“بنو جعل”: مغضوبٌ عليهم حتى إشعار آخر!! … بدر الدين حامد الهاشمي


 

ليس من أغراض هذه السطور القليلة هو التعرض لتاريخ الجعليين (أو غيرهم) فلقد كفاني وغيري كثير من العرب والعجم من المؤرخين والأدباء مثل ماك مايكل وجعفر حامد البشير وسيد حامد حريز ومحمد سعيد معروف مؤونة  الكتابة عن تاريخهم وفنونهم وتراثهم، بيد أن مقال صديقتنا وزميلتنا الأستاذة مني عبد الفتاح في "الأحداث" يوم الخميس 17/12/ 2009 بعنوان "ثاقب الطبول تدحره الوحدة" أثار بعض الشجون، إذ وردت في المقالة عدة إشارات لما سمَّته الكاتبة الفاضلة "بنات جعل" و"دار جعل". ورغم أني – دون اختياري – ولدت جعلياً فلم يكن هذا "الأصل" سبباً عندي أبداً للفخر أو الخجل، فثابت عندي أن حالة كون المرء مولود من صلب قبيلة معينة – مهما قيل عنها – ليس سبباً للفخر أو الخجل، وليس هذا من باب ادّعاء مثالية لا نراها عند غالب أهل السودان الذين يفخرون بأصولهم فخراً معيباً يصل إلى حد الجناية على القبائل الأخرى. سارت الكاتبة الفاضلة على نهج بعض الكتاب الذي لا تخطر ببالهم كلمة غير "الجعليين"، أو "بني جعل" كما سمتهم الأستاذة عندما يذكرون أموراً بعينها مثل "التهميش" و"الرق" و"الظلم". وباتت قبيلة الجعليين، أو "بني جعل" مرادفة للكلمة الملتبسة المعنى"الجلابة"، تلك الكلمة التي تستبطن في ثناياها معاني تجلب الاستهجان والسخط والتحقير، وقبيلة "المغضوب عليهم" من "بني جعل"!

افترض هنا أن كاتبتنا الفاضلة قد قصدت قبيلة الجعليين بحددوها المعروفة من شمال الخرطوم حتى حوالي منطقة عطبرة، وليس بالمعنى الأشمل للكلمة الذي قد يشمل أغلب قبائل الشمال (مثل الشايقية مثلا)، وأغامر هنا بأن أذكر الأستاذة بكل لطف ممكن أن إقحامها للجعليين في مقالها قد جانبه التوفيق، وكان بالإمكان إيصال ذات رسالتها للقارئ دون تخصيص اسم قبيلة بعينها. فالأستاذة الفاضلة تكتب مثلا: "لو كان محل الفرنسية زوجة سنغور أو الأميريكية زوجة حسين أوباما إحدى بنات "جعل" (هكذا) إذن لدفن الغرب "حياً في المحمية"! بالطبع لا ضير على الكاتب أن يحلِّي بضاعته ببعض الملح والطرائف وأن "يتظرف" ما وسعه ذلك، ولست متأكداً إن كان ذاك هو مقصد أستاذتنا الفاضلة، بيد أني – رغم التنقيب الدقيق – قد فشلت فشلاً ذريعاً في العثور على الجانب الفكه في هذا الأمر، ولكن يبدو أنني كنت كمن يبحث عن قطة سوداء في غرفة مظلمة والقطة غير موجودة أصلا! فلم دون قبائل هذا السودان الواسع الشاسع، الحار الجاف المتلاف تختار صديقتنا الكاتبة "بني جعل" عند الحديث عن الزواج بغير من تنتمي لذات العرق أو القبيلة؟ هل نستطيع أن نفهم من كلامها أنها تؤمن بأن هذه القبيلة "اللعينة" تؤمن بنقاء عرقي مزعوم، ويرفض رجالها تزويج بناتهم (أو أن تتزوج بناتهم) بغير من خلقهم الله من غير هذه القبيلة. وإذا صح هذا الزعم (وهو بالطبع غير صحيح) هل هذا أمر يقتصر على "بني جعل" المغضوب عليهم فقط، أم أنه شائع أيضاً بين كثير من قبائل السودان؟ وعلى طريقة استجوابات الوزراء في العهد الديمقراطي (البائد!) نقول: هل تعلم الأستاذة منى أن هناك كثير من الزيجات في الماضي والحاضر تدحض "نظريتها" في المحمية والمتمة وشندي وبقية مناطق القوم "المغضوب عليهم" صحفياً وإعلاميا! ولتسأل مثلاً "الطيب عبد الله" الفنان الذي قدم من شندي في بداية ستينات القرن الماضي! وهل من أحد دفن حياً في تلك المناطق بسبب زواج "مختلط"، أم هو مجرد ترديد محفوظات نقرأها وترسخ في أذهاننا ونكررها دون وعي نطقا وكتابة وتفكيرا! ثم من قال إن "بني جعل" أمة واحدة على قلب رجل واحد؟ أليس بينهم نساء ورجال – كغيرهم من خلق الله – الأممي والقومي والشيوعي و"أنصار السنة" والاتحادي والأمي والمتعلم والجاهل والمتسامح والمتعصب، والمدافع عن قضايا شعبه ومن يفعل العكس، وكل ما يخطر ببالك من متناقضات. هل يجوز عقلاً ومنطقاً أن نضع كل هؤلاء في سلة واحدة، فقط لأن أمهاتهم ولدتهم – ربما لسوء حظهم – "جعليين"؟ ولم صار الانتساب والانتماء لهذه القبيلة الآن بالذات بالنسبة لكل واحد وواحدة من أفرادها سببا لتلقي الصفعات والغمزات والهمزات، وكأن كل مآسي البلاد من صنع أيديهم، وكأن كل ما حاق بها من ظلم وخيانة وتخلف وقتل وتدمير من تدبير رؤوسهم.

تدعونا الكاتبة الفاضلة إلى ضرورة التخلي عن نوع معين من المديح والأناشيد يمجد قبيلة بعينها (وضربت لنا مثلاً بمديح/ نشيد قالت إن اسمه "هاك من دار جعل") من أداء فرقة اسمها "الصفوة"، ورغم عدم "مواكبتي" لمثل ما قالت، إلا أن العجب أخذ مني كل مأخذ حين كتبت: "أي صحوة هذه التي تنتن أجواء البلاد بفتنة طائفية مقيتة". هل تعني الكاتبة الفاضلة حقاً ما تقول؟ هل صارت "الجعلية" طائفة sectونحن عن ذلك من الغافلين؟ ومن هو زعيم طائفتنا المزعومة يا ترى؟ اللهم إن كانت لبني جعل طائفة بالمعنى الذي أفهمه، فإني برئ منهم ومن "طائفتهم". ولنسأل الأستاذة الأريبة: وما هو موقف "الجعلي" الذي ينتمي لطائفة الختمية، أو لطائفة "الأنصار"؟ أيسمح له بازدواجية الطوائف؟ أم أن الطائفية صارت كالجنسية المزدوجة ونحن لا ندري؟

أعود فأقول للأستاذة الفاضلة إن "الجعليين" ليسوا "أعداء الشعب" أو "قوى الشر" كما قد تكون قد صورتهم (عن غير قصد بالطبع)، بل هم قبيلة مثلها مثل قبائل السودان الأخرى مثل البني عامر والنوير والشايقية والبجا والمسلايت والدناقلة والفور والشلك، وهي قبيلة – كغيرها من القبائل – تجدين فيها أصنافاً من البشر بسحنات مختلفة وألوان متباينة، والأهم من كل ذلك أنهم يحملون أفكاراً سياسية مختلفة وآيديولوجيات متباينة تبدأ من أقصى اليسار وتنتهي إلى أقصى اليمين، وإنه من الخطأ الفاحش والاستسهال المعيب والجزافية المفرطة وضع كل أفرادها (وإلى أبد الدهر) في سلة واحدة وكأنهم ليسوا إلا نسل "جلابة" باع آباءهم واشتروا في الناس وساموهم العذاب. ولنهب أن أجدادهم قد فعلوا ذلك، أيحق لنا الآن أن نجرِّم كل أفراد تلك القبيلة بجريرة (مزعومة أو متحققة) لمجرد وجود تلك "الجينات/المورثات" اللعينة في دمائهم وأنسجتهم؟! علماً بأن ما يجرمهم به كثير من الكتاب بفعله (تاريخياً) شارك فيه بدرجات متفاوتة البيض والسود والسمر في هذه البلاد… ولكن تلك قصة أخرى!

تقع الكاتبة الفاضلة في فخ "التعميم الضار" إذ تقول إن "المجتمع السوداني مجتمع مسالم لا توجد في قلبه نوايا خبيثة ولا رغبات دفينة في الإيذاء ولكنها سياسة الإنقاذ التي خلقت العدو بذلك الشكل ووحدت كل قبائل الشمال ضده، ثم حسنت من صورة الحرب إذ جعلها جهادا…".

لا أكاد أجد في هذه الجملة حقيقة صحيحة واحدة، وأعجب من أن كاتبتها الأستاذة منى التي عرفت بالتدقيق والتجويد. من قال إن المجتمع السوداني "مجتمع مسالم"؟ أمن الرأس أم من الكراس توصلت الأستاذة لهذا التعميم الكاسح! ومنذ متى وفي أي عهد؟ مبلغ علمي المتواضع أن تاريخ السودان من قديم لم يخلو إلا قليلاً من الصراع المتصل والدماء المسفوحة. لماذا نردد دوماً المقولات المحفوظة دون أن نعيها، مثل قول الإعلام الرسمي عن الحديث عن "مجتمع دارفور المسالم الذي ما عرف حرباً ولا دماء إلا في الفتنة الأخيرة" وعن "عودة دارفور سيرتها الأولى" وكأن سيرتها الأولى التي كتب عنها موسى المبارك وأوفاهي وثلة من آخرين كانت إلا حروباً وصراعات على السلطة… مثلها مثل اليوم تماماً. أفلا نقرأ التاريخ؟

أما قولها إن "سياسية الانقاذ هي التي خلقت العدو" و"وحدت قبائل الشمال ضد الجنوب" فلم أفهمه تماما، ولست هنا بالطبع معنياً بالدفاع عن "الإنقاذ" أو غيرها، فقد يكون هنالك لهذه المهمة جيش جرار من رجال ونساء يجعلون رزقهم أنهم يدافعون عن نظامهم، ولا حاجة لهم بمثلي، بيد أني أذكر الكاتبة الفاضلة أن حرب "الإنقاذ" في الجنوب لم توحد قبائل الشمال كما زعمت، بل أن كثيراً ممن حارب هناك في الجنوب باسم "الإنقاذ" عاد فحاربها وحاول غزوها، وهو بالتأكيد ليس من "بني جعل" المفترى عليهم!

أختم بقول الكاتبة الفاضلة إن "علاقات الدم والمصاهرة" هي "تطهر عرقي" وأنها علاج لأدواء الوحدة…لا يخلو هذا القول في نظري الضعيف من تبسيط مخل وبعض سذاجة أربأ بالأستاذة الأريبة الوقوع فيها، وأذكرها بقول مأثور عن زعيم الحقوق المدنية القس (الأسود) مارتن لوثر كنج وهو يخاطب البيض: "إنني أريد أن أكون أخا لكم، وليس صهركم"

I want to be your brother, not your brother –in-law

                   

badreldin ali [alibadreldin@hotmail.com]


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!