كَنْدَاكَاتٌ أَفَغَانِيَّات!  .. بقلم: كمال الجزولي


روزنامة الأسبوع
الاثنين
بالاثنين الماضي، السَّادس من سبتمبر 2021م، قرَّرت محكمة قتلة طالب الطبِّ بجامعة الرَّازي، الشهيد محجوب التَّاج، تأجيل جلستها، للمرَّة الثَّانية، بسبب انقطاع التَّيَّار الكهربائي، مِمَّا حال، كما في الجَّلسة السَّابقة بتاريخ الاثنين 30 أغسطس، دون أن يعرض الاتِّهام، عن طريق البروجكتر، إحدى بيِّناته المشاهدة على شاشة إيضاحيَّة! وحدَّدت المحكمة جلسة الاثنين القادم، الموافق الثَّالث عشر من سبتمبر الجاري، موعداً لانعقاد الجَّلسة المؤجَّلة .. فلكأنَّ نبوءة قد جزمت بأن التَّيار لن ينقطع في ذلك التَّاريخ!
وهكذا من اثنين إلى اثنين تترحَّل الجَّلسات، بلا نهاية، لذات السَّبب: انقطاع التَّيَّار الكهربائي، مع أن هذا الانقطاع ليس حدثاً طارئاً، بل هو أمر عادي يحدث يوميَّاً! والحال كذلك، وطالما أنه ليس أمراً محتملاً فقط، وإنَّما راجح ومتوقَّع تماماً، فلِمَ لا تتحسَّب له السُّلطة القضائيَّة، باستجلاب مولِّدٍ صغيرٍ، ولو بالإيجار، من مال قارون الذي تقتضيه من المتقاضين، يوميَّاً، في شكل رسوم أو غرامات؟!
الثُّلاثاء
أخشى أن مسألة تسليم البشير ورهطه للمحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة بسبيلها لأن تتحوَّل إلى بؤرة نزاع جدِّي بين مجلسي الوزراء والسَّيادة، بل وبين أعضاء الأخير أنفسهم. فقد صرَّح دولة عبد الله حمدوك، رئيس مجلس الوزراء، مومئاً إلى مجلسه، بقوله: «تعاونَّا بشكل كامل مع المحكمة الجَّنائيَّة الدَّوليَّة، وزارتنا المدَّعية السَّابقة والمدَّعي الحالي .. وفي آخر اجتماعاته اتَّخذ مجلس الوزراء قرار التَّسليم، ولكن هذا القرار يجب أن يُعرض على اجتماع مشترك بين المجلسين، ليقرِّر في الأمر» (الدِّيموقراطي؛ 2 سبتمبر 2021م)؛ يعني، بالعربي الفصيح، أن سيادته قد أخلى طرف مجلسه من هذه المسؤوليَّة، واضعاً إيَّاها، بالكامل، على عاتق مجلس السَّيادة! وطبعاً حين يثور التَّساؤل حول المتسبِّب، من المجلسين، حتَّى الآن، في عدم عقد الاجتماع المشترك الذي يُنتظر أن يقرِّر في الأمر، فلن تكون ثمَّة مسؤوليَّة على مجلس الوزراء، طالما أنه فرغ، حسب حمدوك، من اتِّخاذ قرار التَّسليم، فكأنه يقول إن «الدُّور والباقي» على مجلس السَّيادة! أمَّا بشأن توقُّعنا الخلاف بين أعضاء هذا الأخير أنفسهم، فلو افترضنا وحدة موقف المكوِّن العسكري الرَّافض للتَّسليم، منذ أيَّام «اللَّجنة الأمنيَّة»، فليس لنا أن نفترض أن عائشة موسى، وحدها، هي مَن سيكتب التَّاريخ أنها رفضت، من بين كلِّ المكوِّن المدني، أن تلعب دور «البصمجي» على خيارات المكوِّن العسكري!
الأربعاء
كان حدث ولادة «الكنداكة» الأفغانيَّة مريم نايبي عام 2001م ينقش بياناته في السِّجل المدني لأسرتها، حين اقتحمت قوَّات الجَّيش الأمريكي حدود بلادها، في عقابيل حادث  الحادي عشر من سبتمبر من ذلك العام، كي تنهي سنوات طالبان الخمس في السُّلطة منذ العام 1996م. لكن ها هي نايبي تشهد، الآن، وهي في ربيعها العشرين، هروب رأس السُّلطة الذي نصَّبته أمريكا، وخروج نفس القوَّات الأمريكيَّة من البلاد، وعودة طالبان إلى حكم الدَّولة التي مزَّقتها الحرب، لتعود معها مخاوف الشَّعب الأفغاني، خصوصاً نسائه، من الانتهاكات الطالبانيَّة البشعة لحقوق الانسان. ولهذا لم تتأخر نايبي، وزميلاتها اللاتي ما يزلن، هنَّ الأخريات، في مطالع العشرينات من العمر، عن الاحتشاد في مسيرات نسائيَّة هادرة، يزلزلن بالهتاف الدَّاوي شوارع كابول، حتَّى قبل أن تستكمل طالبان سيطرتها التَّامَّة على السُّلطة، يطالبن بصون هذه الحقوق، وفي مقدِّمتها المساواة ـ دائمأً هاجس إهدار المساواة هو الذي يؤرِّق الكنداكات، بالأخصِّ، من الخرطوم إلى كابول، تحت سلطة الاسلام السِّياسي! نايبي وزميلاتها قلن للوكالات إنهنَّ، بحكم السِّنِّ، أصغر من أن يتذكَّرن ملامح حكم طالبان، إلا  أنهنَّ استمعن، باهتمام، للقصص المرعبة عن تحريم خروج النِّساء للعمل أو للدِّراسة؛ فالرِّجال وحدهم، في العقيدة الطالبانيَّة، من يحقُّ لهم ممارسة التعلم، والتَّدريس، وتقلد الوظائف، وتولي الإدارة!
وبالفعل، يتداول المواطنون، الآن، أن طالبان أعلنت، بمناسبة بدء العام الدِّراسي الجَّديد في جميع أنحاء البلاد، أن المسموح لهنَّ بارتياد المدارس هنَّ الطفلات الصَّغيرات، فقط، من الصَّفِّ الأوَّل إلى السَّادس، أمَّا من هنَّ فوق السَّادس فسوف تحكمهنَّ لوائح صارمة يجري اجتراحها، ووضعها، حاليَّاً، بالتَّركيز على فرض الحجاب الكامل عليهنَّ! كما يجري تداول أخبار عن تزويج طفلات بين 12 ـ 15 سنة من جهاديِّين في بعض المدن الرِّيفيَّة!
وبينما يروي المراسلون الأجانب كيف دفع الرُّعب، بمجرَّد أن خطت قوَّات طالبان خطوتها الأولى داخل العاصمة يوم 15 أغسطس2021م، عشرات الآلاف من الأفغان إلى مطار كرزاي الدَّولي ليتسلقوا، كيفما اتَّفق، أجساد الطَّائرات، أيَّ طائراتٍ، للفرار من البلاد، وقفت نايبي وزميلاتها يؤكِّدن لهؤلاء المراسلين أنهنَّ سيبقين في وطنهنَّ، ولن يغادرنه، بل لن يغادرن شوارعه، أو يستجبن لطلب أسرهنَّ بالبقاء داخل البيوت خوفاً عليهنَّ!
في السِّياق اهتمَّ المراسلون بنقل طرف من حوار كانوا شهوداً عليه، دار في الشَّارع مباشرة، بين بعض قادة طالبان وبين هؤلاء الشَّابَّات الصَّغيرات، حيث كان أولئك القادة يحاولون امتصاص غضبتهنَّ بالمبالغة في بذل التَّعهُّدات لهنَّ بأن شكل نظامهم سوف يكون أكثر اعتدالاً، وأن حكومتهم سوف يستظلُّ برعايتها الجَّميع، بعكس ما كان عليه نظامهم وحكومتهم أواخر التِّسعينات! وما هذه التَّعهُّدات غير محض قناع للتَّغطية، وتعبير عن الخوف من هجمة المجتمع الدَّولي! لكن الكنداكات الأفغانيَّات، مثلهنَّ مثل بقيَّة الشَّعب الأفغاني، لا يجدن مبرِّراً، بقدر قلامة ظفر، لتصديق هذه الأقوال، بل يعلنَّ أنهنَّ باقيات في الشَّوارع، يراقبن الأفعال، وهي، على العموم، أفعال، وإن تكن في بدايتها، إلا أنها تثير القلق الجِّدِّي، ولا تبشِّر بأيِّ خير! فعلى سبيل المثال، وجرياً على طبيعة مستصغر الشَّرر في فضح نوايا السَّلفيِّين أهل الاسلام السِّياسي، أوْلت طالبان جلَّ اهتمامها، منذ يومها الأوَّل، لمحو جداريَّات قديمة تحذِّر من مخاطر فيروس نقص المناعة «إتش. آي. في»، ولوحات تشيد بعالمة أنثروبولوجيا أجنبيَّة وثَّقت لتاريخ أفغانستان الثَّقافي! وفسَّر الناطق باسم «لجنة طالبان الثَّقافيَّة» هذا العمل بأنه ترياق مضاد «لما كان يتمُّ خلال العشرين سنة الماضية من إفساد لعقول المجاهدين»، و .. ما ينشب الحبل عالقاً على الجَّرَّار!
الخميس
خبران، في صحف الثُّلاثاء 7 سبتمبر 2021م، تشابها لجهة اختلاف الرِّوايات حول مدى صدقيَّتهما: أحدهما عن شحنة أسلحة تردَّد أنها وصلت مطار الخرطوم، على طائرة الخطوط الأثيوبيَّة، بصورة غير قانونيَّة! لكن إدارة الشُّرطة ما لبثت أن أصدرت بياناً نفت فيه عدم القانونيَّة، وأوضحت أن الشُّحنة مرسلة من موسكو باسم مورِّد مرخَّص له بالاتجار في هذه السِّلعة؛ أمَّا الخبر الآخر فعن تضامن أكاديميِّين وباحثين مع عميد شؤون الطلاب بجامعة النِّيلين، ومطالبتهم بإقالة مدير الجَّامعة على خلفيَّة فصل المذكور تعسُّفيَّاً، وتسليمه خطاب الفصل وهو لمَّا يزل على المنصَّة يدير ندوة فكريَّة! لكن اللغط ما لبث أن ثار، أيضاً، حول هذه الواقعة، بين من يؤكِّدون الرِّواية بحذافيرها، وبين من يقولون أن ثمَّة لبساً شابها بالاستناد إلى بيان من الإدارة نفي الفصل التَّعسُّفي، وإن أكَّد الإعفاء من عمادة الطلاب، على خلفيَّة عدم متابعة العميد لاعتصام نفَّذه الطلاب أمام مكتب المدير احتجاجاً على بعض المسائل، فأين الحقيقة في كلٍّ من الخبرين؟!
الجُّمعة
حقَّ لمن يشاء أن يضرب كفَّاً بكف، وأن يردِّد، بشئ من التَّصرُّف، المثل السُّوداني السَّائر: «النَّاس في شنو، وعساكر أفريقيا في شنو»؟! فبيان الاتِّحاد الأفريقي، الصَّادر بالأحد الخامس من سبتمبر الجَّاري، فور وقوع الانقلاب العسكري الجَّديد، بقيادة الجَّنرال مامادي دونبويا، والذي أطاح، في غينيا، بالرَّئيس ألفا كوندي، وحلَّ الحكومة، وأغلق الحدود، وأوقف العمل بالدُّستور، أعاد إلى الأذهان ما كنَّا قد سبق وعرضنا له، في مثل نفس هذه الأيَّام من العام الماضي، بمناسبة انقلاب أغسطس 2020م في مالي، وما أثرناه حول العجز المخجل لهذا الاتِّحاد عن اتِّخاذ موقف موحَّد فعَّال، يحسم بحزم، ويضع حدَّاً نهائيَّاً لهذه السِّلسلة المتواترة من انقلابات القارَّة، بدلاً من الاكتفاء بهذه البيانات المتشابهة الهزيلة التي لا أرضاً تقطع، ولا ظهراً تبقي! ولتعميم الفائدة نعيد نشر ذلك في ما يلي:
[رغم أن شوارع باماكو ظلت تغلي بالمظاهرات المطالبة برحيل الرَّئيس إبراهيم بوبكر كيتا، بسبب إخفاقاته، إلا أن انقلاب 18 أغسطس 2020م الذي اعتقله، وأُجبره على الاستقالة، دفع مجلس السِّلم والأمن بالاتِّحاد الأفريقي لتعليق عضويَّة مالي حتَّى استعادة النِّظام الدُّستوري، والإفراج عن الرَّئيس، تبعاً لمقرَّرات كانت اتُّخذت في «لومي». وفي الحقيقة ليس متصوَّراً أن يتردَّد الاتِّحاد الأفريقي في تطبيق «إعلان لومي» الحازم، والذي أكَّد احترام القواعد الدُّستوريَّة، وسيادة القانون، وحقوق الإنسان، لتحقيق مشاركة المواطنين في الحكم، خاصَّة أن «القانون التَّأسيسي للاتِّحاد» أعطى «إعلان لومي» دفعة قويَّة برفضه لأيِّ تغيير غير دستوريٍّ في أيٍّ من بلدان القارَّة، كما أباح للاتِّحاد التَّدخُّل في أيَّة دولة تطرأ فيها «ظروف خطيرة»! بالإضافة لذلك فإن الاتِّحاد يملك، بموجب «الميثاق الأفريقي للدِّيموقراطيَّة والانتخابات والحكم» أن يعاقب الدَّولة العضو التي يقع فيها انقلاب أو تمرُّد مسلح يطيح برئيسها الشَّرعي، أو يرفض رئيسها الذي يخسر الانتخابات تسليم السُّلطة!
غير أن الواقع، للأسف، يخالف هذه القاعدة! وبتعبير أدقٍّ، فإن تعامل الاتِّحاد مع انقلابات القارَّة ليس متَّسقاً. فرغم أن معايير «لومي» واحدة، إلا أنه ظلَّ يتَّخذ مواقف صارمة في حالات، ومواقف أهون في أخرى! وبمراجعة هذه الإنقلابات خلال العقود الثَّلاثة الماضية، النَّاجح منها والفاشل، نجد أشهرها انقلاب يحيى جامع في غامبيا، وهو في التَّاسعة والعشرين، حيث أطاح بداودا جاوارا، في يوليو 1994م، ثمَّ ظلَّ يفوز بكلِّ الانتخابات الرِّئاسيَّة، في نموذج فريد للاستبداد يسمِّي فيه نفسه «معالي الشَّيخ الأستاذ الحاج الدكتور يحيى عبد العزيز غونكونغ جيموس جامع»، وإلى ذلك يتولى العديد من المناصب الحكوميَّة، كوزير للدِّفاع، وقائد لأركان الجَّيش، ويروِّج، فوق ذلك، لقدرته على العلاج العشبي لشتَّى الأمراض، كالإيدز، والرَّبو، والصُّداع! ولنظامه سمعة سيِّئة في الاتجار بالدِّين لخدمة مآربه السِّياسيَّة، مثلما لديه أسوأ السِّجلات في حقوق الإنسان، والتي، بسببها، أدانت منظمة العفـو الدَّوليَّة غامبيا عام 2000م، كما أدانتها «محكمة العدل التَّابعة للجَّماعة الاقتصاديَّة لدول غرب أفريقيا ـ إيكواس» عام 2013م، بعد أن كانت رفضت الاعتراف بفوز جامع في الانتخابات الرِّئاسيَّة عام 2011م.
ومن النَّماذج الفاشلة لانقلابات القارَّة، بالمقابل، نجد محاولة المرتزقة الأجانب، في غينيا الاستوائيَّة، عام 2004م، لإسقاط الرَّئيس أوبيانغ نغيما، وتنصيب آخر يساعدهم في إحكام قبضتهم على ثروات البلاد النفطيَّة! كذلك حاول الجَّنرال نيومباري الانقلاب، في بوروندي، على الرئيس نكورونزيزا، أثناء غياب الأخير في زيارة لتنزانيا، في مايو 2015م، وذلك بمنع طائرته من دخول المجال الجَّوِّي البوروندي، لولا أن الرَّئيس استطاع الدُّخول في اليوم التَّالي، فأفشل المحاولة! ولئن كان البشير، في السُّودان، هو آخر الرُّؤساء الذين سقطوا، خلال السَّنوات القليلة الماضية، بتدخُّل مباشر، أو غير مباشر، من جيوش بلادهم، إثر اندلاع الثَّورة في ديسمبر 2018م، وانحياز الجَّيش لها، لتنتصر في أبريل 2019م؛ فقد سبقه كومباوري في بوركينا فاسو عام 2014م؛ وجامع في غامبيا عام 2017م؛ وموغابي في زيمبابوي عام 2017م أيضاً.
ومع أن الاتِّحاد الأفريقي ملتزم، نظرياً، كما أسلفنا، برفض الأساليب غير الدُّستوريَّة في تغيير الأنظمة، لكن ما الذي يسعه القيام به عمليَّاً! للإجابة على هذا السُّؤال استندت صحيفة الواشنطن بوست إلى بحث أستاذ العلوم السِّياسيَّة توماس تيكو الذي وجد أن مصطلح «التَّغييرات غير الدُّستوريَّة» واسع بما يوفِّر مرونة للاتِّحاد كي يستنتج ما إن كان الوضع المعيَّن  يُمثِّل تغييراً دستوريَّاً، أم تغييراً غير ديمقراطي؛ كما وجد أن مواثيق مثل «إعلان لومي»، و«القانون التَّأسيسي للاتِّحاد الأفريقي»، و«الميثاق الأفريقي للدِّيموقراطيَّة والانتخابات والحكم»، تشكِّل معايير لممارسة الدِّيموقراطيَّة. وقد طبَّق الاتِّحاد هذه المعايير على الحالة المصريَّة عام 2011م، حيث انفجرت الاحتجاجات الشَّعبيَّة إزاء توسيع مرسي لسلطاته، وإقدام الجَّيش على الإطاحة به في يوليو 2013م، فعلَّق الاتِّحاد، في البداية، عضويَّة مصر «حتى استعادة النِّظام الدُّستوري»! لكن بعد انتخاب السِّيسي في العام التَّالي (2014م)، أعاد الاتِّحاد هذه العضويَّة، معتبراً أن عزل مرسي، بعد الاحتجاجات الشَّعبيَّة ضدَّه، هو، على الأقلِّ، تمثيل للإرادة الشَّعبيَّة! أمَّا بشأن قواعد تعليق العضويَّة، وإعادتها، والتزام المبادئ الموضوعيَّة، فقد أقرَّ الاتِّحاد بأنَّ عليه تطبيق معاييره باتِّساق، سواء على الأعضاء الأقوياء أو الضُّعفاء! مع ذلك لم يتَّسق الاتِّحاد في حالتي بوركينا فاسو2014م، وبوروندي 2015م! ففي بوروندي اتَّخذ موقف التَّوسُّط في الأزمة السِّياسيَّة، معتبراً الانقلاب فاشلاً بمجرَّد تمكُّن الرئيس من العودة إلى البلاد. لكنه أدان انقلاب بوركينا فاسو، بشدَّة، وهدَّد بمعاقبة قادته! كذلك بدأ الاتِّحاد، في حالة زيمبابوي (2017م)، بإدانة عزل الجَّيش لموغابي، لكنه سرعان ما تراجع على أساس أن «استقالة موغابي نتجت عن حوار بينه وبين بقيَّة القادة»! وفي غامبيا، أيضاً، وعلى غِرار زيمبابوي، رفض الاتِّحاد، في ديسمبر 2016م، الاعترف بجامع بعد رفضه التَّنحِّي عقب خسارته في الانتخابات أمام أداما بارو، لكنه لم يُعلِّق عضويَّة غامبيا، بل ترك الأمر لـ «إيكواس» لإزاحة جامع عن السُّلطة]!
السَّبت
ما يزال ثمَّة من يخلط، دونما هوادة، بين «العلمانيَّة» و«الإلحاد»، مع أن «العلمانيَّة» المعاصرة لا تفترض «الإلحاد» بالضَّرورة، وإن كانت قد اندفعت باتِّجاهه فى بعض النماذج التَّاريخيَّة، كالنَّموذج «اللائكي» الفرنسي؛ لكنها سرعان ما عادت لتبقى «مؤمنة»، بوجه عام، سواء كاثوليكيَّة أم بروتستانتيَّة. لذا، فإن هذا الخلط الذي لا يراعي استصحاب المعطيات التَّاريخيَّة لملابسات تأسيس «عقلانيَّة» السُّلطة المعنويَّة الصَّاعدة في خواتيم القرون الوسطى، ومطالع عصر «الحداثة»، بإزاء انحلال نظام «الاكليروس الكنسي» القديم الذى جرى تحميله وحده، من جهة التَّاريخ الأوربِّى، أوزار الانحطاط، وزوال الحضارة، لهو، فى حقيقته، تعمُّلٌ يرمى، في الواقع، إلى دمغ مجمل الجُّهود الفكريَّة والسِّياسيَّة الإصلاحيَّة التي اتَّخذت موقفاً معادياً لاستثمار العاطفة الدِّينية لدى تلك الشُّعوب في تسويق ما لا يمكن أن يقرُّه، فى الواقع، أيُّ دين: الظلم الاجتماعي!
الأحد
مرَّت، قبل أيَّام، الذِّكرى الثَّالثة والعشرون بعد المائة لمعركة كرري التي وضعت، في الثَّاني من سبتمبر1998م، نقطة في نهاية سطر دولة المهديَّة ـ الدَّولة الوطنيَّة الموحَّدة الأولى في السُّودان. القوَّات الغازية، بقيادة كتشنر، استباحت أم درمان في عقابيل المعركة، واعتقلت، في مَن اعتقلت، خادم الخليفة عبد الله الشَّخصي، وكان حبشيَّاً من أسرى الأمير حمدان ابو عنجة في معركة القلابات، كما كان، بحكم عمله، مقرَّباً من الخليفة، لصيقاً به، ومستأمناً على أسرار بيته الذي كان بمثابة «قصر الرِّئاسة».
بمساعدة ذلك الخادم الذي استجوبه وِنْجِت، نائب كتشنر، بنفسه، في 550 صفحة من التَّقرير رقم (60) ضمن وثائق المخابرات البريطانيَّة عن السُّودان، تمكَّن الانجليز من الوصول إلى مقتنيات الدَّولة التي كانت مخبوءة في ذلك البيت، فنهبوا جزءاً كبيراً مِمَّا أسموه «كنز الخليفة»، المكوَّن من الكثير من محفوظات الدَّولة، والشَّامل لأموالها، بما فيها عشرات الآلاف من الرِّيالات «أب صدر» و«المجيدي»، فضلاً عن شتَّى المجوهرات من ذهب، وفضَّة، وياقوت، ولؤلؤ، وزمرُّد، وماس. أمَّا الجزء الذي لم يتوصَّلوا إليه فتشير البحوث إلى أنه كان قد نُهب، أصلاً، من جانب البعض في أم درمان قبل دخول الغزاة «بيت الخليفة»، حيث أن ثمَّة صناديق وجدت فارغة، أو مكسورة الأقفال، وقد أعطى الخادم الحبشي معلومات عن محتوياتها، وإن لم يستطع التَّعرُّف على الفعلة الذين من الواضح أنهم أقدموا على ذلك قُبيل اقتحام الجَّيش الغازي المدينة، مع انتشار خبر الهزيمة، ومغادرة الخليفة ميدان المعركة! وكانت هناك صناديق أخرى بحوزة الأمير يعقوب جراب الراي، شقيق الخليفة، لكنها، أيضاً، وجدت خاوية، رغم أن الأمير استخدم «فقرا»، ورجال دين، لـــ «تحويطها» من النَّهب!
وخلال السَّنوات التَّالية ظهرت أجزاء من تلك المنهوبات في ام درمان! كما ظهرت في انجلترا، في متاحف بريطانيَّة، وفي منازل بعض كبار الضُّبَّاط المشاركين في الغزو!
***
kgizouli@gmail.com

أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!