عدلان الى سنار فعاد الى الحلفاية وبقي فيها حتى الغزو التركي المصري
– في عام 1820م . ارسل الشيخ محمد كمتور شيخ خشم البحر عساكره لقتال التكارنة في القلابات على حدود الحبشة , فأغتنم محمد ود عدلان الفرصة فسار اليه وقتله اخذاً بثأر ابيه , ورجع عدلان فرحاً مسروراً بثأر ابيه الى سنار.
– وفي نفس السنة ولى الكماتير ضراراً أخ الشيخ محمد كمتور شيخاً عليهم وزحفوا الى محمد ود علان لأخذ ثأر شيخهم ..! التقى الجمعان عسكر ود عدلان وعسكر ضرار فتقاتلا قتالاً شديداً , هٌزم عسكر ضرار في المعركة وقتلُ عدد من رؤسائهم , واُرسل بشرى لمحمد ود عدلان ,وعاد عسكره الى سنار.. وبقي فيها مع الملك بادي ملك الفونج الى ان قدم اسماعيل باشا في 1821م .
هذا مختصر من ارشيف الصراعات والنزاعات في سلطنة سنار التاريخية والجدير بالذكر هنا ,ان في فترة القرون الثلاثة من عمر سلطنة سنار مرّ على كرسي السلطنة ( 27) سبعة وعشرون ملكاً ,بمعدل ( 11) أحدى عشرة سنة حُكم لكل ملك من ملوك سنار ..! قتلُ تسعة ملوك وطُرد او عُزل من سدة السلطة نصف هذا العدد..! وهذا ينطبق على شيوخ عبدلاب في قرّي..! وهم شركاء الفونج في السلطنة ,من الذين قتلوا على يد ملوك الفونج الشيخ عجيب المانجلك أو ( المانجل ) واحفاده من بعده , الشيخ ارداب ود عجيب والشيخ عبد الله الرابع ود عجيب , وقتل وغيرهم .مرّ على كرسي مشيخة قري والحلفاية في عمر سلطنة سنار (18 ) ثمانية عشر شيخاً بمعدل (17 ) سبع عشرة سنة حُكم لكل شيخ , وكذا الحال بالنسبة لملوك الجعليين في شندي , مرّ على كرسي مملكة سعداب في شندي (16 ) ستة عشر ملكاً في فترة حكمهم التي دامت 235سنة من عمر السلطنة , بمعدل (14 )اربع عشرة سنة حكم لكل ملك .وهكذا الوضع مع بقية الممالك والإدارات المناطق التابعة للسلطنة ..!حذوا حذوة الملوك والشيوخ ,” الناس على دين ملوكهم ..!” وتطور الصراع الى شكل من اشكال الانتقام والأخذ بالثأر , والغدر والخيانة..! وصارت المملكة عبارة عن بؤرة أو مستنقع الصراعات.! واستمر هذا الوضع طوال القرنين الأخرين من عمر السلطنة وزادت حدتها في نهاية القرن الأخير واصبح الوضع اشبه بالفوضى وضاعت مركزية الدولة وتشتت وتفرقت في شكل مراكز قوى بين ملوك الفونج وشيوخ الهمج وشركائهم من العبدلاب والشيوخ الطرق الصوفية ..!في حقيقة الأمر سلطنة سنار سقطت كمنظومة سياسية مركزية قبل دخول إسماعيل باشا مدينة سنار ..!يتضح ذلك من اسباب غزو محمد على باشا للسودان في عام 1821م ..! ومن الأسباب الغزو : الفوضى التي صارت اليها مملكة سنار يومذاك من شقاق ملوكها واستفحال الهمج الذين استأثروا بالسلطة , في هذا الظرف التاريخي ذهب الملك نصرالدين ملك الميرفاب في بربر الى مصر فشرح حال مملكة سنار وما صارت اليه من الضعف والانحلال لمحمد على باشا, وشجعه على غزو السودان ..!. بمقارنة بسيطة مع سلطنة فور التاريخية في غرب السودان التي عاصرت سلطنة سنار , نجد ان زهاء القرن ونصف من عمر السلطنة فور الموثقة جيداً, من عهد السلطان موسى 1715م الى آخر عهد سلطان محمد حسن في عام 1874م , مرّ على كرسي السلطنة تسعة سلاطين , بمعدل (18 ) ثمان عشرة سنة لكل سلطان, لم يُقتل أو يُعُزل أي سلطان في هذه الفترة , كانت هناك مناوشات ومعارك متقطعة من وقت الى اخر في جنوب السلطنة مع الرزيقات ولكن لم يصل مرحلة التي وصلت اليها سلطنة سنار..!.
هذه مقتطفات من سلطنة سنار التاريخية , المرجعية السياسية لشرذمة عمسيب التي يلهث وراءها لتكون نواة لدولة البحر والنهر المتعايشة والمتجانسة المزعومة ..! هل يفلح في مسعاه..؟ لا اعتقد ذلك .
الخلاصة : في خلاصة المقال نؤكد ان مرجعية سنار او مثلث حمدي لا يستطيع ان يصنع دولة البحر والنهر المزعومة ..! قرأتم ما جاء في سطور المقال وعرفتم من السرد الطويل كيف كان وضع سلطنة سنار قبل الغزو التركي المصري..! الذين يلهثون وراء دولة البحر والنهر لا يعرفون تفاصيل الصراع التاريخي في وسط السودان الذي امتد الى هامش السوداني في مرحلة من مراحل تطوره حتى وصل الى غرب افريقيا منطقة حوض بحيرة تشاد ..!. وسط السودان تقطنه مجموعات قبلية مستقلة عن بعضها البعض داخل حدودها الطبيعية ,متنوعة ثقافياً ومتفاوتة تاريخياً ومختلفة عرقياً ..!القبلية والعرقية منتشرة بصورة ملفتة للنظر في الوسط السودان ..! يتمثل في تشدد العرقي وتميز القبلي الذي اتخذ نمط الشلوخ والأوشام في الوجه لتحديد هوية القبيلة أو الجماعة من غيرها ..!هذه المرحلة من التشدد العرقي لم تصل اليها أي جماعة عرقية او قبلية في السودان خارج اطار الوسط ..! حتى المهدية فشلت في البداية من حشد قبائل الوسط ضد المستعمر التركي المصري ..!ذلك ان القبائل وجماعات الوسط كانوا قد تفرقوا في شكل جماعات وقبائل وطرائق قددا, انعدمت الثقة بينهم وعبثت بهم الصوفية والجهوية والهرطقة والخرافة .. ! ليس هناك ما يجمعهم حتى لو جاءهم مهدي المنتظر في شخص الأمام محمد أحمد المهدي الدنقلاوي الكنزي ..! حكموا عليه سلفاً ,” الدنقلاوي شيطان مجلد بجلد انسان ..!” فلذا اتجه الأمام محمد احمد بن عبد الله الفحل ( المهدي ) غربا ًحيث ألتفت حوله قبائل الغرب وهبوا النداء وجاء المجاهدون من كل فج عميق ..وبايعوا المهدي ,بالصيغة الجامعة “: ” فقد بايعنا الله ورسوله وبايعناك على توحيد الله , والا نشرك به احداً ولا نسرق ولا نزني ولا نأتي ببهتان ولا نعصيك في معروف , بايعناك على الزهد الدنيا وتركها والرضى بما عند الله رغبة بما عند الله والدار الآخرة وعلى ان لا نفر من الجهاد .كانت المهدية اعظم ثورة سياسية دينية في تاريخ السودان, شكلت المهدية النواة الأولى للدولة السودانية الجامعة .

hamidjarbo@yahoo.com
/////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!