سقوط الحكم العسكري الأول- أكتوبر 1964م: بقلم: فيليبا مغربي .. ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي


سقوط الحكم العسكري الأول- أكتوبر 1964م
فيليبا مغربي
ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
تقديم: جاءت فيليبا مغربي (ني كاسيل) إلى السودان في عام 1933م للعمل في “مصلحة الخدمات الصحية السودانية” كممرضة. التقت في الخرطوم بالسيد/ عبد الفتاح مغربي (الذي كان يعمل حينها محاضرا بكلية غوردون) وتزوجته. اختير عبد الفتاح مغربي بعد الاستقلال ليكون عضوا في أول مجلس للسيادة (مع سرسيو إيرو والدرديري محمد عثمان وأحمد محمد صالح وأحمد محمد يسن) حتى قيام انقلاب عبود في 17 /11/1958م.
كنت قد ترجمت ونشرت قبل سنوات ما كتبته السيدة فيليبا مغربي من مذكرات بعنوان “أيامي في الجريف” عن حياتها – وزوجها- في بيتها الجديد في ريف الخرطوم في ثلاثينات القرن الماضي. وهنا نترجم – بتصرف شديد- بعض مشاهداتها وملاحظتها عن الأحداث التي صاحبت “ثورة أكتوبر” التي أسقطت الحكم العسكري الأول في عام 1964م. نشرت هذه الملاحظات في مجلة “دراسات السودان” العدد 24 بتاريخ يونيو 2000م. وهي مقتطف من مذكرات السيدة فيليبا عن 51 عاما في السودان (1933 – 1984م) عنوانها “نمط متنوع “، وهي محفوظة في أرشيف السودان بجامعة دارام في بريطانيا.
لعله من المفيد معرفة آراء وملاحظات غير السودانيين عن تلك الثورة الفريدة التي سبقت ما يسمى بالربيع العربي بنحو نصف قرن! نذكر هنا (مع الفارق الضخم بالطبع) الكتاب الذي ألفه بروفيسور القانون الأمريكي كليف ثومسون عن ثورة أكتوبر (والذي ترجم، ونشر ك”كتاب في جريدة” بصحيفة “الأحداث” قبل عامين أو نحوها). كم من السودانيين الذين عاصروا تلك الأيام، وشهدوا تلك الثورة – بل شاركوا في صنعها-  كتبوا عنها؟ المترجم

خلفية تاريخية عن الأحداث المحيطة بانقلاب 1964م:
رغم أن حياتنا – على المستوى الشخصي- في ضاحية بري كانت مرضية عامرة بالنشاط، إلا أن الأحداث العامة في السودان لم تكن كذلك. منذ وقوع الانقلاب العسكري الأول في عام 1958م (والذي أطاح بمجلس السيادة الأول) حدثت سلسلة مؤسفة من المحاولات الانقلابية، وتعاقب على سدة الحكم عدد من الحكومات المدنية، وأدى كل ذلك إلى اشتعال نيران حرب أهلية مرعبة ضد الجنوب لسنوات طوال. لا شك أن الكثيرين من دعاة الاستقلال (مثل إسماعيل الأزهري، والذي شغل ذات مرة منصب رئيس الوزراء، ورئيس مجلس السيادة في مرة أخرى) يعترفون على نحو متأخر، وبعد فوات الأوان، بأن استقلال السودان سياسيا جاء مبكرا بأكثر مما يجب. وعلى ذكر الأزهري، فإنني أذكر أن البريطانيين كانوا قد اعتقلوا ذلك الزعيم لفترة من الزمن قبل الاستقلال، وعندما غدا الرجل رئيسا للوزراء في أول حكومة وطنية مستقلة زار متفقدا سجن كوبر، حيث أهدي سجادة صغيرة كان قد نسجها بنفسه حين كان نزيلا بذلك السجن.
لم يمض وقت طويل على سكننا ببري قبل أن يقع الانقلاب على النظام العسكري في أكتوبر 1964م، وقد سبق ذلك التاريخ وقوع عدد من حوادث العنف المتفرقة. كنت في “سوق الخضار” ذات يوم حين اقتحمه عدد كبير من المتظاهرين الغاضبين (ومعظمهم من الطلاب)، وقاموا بقلب طاولات الخضروات وهم يجرون في كل اتجاه ممن كانوا يجرون خلفهم من الجنود الشاهرين لبنادقهم. أخذني الشيح أحمد تاجر الفواكه على عجل خلف أحد مساطب البيع حماية لي، وطلب مني البقاء مختبئة حتى انجلاء الموقف. قتل في تلك المظاهرة عدد من الشباب، وأسرت الشرطة عددا أكبر، اخذوا جميعا ومباشرة للسجن. كانت تلك ثورة شعبية كبرت وغدت عصيانا مدنيا مع تزايد القمع وحالة الاستياء العامة في أوساط الشعب. استعملت اللواري وسيارات الأجرة لقفل لبعض الشوارع والكباري. لم أكن، أنا وفتاح (زوجها عبد الفتاح المغربي) نعلم عن تلك المظاهرات عندما جئنا لوسط البلد. ذات مرة وجد فتاح نفسه محصورا في وسط تلك المظاهرات، وعبثا ظل يحاول الخروج من بين محاصريه. صرخ في وجهه أحد المتظاهرين: “ما هو رأيك يا خواجة”؟ كان فتاح أبيض اللون، ولذا ظنه المتظاهرون أجنبيا من “الخواجات”. أسقط في يد فتاح فلم يحر غير أن يرد على الجمع الغاضب في بساطة: “أنا عبد الفتاح”. جن جنون المتظاهرين فطفقوا يرددون اسمه بصوت عال “عبد الفتاح…عبد الفتاح”. يا للمسكين! لم يجد ما يفعله إزاء ما كان يحدث أمامه! كان موقفا فكاهيا نوعا ما. كنا أمام تجمهر غوغاء متحمس، وكان المزاج العام لهؤلاء قابلا للتحول السريع خاصة في فترة غليان سياسي. احتفظت بسجل لأحداث تلك الأيام العشرين الثائرة، والتي أدت لاستقالة الفريق عبود. أتمنى أن أوفق في أن أنقل للقارئ ما كان يحدث أمام ناظري تلك الأيام من حالة من التوتر وعدم اليقين تحدث دوما عند تفكك البنية الاجتماعية.
سقوط الحكم العسكري الأول- أكتوبر 1964م:
الأربعاء 21/10/1964م: كان طلاب الجامعة يرغبون في عقد ندوة لمناقشة مشكلة جنوب السودان. كان بعض هؤلاء الطلاب من الجنوب، وكانت الأخبار تتناقل بين الطلاب أن الجيش كان يقصف القرى ويهاجم سكانها بوحشية.  أثناء تلك الندوة هاجمت قوة من الشرطة الطلاب في حرم جامعتهم، وقتلت أحدهم، وأصابت 27 آخرين إصابة بالغة، واعتقلت عددا كبيرا منهم. تم إعلان حظر للتجوال، ولم يسمح لأحد بالحركة دون إذن خاص قبل انقضاء فترة الحظر. فجأة صمت هاتفنا في الدار.
الجمعة 23/10/1964م: كنت في إنجلترا وعدت للسودان حوالي الساعة الثامنة مساء، حين قابلني فتاح وأخبرني عن حظر التجول. كان المطار شبه مهجور، وأرسلت كل طائرات الهيئة البريطانية لطيران ما وراء البحار إلى عدن كإجراء تحوطي. تزودت الطائرة التي أتيت بها بالوقود ثم طارت على عجل. كان التوتر الشديد يملأ الجو.
السبت 24/10/1964م: ذهبت إلى السوق لشراء بعض الأغراض. وجدت أن كل المحلات مغلقة، إذ أن جنود الجيش والشرطة ينتشرون في كل الطرقات وهم في وضع “الاستعداد”، وهنالك عدد من الدبابات والمدافع الرشاشة وضعت في مداخل الشوارع الرئيسة. كأن هنالك محل واحد بقي مفتوحا (أسمته الكاتبة Settas). كان المحل يموج بأعداد كبيرة من المشترين وهم يبتاعون في هلع كميات كبيرة من الحاجيات، وكأنهم سيخزنونها لفترة مجهولة قد تطول. أستمر حظر التجول طوال ذلك اليوم.
الأحد 25/10/1964م: ذهب فتاح للسوق مجددا. كان السوق مهجورا، إذ سارت مظاهرات عارمة في أمدرمان أحرقت فيها كثير من السيارات، وأصيب أناس كثيرون (منهم أطفال ونساء وتجار) بطلقات رصاص عشوائية. حدثت مظاهرة وفوضى عارمة في المستشفي كذلك. امتلأ الشوارع ببقايا زجاج مهشم وحجارة، وخربت أعمدة  إشارات المرور، وثني بعضها وهشم الآخر. كذلك لم تنج كثير من محطات توزيع الوقود، إذ كانت قد توقفت عن العمل بعد أن حطمت تماما. رفض الفريق عبود نداءات ومطالبات كثير من القضاة والساسة (مثل أزهري رئيس حزب “الأشقاء) (يبدو أن السيدة الكاتبة لا تزال تحتفظ للراحل برئاسة حزبه باسمه القديم. المترجم). كان قرشي (وهو ابن أخت فتاح) مسئولا عن فرض إجراءات الشرطة في ذلك اليوم (لعلها تقصد ضابط الشرطة قرشي فارس. المترجم).
الاثنين 26/10/1964م: ذهبنا لأمدرمان كي نطمئن على حالة بقية أفراد العائلة. بدت مظاهر التدمير والخراب في كل مكان. تجد الدبابات والسيارات المدرعة والمصفحة في كل مكان. سرت شائعات أن اثنين من ضباط الجيش المعتقلين قد لاذا بالهرب من محبسهما. كان معلوما أن الإمبراطور هيلاسلاسي كان مقررا أن يزور الخرطوم. أسيأتي فعلا ويتدخل لحل الأزمة؟ أم أنه سيمر مرورا سريعا على الخرطوم؟ كان شيخ سليمان (شيخ بري الذي اشترينا منه أرض منزلنا) يبدو سعيدا مبتهجا بالنصر على الديكتاتورية. كانت فكرة حرية التعبير والفكر والعمل تسكر رؤوس الجميع. كان الجميع سعداء.
في ذلك اليوم أعلن الفريق عبود في السابعة والنصف مساء بيانا للشعب أعلن فيه أنه سيدعو “المجلس المركزي” للاجتماع بأسرع ما يمكن ليحقق فيما وقع من أحداث (المجلس المركزي هو مجلس نيابي كان قد انتخب قبل شهور من ثورة أكتوبر، وكان في إجازة إبان حدوثها. المترجم). وبعد 90 دقيقة من بيانه (أي في نحو التاسعة مساء) عاد ليلقي بيانا علي الشعب أعلن فيه حل المجلس الأعلى للقوات المسلحة! لقد سقط النظام بالكامل!!! خرجت على إثر إذاعة ذلك البيان جماهير الشعب في المدن الثلاثة تهتف في ابتهاج. سمعنا كذلك صوت إطلاق الرصاص في سجن كوبر (السجن الرئيس في الخرطوم)، وقيل إن بعض السجناء قد حاولوا الهرب، فأطلق عليهم الرصاص. كان فتاح قلقا من عمليات نهب محتملة، إذ أن الحكومة والشرطة كانتا غائبتين.
الثلاثاء 27/10/1964م: كان الجميع سعداء. عادت الهواتف للعمل من جديد. اتصل فتاح بالأزهري وبالمحجوب وبفارس (لعل المقصود قريبه ضابط الشرطة قرشي فارس. المترجم) لمعرفة ما كان يجري في البلاد. ذهبنا لوسط المدينة بعد ذلك فلم نر غير الهرج والمرج. كانت الشرطة والجيش قد اختفيا تماما، وانتشرت المظاهرات في كل اتجاه. علا صوت الهتافات ينادي بالموت لعبود.
عند منتصف نهار ذلك اليوم أعلن عبود في بيان للشعب أنه بسبب دقة الأوضاع سيدعو “المجلس” للانعقاد يوم الاثنين المقبل (أي بعد 7 أيام!!!). إن لديه – كما قال- كل السلطات الدستورية! ذهب وفد مكون من السادة الصادق وأزهري وزعيم الشيوعيين (والذي كان مسجونا قبل أيام قلائل) للقصر للقاء عبود والتباحث معه حول الأوضاع (لا يخفى على القارئ عدم صحة هذا القول، بيد أنه يجب أن نضع في الاعتبار وضع الكاتبة وخلفيتها، ولعل بعض ما كتبته قد تعرض لبعض التحريف، أو أن بعض الحقائق قد تكون اختلطت عليها، وقلما تخلو حتى مذكرات الساسة المحترفين من أخطاء تاريخية متعمدة وغير متعمدة. المترجم). لعل عبود لم يكن يدرك تماما ما كان يجري حوله من أحداث جسيمة متلاحقة. عقد الفريق عبود مؤتمرا صحفيا في تمام السادسة مساء؛ بيد أنه لم يدل بكثير قول، ولم يقل شيئا مفيدا. لعله أراد أن يكسب الوقت بالمماطلة، وكان ذلك أمرا مكشوفا للكل.
واصل العاملون بالدولة في إضرابهم، والذي قالوا بأنهم لن يرفعوه حتى تحقيق النصر النهائي. كانت هنالك نذر كثيرة تنبئ بحدوث فوضى. لحسن الحظ تم تعزيز محطة الطاقة (ببري؟ المترجم) بمزيد من الجنود لحمايتها. تواصلت المظاهرات، ونام بعض المتظاهرين على مدرج المطار تحسبا لمحاولة من بعض الوزراء للهروب عبر مطار الخرطوم. شاهدنا عملية “شنق” لتمثال نصفي لعبود، وظل معلقا من عنقه على أحد الأشجار، ثم تم جره عبر الشوارع إلى المقبرة، حيث ترك هنالك.
الأربعاء 28/10/1964م: كان من المفترض – على الأقل نظريا- أن يلتئم المجلس (المركزي) للانعقاد يوم الاثنين. أصر المضربون على موقفهم من أنهم لن يتفاوضوا إلا مع حكومة جديدة. كون الأزهري – مع آخرين- مجلس معارضة سمي بالجبهة الوطنية /القومية (هذا ليس دقيقا بالطبع. المترجم)، وسرت شائعات بأن العسكر يرغبون في أن يمثلوا في ذلك المجلس. نتيجة لهذه الشائعات أحاطت الجماهير بالقصر، وحصبته بالحجارة والقطع الحديدية. كان كل من يمر بسيارة أمام ذلك الجمع يوقف ويؤخذ مفتاح سيارته. تم إغلاق جميع الكباري، وبذا تعذرت الحركة بين المدن، خاصة وأن سائقي سيارات الأجرة كانوا مع المضربين. كان الجميع يتحدثون عن احتمال قطع الماء والكهرباء عن المدينة. قمنا بعمل الاحتياطات اللازمة فملأنا حوض الحمام بالماء، وجلبنا بعض البرافين (لعلها تقصد الجاز الذي يستعمل في “لمبات الجاز” و”الرتاين”. المترجم).  قتل (أمام القصر) عدد كبير من المتظاهرين عن طريق إطلاق نار عشوائي. كانت الدولة والبلاد في حالة شلل كامل.
الخميس 29/10/1964م: سمعنا من المذياع نبأ يفيد بأن ممثلي “الجبهة الوطنية /القومية” قد عقدوا اجتماعا عبود حتى الساعة الثالثة صباحا. ساد جو من عدم الوضوح واليقين، خاصة بعد أن علمنا أن موظفي الإذاعة قد تضامنوا مع المضربين فتوقفوا عن العمل، إذ لم يعد بمقدورهم مواصلة بث البيانات الحكومية تحت الإكراه. بقيت الدولة والبلاد في حالة شلل كامل.
الجمعة 30/10/1964م: تم الإعلان عن تكوين حكومة جديدة برئاسة سر الختم الخليفة، ولكن بقي عبود كرئيس للبلاد. لم يقتنع أحد من الناس بأن ذلك هو التغيير الحقيقي المنشود. سادت البلاد فترة من الوجوم والسكون. بعث ستون من ضباط الجيش بطلب للفريق عبود مفاده ضرورة إبعاد الجيش عن التدخل في السياسة. تم اعتقال سبعة من أولئك الضباط ونفوا إلى أقصى الغرب في دارفور. يبدو أن الجيش منقسم على نفسه. هنالك احتمال حدوث صراع عسكري يتجاهل عبود والجبهة الوطنية/ القومية معا.
السبت 7/11/1964م: قامت مظاهرات ضخمة تحذر من تحرك عسكري. كانت مشاعر الجماهير معادية للعسكر باعتبارهم من ساندوا عبود ورفاقه طوال تلك السنوات الفائتة. طالب المتظاهرون بضرورة محاكمة أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة كخونة. أحبط عبود محاولة انقلابية باعتقاله لكل أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وإبعاده لهم في منطقة جبل مرة بدارفور (لعل المنطقة المقصودة هي زالنجي. المترجم ). عرض عبود الاستقالة من منصبه.
الأحد 8/11/1964م: استمرت المظاهرات في كل مكان. كان الجميع يعملون بالعوائق التي كان تضعها فلول وبقايا النظام العسكري السابق في طريق الوزارة الجديدة. ساد الغموض الموقف وما ستسفر عنه الأوضاع بالبلاد. بقي التخوف من أن يستولى العسكر على الحكم مرة أخرى. كان الموقف متوترا و”على حد السكين” كما يقال. نظمت الجبهة الوطنية/ القومية مظاهرات عديدة تميزت بترتيب وتنظيم دقيق. ظل المتظاهرون يطالبون بمحاكمة الزمرة العسكرية التي حكمتهم.
الاثنين 9/11/1964م: سرت شائعات عن قرب حدوث انقلاب عسكري. لذا صدرت من الجبهة القومية / الوطنية (لعلها تقصد جبهة الهيئات. المترجم) بيانات مناشدة للمتطوعين للقيام بحماية المباني المهمة والحيوية والإستراتيجية بالعاصمة. تم قفل شارع الجامعة بسيارات الأجرة. وأغلقت اللواري التي تحمل الطوب والأسمنت مداخل الكباري بعد أن تم أفراغ إطاراتها من الهواء (لعل الكاتبة تشير إلى “ليلة المتاريس” الشهيرة. المترجم).
الثلاثاء 10/11/1964م: استقال – أخيرا- عبود.

تولت حكم البلاد الوزارة المدنية برئاسة سر الختم الخليفة. كان الرجل – للأسف- ضعيفا… من النوع الذي لا يردد غير : “وأنا أيضا”! ربما كان هذا هو سبب اختيار عبود له (معلوم أن اختيار الرجل كان بواسطة جبهة الهيئات، وليس لعبود دخل في الأمر. المترجم). كانت حكومته ضعيفة ومترددة وغير قادرة على حسم أي أمر له قيمة. لم تستطع الجبهة التي قادت الثورة الشعبية أن تجعل من نفسها قوة سياسية فاعلة. لذا مضت الأمور تحت حكم مدني ضعيف لمدة سبع سنوات حتى قام انقلاب في مايو 1969م بقيادة نميري (الصحيح خمس سنوات، وليس سبع. المترجم).
كان النميري رجلا ديكتاتوريا غير محبوب من الشعب، رغم بقائه في الحكم لمدة تزيد عن 15 عام. حدثت في عهده محاولات انقلابات عسكرية عديدة، سفكت فيها دماء كثيرة، لكنه كان ينجو من الموت بأعجوبة كل مرة. يبدو أنه صار خبيرا في الخروج من قبضة معارضيه، وفي النجاة من محاولات عزله وتصفيته. أصدر قوانين الشريعة الإسلامية في أجواء هوس ونفاق، وطبع صورته على أوراق النقد السودانية في خطوة غير مسبوقة رغم أن الدين الإسلامي يحرم تصوير كل ذي روح (هكذا تقول الكاتبة! المترجم). توقف كثير من الناس لفترة من الوقت عن استعمال تلك الأوراق النقدية لذلك السبب.
نقلا عن “الأحداث”

badreldin ali [alibadreldin@hotmail.com]


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!