الاستثمار المؤثر في السودان  .. بقلم: د. نازك حامد الهاشمي


يشير مفهوم الاستثمار المؤثر إلى الاستثمارات التي تتم بالشركات أو المؤسسات أو المنظمات بغرض إحداث تأثيرات اجتماعية وبيئية، إضافة لاكتساب فوائد مالية. وهذا يعني أن هدف الاستثمار المؤثر هو إحداث عائد اجتماعي بصورة متسقة مع الجانب الاقتصادي / المالي، وذلك ضمن بيئة متكاملة. ويهدف “الاستثمار المؤثر” أيضا إلى تقليل الآثار الاجتماعية السلبية للأنشطة التجارية، وغدا يُعرف مؤخرا عند المستثمرين بـ “المسؤولية الاجتماعية”.
وفرضت الآثار الناتجة عن التغيرات الاقتصادية العالمية الاهتمام بالاستثمار المؤثر بحسبانه وسيلةً مهمةً لزيادة الموارد المالية وتوجيه الاستثمارات نحو المشروعات التي تستهدف تحقيق عائد اجتماعي وبيئي، إضافةً إلى العائد المالي. ويعتبر الاستثمار المؤثر من أهم أنواع الاستثمارات المستدامة، حيث يُدمج فيه المستثمر العوامل البيئية والاجتماعية والحوكمة داخل قرارات الاستثمار. ويستلزم الاستثمار المؤثر التحقق من تحديد الهدف والمساهمة في تحقيقه، ومن ثم قياس الأثر الذي أحدثة مثل ذلك الاستثمار.
لقد بدأت فكرة الاستثمار المؤثر في الظهور عام 2007م، عندما كانت الشركات تحاول إظهار مسؤوليتها نحو المجتمع والبيئة، عبر التركيز على البيئة المحيطة بمقر الشركات أو بعض القضايا البيئية مثل الحفاظ على المياه والطاقة، وحملات النظافة، والترويج للمنتجات الرفيقة بالبيئة. وبعد ذلك تطور الأمر بظهور دور المسؤولية الاجتماعية للشركات دون ارتباط حقيقي بالأعمال الأساسية للشركات، مع الاهتمام بما يجعلها تظهر بصورة أفضل للمجتمع. ثم تطور لاحقا مفهوم إدارة الاستدامة في كل أرجاء العالم. وتقدم الآن العديد من مؤسسات وبرامج المساعدة الدولية، مشاريع هادفة للربح تقدم للمستثمرين فرصة لمساعدة الدول وتحقيق التنمية المستدامة.
وتنعكس نتائج وفعالية الاستثمار المؤثر بدرجات متفاوتة على الأشخاص والمواقع والأولويات، غير أن العامل المشترك بين جميع تعريفات “الاستثمار المؤثر” هو أن الأثر يتم تحديده ومتابعته من قبل أصحاب المصلحة ومع المجتمعات والمنظمات التي يخدمها الاستثمار. وتوسع مفهوم الاستثمار المؤثر ضمن إستراتيجية استثمار لا تقتصر على توليد عوائد مالية فحسب، ولكنها تفضي أيضًا إلى نتائج بناءة مثل إنشاء مؤسسات التكنولوجيا النظيفة المفيدة للبيئة، وصناديق التقاعد، والاستثمار في المنظمات غير الربحية، وغير ذلك. ويمكن أن تُقاس معايير الأثر المجتمعي والبيئي عن طريق الوظائف التي يتم استحداثها، والأشجار التي تتم زراعتها، وكمية التلوث الكربوني التي يتم تخفيضها، وكذلك أعداد النساء اللواتي يتم تمكينهن اقتصاديا، حيث ظهر الاستثمار المعتمد على النوع الاجتماعي كجزءٍ من الاستثمار المؤثر، من خلال استثمارات تعزز المساواة بين الجنسين. كذلك أصبح للإستثمار المؤثر أسس حوكمة وضبط للقياس يستفيد منها المستثمر والشركات التي تستثمر فيه. وحديثاً تصاعد الاهتمام العالمي بالاستثمار المستدام في مجالات الطاقة الصديقة للبيئة، التي هي أحد ركائز التنمية. لذلك تركز الاهتمام على مجالات خزن واستخدام الكربون، والطاقة النظيفة (مثل طاقة الرياح والطاقة الشمسية)، والزراعة المستدامة، ذلك لأنها تسمح للمستثمرين بالإسهام في تحقيق تغيير بيئي واجتماعي نحو الأفضل، وفي الوقت نفسه تمكنهم من تحقيق عوائد ربحية هائلة.
وتواجه الدول التي تعاني من مشاكل تنموية عددا من التحديات الاجتماعية والتنموية، يتركز أهمها في خفض نسبة الفقر والبطالة، وإشراك المرأة في الحياة الاقتصادية، وتحسين مستويات التعليم والصحة. ويتطلب تحقيق تحسن إيجابي في هذه المجالات توجيه المزيد من الاستثمارات إلى المشروعات ذات الأهداف الاجتماعية والتنموية. لذلك إتخذت البلدان النامية الاستثمار المؤثر كوسيلة لتجاوز الفجوة لتحقيق أهداف التنمية المستدامة للعام 2030م والذي يتطلب من الحكومات إيجاد آليات مبتكرة وغير تقليدية لتمويل التنمية المستدامة. كما ويُعد إشراك القطاع الخاص (مع القطاع العام) لتوفير رأس المال اللازم لتمويل أهداف التنمية أمراً جديا ومهما يحقق العوائد المالية المتوازية، ويجلب أيضا آثاراً إيجابية على البيئة والمجتمع والقطاعات التنموية ذات التنوع الاقتصادي التي لها الكثير من الآثار على المستثمر والمجتمع. وعبر كل ذلك يمكن أن تُخلق فرص عمل واسعة، وتُوفر السلع والخدمات. كما يمكن تجاوز الآثار السلبية المحتملة والممكنة  لتك الشراكة بين القطاعين العام والخاص عبر إتباع المبادئ الدولية لإدارة المخاطر مثل الحوكمة البيئة والاجتماعية وغير ذلك.
ويتطلب تحقيق أهداف التنمية المستدامة وجود العديد من الأنظمة والسياسات النابعة من السياسة العامة للدولة والتي تضعها ضمن إستراتيجيتها لتشجيع وحفز هذا النوع من الاستثمارات المؤثرة، والذي تلجأ الدول لتطبيقه عبر أفضل الممارسات العالمية في هذا المجال مثل تأسيس صناديق استثمارية متخصصة مملوكة للدولة، أو تقديم مشروعات “قوت العاملين”، وهي مشروعات تهدف لتوفير المنتجات الزراعية والحيوانية بغرض توفير المنتجات الاستهلاكية للعاملين بأسعار تناسب دخولهم، بالإضافة لتحفيز العاملين للتعامل مع المنتجات المحلية وتطويرها لتحقيق الاكتفاء الذاتي. كما وتسهم الصناديق السيادية في الدول اسهاما مباشراً في تعزيز الاستثمارات المحلية ودعم جهود التنويع الاقتصادي. كما تقوم هذه الصناديق بدعم تمويل الخطط وتقديم الرؤى الاستراتيجية التي تحقيق أهداف التنمية المستدامة. ويُمكن لهذه الصناديق أن تمثل داعماً رئيسياً للاستثمار المؤثر في الدول التي توجد بها، لا سيما عندما توجه عدد منها لتخصيص نسبة من عائداتها السنوية إلى أوجه استثمارية محلية تستهدف زيادة فرص العمل، وتحسين مستويات التعليم والصحة، وتمكين المرأة، ودعم البيئات المحلية، ودعم مصادر الطاقة المتجددة. كما ويُعد إدخال الاستثمار المؤثر ضمن الاستراتيجية الوطنية للدولة من الأسباب التي توفر بيئةً وطنية (محلية) مواتية، مع تهيئة بيئة قانونية محفزة، تعمل على تحديد الأولويات الاجتماعية والتنموية. وكل ذلك في إطار مستويات إنخراط الاستثمار المؤثر في المشروعات ذات الأولوية التي تحددها الدولة.
معلوم أن العولمة الاقتصادية فرضت مبدأ انفتاح الاستثمار العالمي ورفع القيود عن انتقال رؤوس الاموال بين الحدود بما يحقق الرفاء الاقتصادي العالمي. غير أن السودان يواجه عددا من العوامل المعيقة لانتشار الاستثمار الأجنبي فيه. ولم يحقق القدر المتواضع من الاستثمار الاجنبي الذي نُفذ في السودان إلا نتائج متواضعة وآثارا محدودة على الاقتصاد المحلي لأسباب قد تعود، في تقديري المتواضع، للنهج المتبع في استراتيجية الاستثمار الذي كان (ولا يزال) يأخذ عادةً شكل الصفقة أو العقد المحدد بفترة زمنية ينتهي المشروع بانتهاءالفترة الزمنية، أو بأيلولتها إلى القطاع العام أو حتى الخاص. غير أن العولمة الاقتصادية تعمل بنظام الاستثمار المستدام بنقل رؤوس الأموال عبر الحدود واستقرارها فيها بما يضمن ديمومة المشاريع وتطويرها وفق المستجدات العالمية، وهي بذلك تفتح المجال لشراكات محلية ذات صلة وفق متطلبات السوق وتطلعات أصحاب المصلحة. هذا بالإضافة لدورها في توفير فرص عمل متنوعة، وفي دمج الخبرات الداخلية مع الخبرات الخارجية المترافقة مع المستثمر. وتساهم مشروعات الاستثمار المستدام في الاهتمام بتوفير بنية تحتية للمشروعات بالإضافة لدورها المؤثر المجتمعي في فتح مراكز تطوير ورفع قدرات الكوادر البشرية في مجالها، كما تتبنى المواهب في قطاع الشباب وأصحاب المواهب من الجامعات وغيرها. ويسهم كل ذلك في وضع أسس لتحقيق النمو المستدام.
ومما يعيب النهج المتبع في الاستثمار بالسودان عدم وجود إستراتيجية واضحة المعالم والتفاصيل للخارطة الاستثمارية، والاكتفاء بالتعامل مع المستثمرين بمبدأ الصفقات ذات الأثر المحدود على الاقتصاد، والتي يسعى فيها المستثمر للإستفادة القصوى من الفترة الزمنية المسموحة له بأقل تكاليف ممكنة ودون الاكتراث للآثار السالبة التي يخلفها المشروع سواءً في تجريف البيئة المحيطة أو صحة إنسان المنطقة التي يستثمر فيها. وهذا إلى جانب أن بعض المستثمرين قد يمارسون بعض أنماط من الفساد مع بعض المنتفعين المحليين بغرض التهرب من الالتزامات، أو مخالفة شروط الاستثمار المصاغة وفق قوانين الاسثمار على المستوى المحلي.
نختم القول بأنه لا توجد طريقة واحدة تناسب جميع الحالات عند وضع سياسات فعالة للاستثمار، حيث تختلف الاستراتيجيات والنهج المتبع الذي يحقق النجاح في أي بلد من البلدان، وتتباين من منطقة لأخرى داخل البلد الواحد. ويختلف أيضاً نوع الاستثمار المعين في مختلف الأوقات والظروف، حيث تكون هناك حاجة إلى المراجعة والتنقيح والإصلاح المستمر ليؤخذ في الاعتبار التغيرات أو الظروف الفريدة التي قد تطرأ على الاقتصاد، وذلك باستخدام إطار معين مثل خريطة إصلاح. كما يعد تسارع الاندماج والانفتاح الاقتصادي العالمي محفزا لاقتصاديات الدول، إذ يؤدي الاستثمار الأجنبي (السليم) دوراً كبيراً في دفع الاقتصادات النامية قدماً وربطها بالأسواق الأكبر حجماً. وينبغي الاستفادة الكاملة من برامج الامم المتحدة للتنمية المستدامة عبر المبادرات الإنمائية الرامية إلى تحقيق الغايات الشاملة الواردة في أهداف التنمية المستدامة لعام 2030م، والتركيز على تنمية الولايات المختلفة في السودان، خاصة تلك التي لم تحظ بنصيبها العادل من التنمية، وذلك بتحسين بيئة الأعمال المحلية. وينبغي إنشاء مشروعات استثمارية تشجع وتحفز إيجاد فرص العمل بقيادة القطاع الخاص، وتقوية قدرات أجهزة الحكم المحلي على توفير البنية التحتية والخدمات. كذلك يجب العمل على بناء نموذج تجريبي مبتكر للتنمية الاقتصادية وتقديم الخدمات على أساس التنمية المكانية المتكاملة، وتمويله بناءً على أساس تحقيق النتائج في الولايات المختلفة بصورة متوازنة وذلك عن طريق دمج مشاركة المواطنين ومؤسسات الأعمال من أجل تعزيز المساءلة على المستوى المحلي في الولايات المختلفة. وينبغي أيضا أن يتم كل ذلك كل ذلك عبر دور فعال الحكومة في استخدام الاستثمار الأجنبي على نحو استراتيجي لسد الفجوة التي سببت عدم المساواة على المستوى المحلي، ولتعظيم الفوائد المتحققة كي تنعكس على حياة كل الناس.
nazikelhashmi@hotmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك