وزارة التعليم العالي عن زيارة الوزيرة لجامعة العلوم والتكنولوجيا: بيان كئيب آخر .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم


لا أعرف مكتوباً أصابني بالكآبة مؤخراً بعد بيانات الحزب الشيوعي مثل بيان وزارة التعليم العالي الذي اعتذرت فيه عن الصورة التي جمعت السيدة انتصار الزين صغيرون، وزيرة التعليم العالي، والبروفسير مامون حميدة، مؤسس جامعة العلوم والتكنولوجيا إثر زيارة أخيرة لها. لم أجد في البيان عيباً في الزيارة سوى خروج هذه الصورة للعلن. وهو خروج لا مهرب منه خلال مثل هذه الزيارة. فأمن البيان على أن زيارة الوزيرة للجامعة مستحقة كأن هذا مما يحتاج إلى تأكيد. كما أكد البيان، بغير حاجة ملجئة، إلى أن الوزارة تتعامل مع “إدارات هذه المؤسسات بغض النظر عمن يدير المؤسسة وخصوصاً الجامعات والكليات الخاصة”. وواضح مع ذلك أن الوزارة لم ترتفع إلى مقام هذه التبعة الوظيفية فاستثنت بروف مامون “أحد رموز النظام السابق الذين سعوا بكل ما لديهم لإجهاض الثورة، وقمع الطلاب” لتتهمه بانتهاز السانحة لترويج هذه الصورة دون الكثيرات غيرها. فلا تعرف من البيان حقيقة جريرة الرجل: هل هي فلوليته التي لن تمنع الزيارة وما ينبغي لها، أم هي ترويج صورة للرأي العام دون الصور الأخرى؟
فلو فهمت البيان جيداً لكان أليق به القول إن الوزيرة ستزور كل جامعة بغض النظر عن إدارتها شريطة ألا تنشر الجامعة من الزيارة إلا ما تجيزه الوزارة. ثم سترت الوزارة مؤخرتها، بلا ضرورة، بحديث عن الثورة: “نؤكد أن الوزارة ملتزمة بالإصلاح الإداري والمؤسسي وتعمل مع بقية الوزارات لتحقيق أولويات الفترة الانتقالية والتحول الديمقراطي وأن مؤامرات فلول النظام السابق داخل وخارج الوزارة الذين لديهم مصلحة في ابطاء وتعويق عملية التغيير التي تتضارب مع مصالحهم لن توقف سعينا المتواصل في تحقيق التغيير المنشود”. لم انتظر هذا الشطح التظاهراتي من مؤسسة للتعليم العالي والبحث العلمي ناهيك عن الأخطاء الإملائية.
غير خاف أن الوزارة خضعت لضغط كبير ممن استفزتهم الصورة فتنادوا للتوقيع على مذكرات احتجاج وجدتُ واحدة منها موجهة للسيد محمد الفكي سليمان نائب رئيس لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو. ورغبت الوزارة ببيانها إرضاء المُسْتَفزين مهما كلف. وما كلف إدا. ففرطت الوزارة بهذه الاستجابة بغير قيد وشرط في صمامة القيادة التي ليست هي التنزل عند “ما يطلبه المستمعون”.
لم تخرج الوزيرة بزيارتها عن واجبها كامرأة دولة. ولم يجد البيان ما يعترض عليه من هذه الناحية. وليس على الجامعة من حرج أن تنشر ما اتفق لها من صور إلا إذا رتبت الوزارة “سنسرتها” مسبقاً لتتخير منها الذي لا يثير الخاطر. وهذا من الصغائر في درك. وددت لو قالت الوزارة لمن تنادوا إليها إنها غير مختصة بتفكيك ما يليها من مؤسسات، ولا رد الأموال المغتصبة، إن وجدت، منها. فمن أراد محاكمة بروف حميدة على ما اقترفه فهو حاضر بيننا ناهيك من أنه لم يخرج سوى منذ شهور طليقاً من حبس طاله ومصادرة تمت لبعض ممتلكاته. ولطلاب الجامعة، الذين خرجوا في الثورة مروءة جميلة برغم تضييق إدارتها، خاطر لم يرعه البيان. لا أعتقد أن هؤلاء الطلاب سيسعدهم انصباب الماء البارد على يومهم مع الوزيرة لأي عذر كان.
إن مصدر ضيقي ببيان الوزارة ومنطلقاته أنه يردنا للثورة ونحن في الدولة. ولا يعني أننا في الدولة أننا انقطعنا عن الثورة. ولكن ثورة الدولة غير ثورة الثورة. فثورة الدولة هي إدارة الموارد التي تليك بقوة ودبارة ودماثة بينما ثورة الثورة هي القوة في الاحتجاج والفدائية فيه. والحدود في الأخيرة بينة وفي الأولى “شبه” وخاضعة للخوض والتفاوض الشائك. بقوة الثورة انتزعنا الدولة من براثن نظام لا أعرف من وصفه مثل القائل: “عرفنا ديكتاتوراً قتل خلقاً بلا حصر، ولكننا لم نسمع من قبل بديكتاتور قتل بلداً”. ولم يترك لنا هذا القاتل ترف أن نُسْتفز. إن لم تُطَعِمنا الثورة ضد الاستفزاز فمن؟ وإن لم تصهل فينا التحديات الجسام فمن؟
علقت في بوست دائر بأسماء تنادت تحتج إلى لجنة التمكين عن صور الوزيرة والبروف قائلاً:
مع تقديري لمشاعر الجميع، ولكنها وزيرة تؤدي واجباتها الوزارية تجاه جامعة لا نعرف انها محظورة وعلى إدارتها رجل يملكها. لو صح الاحتجاج لكان عن وجود الجامعة نفسها وهو قرار لا تملكه الوزيرة. وددت لو كانت مذكرتكم هذه في دعم لجنة التمكين التي هي في مهب الرياح بغير حاجة لباب اخر يفتح الريح بلا سبب. إن من تشكون اليه ليس بأفضل من الشاكي. قفوا أمام بابها وادعموها، أو قد تصحوا يوماً ولن تجدوها وتعدموا نفاخ الشكوى. لا تضيقوا واسعاً، ولا تتخيروا المعارك بما تصادف. يا اخوانا ما قادرين نحاكم رموزاً خرقوا الدستور ونعافر في جنيبات الطريق
We are in an uphill fight
ما صح الغضبة منه حقاً هو أنكم لم تعودوا تستفزون الفلول بينما يستفزكم الفلول. فانتقلتم من موقع “الاستفزاز ل” إلى الاستفزاز من”. وهو موقع دفاعي في ثورة زمامهم عندكم، أو من المفروض، أن يكون عندكم. لقد انفرط جيش الثورة، لجان المقاومة، من حولها. ولا استفزاز يعدل هذا مناداة للعلو إلى القضايا الأكابر دون الصغائر.
لربما غطى بيان وزارة التعليم على استفزاز الصورة، ولكن على حساب الرصانة الثورية.
*كنت أحبر هذا العمود فالتفت إلى الواتس لأجد عريضة أخرى من جماعة تطلب من السيد حمدوك إنهاء خدمة السفير عمر مانيس.
//////////////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

3 shares