بيت ناس الزين..( قبور)…(1)


عندما كنا نسكن في العباسية فوق في الستينات كان منزلنا يقع بين الأمراء وميدان الربيع. والمسكن عبارة عن حوشين كبيرين فاتحين على بعض. المنزل الشمالي  كان اسمه بيت الجنون يغص باصدقائنا والطلبة من الأقاليم. منزل الاسرة الكبير وهو في الجزء الجنوبي . كان يفصله زقاق ضيق من منزل ناس الزين. الزين رحمة الله عليه كان ميكانيكيا وحدادا. كما كان فنانا  يغني في حفلات العباسية . كما ساهم في تعليم كثير من اولاد العباسية العزف على العود والغناء. الزين كان يسكن مع شقيقه فتحي الذي كان مفتول العضلات وله شارب كث. ولهذا عرف باللبخ. واللبخ كان من بلطجية امدرمان. ولكن على عكس فتوات امدرمان اتجه للنهب وكان سبب في سفك دماء وقتل ارواح بريئة بدون اي لزوم فكرهه اهل امدرمان. وتعاون اشداء امدرمان مع البوليس للقبض عليه وانتهى به الامر الى المشنقة. الا ان اسمه كان يطلق على الاقوياء والاشداء. ديوان المنزل كانت تتوسطه شعبة وله نافذتين يطلان على الزقاق. يمتاز بالبرودة في الحر كما كان دافئا ويعطي  شعورا جميلا في الشتاء في ايام السمر والقعدات والغناء. اذكر ان الفنان زيدان  ابراهيم في بداية حياته الفنية عندما كان طالبا في مدرسة الاهلية الثانوية كان مرتبطا بالزين. واذكر ان الزين يتضايق من ملحن وشاعر اغاني. كانا يصران على الجلوس في الريفيرا . والزين يتكفل بالدفع. وكان يقول لزيدان  .. ياخي ما معقول انا اتعب واشقى في الحديد ويجي الجماعة ديل يضربوها شري وكبده وكستليتة… وزيدان كان يقول لهو طول بالك الناس ديل ممكن يساعدوني.وفي تلك الفترة شاهدت الفنان  محمد الأمين الذي كان في اول مشواره وكان يأتي مع اكرت..الجميل ان  الجميع كانوا يتقبلوني بالرغم من انني لم اكن اشرب او ادخن ..كنت اعتبر ود البيت ولم اجد اي مضايقة سوى من احد الوافدين وهو اقليمي ..اتى في عصر  احد الأيام وكان يريد ان يعزم الجميع على عسلية وعندما افهموه بأني لا اشرب لم يصدق .. ان هنالك من لا  يشرب وكان يقول ….. يعني هسا  انت  تاكل وتشرب وتنوم و…. يقصد قضاء الحاجة.المنزل كان يجمع كل انواع البشر. كان هنالك كاسترو وهو نجار بلحية كبيرة ولهذا سمي بكاسترو.. وكاسترو مطلعا قرأ كثيرا ويحب مناقشة السياسة ويعتب على الدنيا وينتقد الحكومة بإستمرار. وكان هنالك زوج اخته حسن عبدالله دلدوم جندي الإطفائية. ولا يمل الانسان ونسته وحديثه. وكان يتواجد معنا بإستمرا رجل البوليس الأسطوري عطا المنان عبدالله دلدوم والذي كان لاعبا في فريق الوطن. ومن عطا المنان سمعت الكثير من حكاوي وقصص امدرمان. وكان هو بالحق فلفل القعدات.. وكان هنالك كثير من العازفين اشهرهم الشاب الوسيم  اكرت..وكان هنالك بعض المغنيات في بداية حياتهم الفنية والذين اشتهروا فيما بعد…وكنت اشاهد كثيرا الفنانة الاستاذة منى الخير. وكانت تأتي في صحبة اكرت. والاستاذة منى الخير هي اللتي الهمت الاستاذ عبدالرحمن الريح كثيرا من اغانيه والحانه الأخيرة. ذلك المنزل البسيط المبني من الجالوص كان لا يخلو ابدا من المتآءنسين. وبالرغم من بساطته يبدو وكأنه قصر منيف يمتلئ بالبشر الرائعين.. وكان الناس  يتجددون احدهم كان ود الشاويش. وكان من اشداء العباسية وكان يرافق الزين في حفلاته. كما كان يتصدى لمن يستفذ مشجعي او لعيبة العباسية في.. ماتشات.. الليق. وبعد ان صرع اثنين من المستفذين في الليق . اتى نحوه السواري لإعتقاله. فقام حمامة بإختطافه على الموتر ولم يستطع السواري ان يلحق بهم.. شاهدت ود الشاويش قبل الإنطلاق  لحفلة ينفرد من الآخرين ويدخل دكان اليماني  ويضرب زيت سمسم بقرش مباشرة  من كوز العبار …. وعندما لاحظ انني قد رأيته طلب مني  ان لا اخبر اي انسان بذلك السر. وكفتوة كان مطالبا بأن يشرب اكثر من  الآخرين بدون ان يسكر..وزيت السمسم كان يعتبر فرشة..اللبخ كان يعمل في مصنع الألمونيا الذي اسس في المنطقة الصناعية امدرمان. كانوا يختارون اقوى الشباب. وكنت اشاهد علامة ضخمة في ساعد فتحي الأيمن من الجانب الملتصق بالبطن. ولاحظت هذه العلامة في ذراع بعض زملائه الذين يأتون معه من المصنع في بعض الأحيان. وعرفت ان السبب هو (الضراب)  والضراب عبارة عن عصى خشبية قصيرة يستعملها العامل. في تشكيل.. الكيزان والحلل.. والكوريات.. المصنوعة من الألمونيوم.. ولأن العمل كان يتم عن طريق المقطوعية.  ويدفع العمال  الى العمل. واللبخ عادة كان يأتي بعد الرابعة مساء. ووفي احد الأيام كان اللبخ يجلس في الحوش وعيونه محمرة. ولم يذكر لي اي شيء ولكن احسست بأنه كان قد  بكي.  فأحد زملائه الذين كانوا ياتوا معه كان قد مات في ذلك اليوم  والسبب كان الإرهاق والتعب. ولقد سمح صاحب المصنع للعمال ..بالذهاب للمأتم في مجموعات. واللبخ كان في المجموعة الاولى وكان يحكي  لي وهو حزين. كيف كانت والدة الشاب تقول لإبنها قبل نقله للمقابر …قوم شوف اخوانك جوك… مالك ما داير تقوم اخوانك ما هنى..وفي المساء ونحن جلوس كان كاسترو يتحدث عن استقلال الشغيلة وحقوق الطبقة العاملة. ولكن لم يكن هنالك من يستمع اليه بجدية. فالمصنع كان يعطي فرصة عمل لشباب كان بعضهم عاطلا عن العمل. والكثيرون كانوا يعملون فوق طاقتهم. الجميع كانوايشتكون من الم في الكتف والظهر. ويتندرون بآلامهم.  واللبخ كان عنده مشكلة اكبر وهي انه عندما كان يستيقظ في الصباح كان يهرول الى المنطقة الصناعية لكي يصل مبكرا حتى يزيد من مقطوعيته. وكان يمر بميادين مدرسة الأحفاد اللتي صارت الجامعة الآن . وكان يوسف بدري قد وضع حارسا  وهو احد رجال البادية. لمنع الناس من العبور بتلك المنطقة والإساءة إلى الميادين اللتي  كان يشارك ويشرف على ريها وتنظيمها بنفسه. واللبخ وعمال المنطقة الصناعية كانوا يفضلون ان يقصروا الطريق وتجنب الإلتفاف حول الميادين.. واخيرا قرر العمال الهجوم على الحارس  وتجريده من عكازه المضبب وإعطائه علقة ساخنة وتقييده, إلى ان منعهم اللبخ قائلا اهل المدرسة دي اهلي وجيراني. ولم يكن اللبخ يفهم شرحي بأن مرور الناس يضر بالشجيرات والزرع, إلا انه كان يمنع الآخرين من العبور. في وقفة عيد الأضحى اتاني الزين محتارا . وقال ان شقيقه فتحي اللبخ قد رجع البيت بدون مرتبه  وانه لايريد ان يتحدث  عن الموضوع. ولا يريد ان يذكر اين ذهب المرتب. ورتب الزين  مبلغا لشراء  الخروف وملزمات العيد لوالدته والبنات. وذهبت معه  لشراء خروف العيد.وذهبت معه الى محلات جبورة للملابس الجاهزة واللتي كانت خلف الجامع الكبير. واشترى الزين قميصا بسيطا وقال لي.. اهو دي… عيديتي مع الناس . الزين كان بسيطا وعنده مقدرة لجذب اللناس وكان المنزل لا يخلو ابدا من الآخرين. والمنزل يرحب بهم وبعضهم قد يبقى لأكثر من ليلة. وبعض اللذين اتوا للعباسية للمقيل في قعدة عسلية او عرقي ..كانوا يأتون بدون دعوة  لتناول طعام الغداء او لأخذ نومة عصرية وكان الغداء يكون في برش في الحوش   في الضل .. ويستلقي الناس للنوم ..والبعض ينام في عناقريب الديوان..ما اروع ذلك المنزل الصغير. كان فيه متسعا للجميع وكانت  هنالك سماحة وطيبة وعشرة..لم اسمع بإسم الزين قبور  الا من الآخرين. ويبدو انه اسم التصق بالزين منذ ايام الطفولة. والزين عرف كذلك ككهربائي  عربات ماهر .  وعندما يكون  في سهرة او حفلة كان لا يذهب للمنطقة الصناعية. بل يأخذ مفكات وزردية ومفتاح 13 ويذهب الى موقف اللواري الذي كان في الفراغ الذي احتله استاد الهلال اليوم. وكان يقوم بوزنة كهرباء او اصلاح اشياء طفيفة ويعود بمبلغ محترم. يذهب اغلبه الى الاخوان والاصدقاء..والطعام والشراب..وعندما كنت معه في الورشة في المنطقة الصناعية. كان يسند الشاسيه لشاحنة صغيرة بكمره . واخطأ زميله الشاسيه ووقعت الضربة بنص ..مارزبة..على صدر الزين في الجزء الأيمن..الا ان الزين طيب خاطر زميله وتظاهر بأنه لم يحدث شيء. وفي المساء كنت احس بأن الزين يجد صعوبة في التنفس ويدلك منطقة الضربة الا انه كعادته كان مجاملا لاقصى حد ..في الثمانينات كان شقيقي الشنقيطي يستأجر منزلا صغيرا في فريق جبرالله مواجها  خور ابوعنجة. ولأنه لم يكن متزوجا .  شريعة امدرمن وقوانين اختي نضيفة  فكان من الواجب انا ينام في منزله كل ليلة بالرغم من انهم يسهرون في ذلك المنزل .. وفي بعض  الاحيان كان الشنقيطي يأتي ماشيا  وكان يعبر ميدان الربيع في طريقه إلى حي الرباطاب والشيخ دفع الله . وعدة مرات كان يجد استفذاذا من شخص  يقف امام داره . والاستفذاذ كان (انت  يا ابو عمة البجيبك بالحلة دي شنو تاني ما اشوفك تجي ماري بي هني يا…شوف  حا  يحصل ليك شنو)..وعندما تكرر الإستفذاذ كثيرا. والشنقيطي عادة يكون مسرعا او  تعبان من السهرة ويريد فقط ان يصل المنزل,  اتجه الشنقيطي رحمة الله عليه نحو الشخص  الذي  تحفذ لمعركة. ومع اول جملة قصيرة كان الشخص يجلس على الأرض ويديه على رأسه. والجملة كانت انت  يا فتحي عاوز شنو؟. وفتحي  كان يقول لشنقيطي  والله .. يا شنقيطي ما في زول في امدرمان دي يسمع الكلام ده وما يرد غيرك انت …واحتضن فتحي الشنقيطي. وتذكر  الأيام الجميلة  وكان يقول لشنقيطي  انا بسمع  بيك بتساهر في الخور تحت مع اولاد  العاتي. وكان يقصد كابتن الفاضل العاتي  (اورول) واشقائه. لكن ما   تقابلنا.. وسأله عن الأهل وعن الوالدة.. وتحسر فتحي على السمار والقعدات والحفلات اللتي اشتهرت بها الدار واصوات الغناء والعود ..وقهقهة الاصحاب. وصار المنزل صامتا موحشا فلقد… ذهب المغرد….. في احدى الإجازات ذهبت لزيارة كاسترو  وعندما عانقته مودعا اعتذرت له عن تقصيري في زيارتي …فشكرني قائلا… كفاية الوصلتني زي مرضي ده ما بخلي الناس يجو يزوروني.. فلقد الم به مرض السل. والدتي قالت لي في السبعينات عندما اتيت في إجازة والدموع في عينيها. . اخوك الزين مات يا شوقي ..الزين ما ضرب ..توتوكورة ..وزع الحلاوة ..والليمونادا.. للشفع في الشارع وصرف الناس. لمو فيهو اولاد الحرام ما  خلوهو لحدي ما ادمن .و مات…هكذا كان الزين .. كان مجاملا حتى بصحته وماله ووقته…shawgibadri@hotmail.comشوقي…                                  ملحوظة.. توتوكورة تشبه التبس الإنجليزي  وهي نوع من المراهنة اوقفها الملك خالد عندما زار السودان..في السبعينات …..


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!