عشوائية الحركة الإسلامية الجابت خبرها .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم


طلبت مني مجلة الأنثربولجي امريكي في ١٩٩٦ عرض كتاب ت عبده ملقيم سيمون، في أي صورة؟ الإسلام السياسي والأنشطة الحضرية في السودان، دار جامعة شيكاغو للنشر: شيكاغو، ١٩٩٤. وهو كتاب كانت الحركة الإسلامية سبباً فيه كما سنرى. وجاء الكاتب فيه بنظرات في مأزق هذه الحركة غاية في النباهة. وزكيت لها نشره وهي في سكرات الحكم، ومزايا اطلاع كادرها عليه بصورة تربوية لأن فيه الشفاء. وعربت عرضي في الإنجليزية ورغبت في نشره هنا للفائدة.
جاء الكتاب بجملة من الأفكار الطازجة حول الجبهة الإسلامية القومية ومسائل هوية السودان. وأسفت أن هذا الكتاب لم يجد رواجاً مستحقاً في بيئتنا الثقافية التي تمضغ منذ عقود عليقاً فكرياً مستهلكاً حول مسائل هوية الوطن التي تمهرها الآن دماء شيقة في خنادق عديدة ومتناطحة.
وأصل الكتاب عقد فكري بين الكاتب والجبهة التمست فيه الأخيرة نصح الكاتب لوجه الله لبناء خطتها الدعوية والسياسية حيال تفشي قرى الكرتون في الخرطوم أو حولها بجمهورها “الأفريقي” الذي قلعته الحروب والمجاعات والجفاف. ولم تصمد الجبهة لنصح الناصح، وأهملت المشروع، وواصل دكتور سيمون الأمر على وجهه حتى أثمر هذا الكتاب المميز.
أتى الكتاب بأفكار جد طريفة حول جدل العلاقة بين الجماعة الإسلامية والنظام العسكري المنسوب إليها. فالمعارضة الرسمية للنظام لا ترى “جدلاً” بين الحكومة والنظام. وهي غير معنية بدخائل علاقة النظام بالجماعة وتوتراتها ومتعلقاتها لأنها، أي المعارضة، مما يكسب بتعميق فكرة أن الجماعة هي النظام والنظام هو الجماعة: فردتا حذاء. لكن الكتاب يزعم أن انقلاب 1989 هو “تخريمة” لأسلمة الدولة نهض بها شباب قلق في الجماعة مزج فيها بين العاطفة الدينية والسياسية. ومضى يقول إن الجماعة استسلمت لسحر الانقلاب لأنها مصابة بعشوائية في رؤيتها الإسلامية. ويُعَرِّف الكاتب هذه العشوائية بأنها تحويل أجندة سياسية لا معنى لها إلى نظريات متفائلة مُعْتَمدة في التطور الاجتماعي. وقد اعترى الجماعة داء العشوائية، في قول الكاتب، لأنها تحولت إلى حركة تامة لامة، مكتفية بذاتها، لدرجة أنها لم تعد تحتكم حتى للإسلام الذي هو الأصل في نشأتها. وأحصيت أدوار العشوائية هذه في مقال لي بعنوان “مأزق الحركة الإسلامية” من ورقة قدمتها لمؤتمر علمي عن سياسات الحركة ومنعطفاتها.
ويرى الكاتب أن زعم الجماعة الإسلامية أنها تمثل الأغلبية العربية المسلمة إحصائياً قد أعماها عن حالة نقصها السياسي وحاجتها إلى الاستكمال. ومحصلة داء العشوائية أن الجماعة أسقطت فعل التاريخ لأنها فهمت أن مهمتها مما يمكن الاضطلاع به في كل زمان ومكان. فعلى خلاف شيوخ الجماعة الذين انتهجوا الخطة الصبورة المثابرة، فإن شبابها قد ولِعِوا بفكرة إن التغيير سيقع لا محالة إذا ما أرادوه. فالانقلاب، في نظر الكاتب، قد يكون عَرضاً من أعراض وهن الحركة المصابة بوسوسة أساسية. وقد عرّف الكاتب هذه الوسوسة بأنها البراعة في إهمال هدي الإسلام الذي تزعم أنها الملتزم الوحيد به.
ويرى الكاتب إن إنشاء الجماعة الإسلامية لقوات الدفاع الشعبي مسألة فيها نظر. فبينما يرى خصوم الجماعة الإسلامية أن هذه القوات ضخ للجيش المؤسلم وتمديد له في المجتمع المدني، فإن الكاتب يغلّب فكرة إن لم تكن هذه العسكرة للمجتمع المدني فهي سبيل الجماعة لتقليص سلطان القوات النظامية. ومما رأيناه يدور في ساحة الحكومة فقد وَلّد ما سماه الكاتب “خلع الصفة المهنية من العسكرية التقليدية” (deprofessionalization of the soldier’s job) اقتصاداً للتضحية والشهادة مثل “الدبابين” تناور به أطراف الجماعة لدفع سياسات معينة وتمجيدها.
كتاب دكتور سيمون شيق لكل معني بالدراسات الأفريقية والإسلامية والنفسية والاجتماعية والثقافية والسودانية، وتلك التي تبحث في الثقافة ودلالاتها في فض النزاع ومباحث السلم. ومع ذلك فعلى الجماعة الإسلامية تبعة عظمي تجاه الترويج للكتاب. فقد التمست نصح الكاتب، ولأن الدين النصيحة، فعليها أن تحتفي بالكتاب احتفالاً غير ما نراه منها بعد انقضاء ربع قرن منذ صدوره. وقد التمست مراراً منها، لله والوطن، أن تكلف من يعربه تعريباً حسناً وأن تقرره نصاً ملزماً للقراءة للرجال والنساء العديدين من كادرها المثابر الدؤوب. فمن حق هذا الكادر، وطائفة القراء السودانيين.
نشرت العرض في مجلة الإثنولجي الأمريكي، مجلد 23، رقم 1، 1996.

IbrahimA@missouri.edu


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!