محن سودانية 84: الانقاذ ــ فضلة عبابسة … بقلم: شوقي بدري


المثل يقول : (فضلة عبابسة ، شوية و يابسة ).  و القصة أن ابناء عمومتنا العبابسة ، جاوروا اهلنا الرباطاب في جزيرة مقرات . و مقرات هي كبرى الجزر الستة التي يسكنها أهلنا الرباطاب . و يبدو أن أحد الرباطاب قد أتى متأخراً و لم يجد إلا فضلة الأكل . فأطلقها مثلاً . و كنّا نسمع حبوباتنا و أهلنا و الكبار يتحدثون عن فضلة العبابسة لوصف أي شئ هزيل أو تافه .
ما تحصلت عليه المعارضة من الانقاذ ، لايزيد عن كونه فضلة عبابسة . و المحن أن البعض لا يزال يرجوا خيراً من الأنقاذ . و الانقاذ لا تحترم أي اتفاق . و هم قد سجنوا شيخهم و بهدلوه . و ضايقوا حتى حسين خوجلي ، الذي سخر حنجرته و قلمه لخدمتهم . أما البقية فينطبق عليهم المثل ( عزموه اتعزز ، خلوه اترخص ) .
هل يؤمن الميرغني بأن أهل الانقاذ يمكن ان يكونوا خالصي النية ، و هم الذين لا يحفظون العهود و لا يقدرون العشرة . و أهلنا قالوا : ( العدو ما ببقى صليح ، و الحنضل ما ببقى بطيخ ) . المحن أن دولتنا التي تتسول تحت اي راكوبة ، و في أي محفل دولي أو غير دولي . توظف جيشاً من الوزراء . و أشك ان الوزراء يعرفون بعضهم البعض بالأسم أو الوزارة . و لماذا هذا الجيش من المساعدين و المستشارين ؟. اذا كان السودان الجيعان و عطشان و تعبان و كحيان ، يحتاج لكل هذا الكم الهائل من الوزراء ، يعني امريكا دي تكون دايره ليها عشرين الف وزرير ؟ . و الصين الفيها مليارد و ثلاثمائة مليون و ثاني اكبر اقتصاد في العالم ، يعني يكونوا عاوزين ثلاثة ارباع مليون وزير و خمسة كيله مستشارين .
ممكن أي انسان يشرح لينا ود الميرغني دا حا يقدم شنو للسودان . هو بنفسه ما فكر انه وضعه دا غريب ؟
أذكر أنني قابلت الاخ عبد العزيز الدرديري نقد من مكتب النائب العام و كان معه من وزارة المالية الاخ زكي و هو من سكان توتي ، و كانا على رأس وفد الى صندوق النقد الكويتي . و كان هذا في سنة 1982 . و في يوم عيد الأضحى في مطار القاهرة . و عرفت منهم أن ممثلي اليمن الجنوبية و الذين أتو لمناقشة قروض لليمن الجنوبية ، كانوا مجموعة من السودانيين . و المجموعة التي كانت ستناقشهم من الصندوق الكويتي ، كانوا جميعاً من السودانيين . السودان من أول الدول الافريقية و العربية التي حظيت بالعلماء و المتخصصين في المالية و الاقتصاد و التعليم و الهندسة و الصحة و الاتصالات . و لقد كان أهل دول الجوار يأتون للدراسة في الكلية الحربية ، و كلية الشرطة ، و الاطفائية ( الحريقة ) ، و كلية السجون . و نحن الذين بنينا سكك حديد تنزانيا و بنينا شبكات الاتصال في زامبيا . و كانت الامم المتحدة تستعين بالخبراء السودانيين . و عندما خرج الانجليز من الخليج ، نصحوا أهل تلك البلاد بالاستعانة بالسودانيين في المكان الأول و لقد كان . فهل يعتقد ابن الميرغني بأنه خير من كل هؤلاء ، لكي يكون في القصر الجمهوري .
كل ما افكر في ابن الميرغني ، افكر في الاخ سعد ابراهيم جبريل رحمة الله عليه . في صور يوم الاستقلال كان السيد علي و السيد عبد الرحمن المهدي يظهران في صور الاحتفال . و على يسارهم يسير رجل طويل القامة و يبدو أطول حتى من العملاق السيد عبد الرحمن . و البعض يحسب خاطئاً أن هذا محمد احمد المحجوب  رئيس الوزراء فيما بعد . الا انه العم ابراهيم جبريل ، مدير المراسم في القصر الجمهوري . و كان من اقطاب الحزب الوطني الاتحادي . و كان من اثرياء السودان . و اشتهر بالأناقة الشديدة و اللباقة في الحديث و كان شخصية كارزمية .
عندما ترشح العم ابراهيم جبريل ، كان له اسلوب خاص في دعايته الانتخابية . و كان يتبعه أبنه سعد الذي كان صبياً . و كان يحمل علب خاصة من السجائر ، و هي علب من الصفيح الجميل و تسع العلبة خمسين سجارة . و كان سعد رحمة الله على الجميع ، يحمل ولاعة ثمينة و يقوم بتقديم السجائر و اشعالها . و سجائر العم ابراهيم جبريل كانت مشهورة ، و تصنع خصيصا في اليونان و علامتها ( نمبر ون ) . و عندما كان ضيفاً في سجن كوبر ، في ايام دكتاتورية عبود ، كان يبر المسجونين السياسيين بهذه السجائر الفاخرة . و حتى بعد خروجة من السجن قام بارسال صندوق كبير للمساجين بعد خروجه . و منهم الدكتور محمد محجوب عثمان رحمة الله عليه ، الذي كان محكوماً عليه بتأبيده لأشتراكه في أنقلاب . هل يحتاج البشير الآن الى من يقدم السجائر ؟ .
ما يحيرنا الآن ان الامام عبد الرحمن المهدي قد قال على رؤوس الاشهاد  ان تكوين حزب الأمة و هذا لكي يفسر وجود اعضاء مؤسسين أمثال محمد صالح الشنقيطي و عبد الله خليل و محمد علي شوقي و العم بوث ديو و آخرين  . ” كل انصاري حزب أمة ، و ما كل حزب أمة انصاري ” . الآن بعد ان استقال عبد الرحمن الصادق من حزب الامة ، هذا يعني بأنه ليس بأنصاري . و عندما تأتي المحاسبة لكل من شارك في هذا النظام ، هل سيقبل الصادق ان يقدم ابنه الى محاكمة مثل بقية رجال الانقاذ ؟ أم سيجد الصادق تبريراً لأبنه ؟. فعندما ذهب احمد المهدي مصحوباً بالعم بوث ديو إلى توريت ، أحمد وقتها في المرحلة الثانوية . قام احمد المهدي بأستفزاز اللاتوكا في عقر دارهم وصدرت منه اقوال جارحة ، و لهذا بدأ التمرد في توريت . و عندما رجع احمد الى امدرمان ، عرف السيد عبد الرحمن ما حدث ، لامه و طلب منه أن يواجه أي محاكمة قد يقدم اليها . هل سيطالب الصادق ابنه عبد الرحمن ان يواجه المحاكمة ؟ .
القانون في الجيش السوداني يقول ان أي ظابط يترك الخدمة لأكثر من سنتين لا يحق له الرجوع الى الخدمة . و كان قد تبقيّ للنميري شهرين لكي يكمل تلك الفترة . فذهب أهله مطالبين اللواء عوض عبد الرحمن صغير بأن يتدخل لأرجاعه ، لأنه العائل الوحيد لأسرته . و كان ذلك القرار يحتاج لأجتماع حسن بشير و طلعت فريد و الفريق عبود . و كان هذا من المستحيلات لوجود قرار بأن لا يجتمع الثلاثة في مكان واحد ، خوفاً من الأنقلابات التي صارت كثيرة . و لكن عوض عبد الرحمن نجح في ذلك . و كان طرد اللواء عوض عبد الرحمن صغير ، أول الاوامر التي تلقاها النميري من جمال عبد الناصر . فوالد عوض عبد الرحمن هو الذي قتل اللواء علاء الدين المصري و هو القائد الفعلي لجيش هكس باشا الذي هزم في شيكان . و سماه المهدي عبد الرحمن صغير لأنه كان في السادسة عشر من عمره . و هو الذي طارد اللواء بعد ان هرب في نهاية المعركة .  السؤال الآن كيف يعود عبد الرحمن الصادق إلى الجيش بعد 10 سنين ؟ . و السؤال لماذا دخل عبد الرحمن الجيش من الاول ؟ . و عبد الرحمن لم يدخل الجيش عن طريق الكلية الحربية ، بل عن طريق كلية اجنبية ، غير سودانية .
اللواء الباقر كان متقدماً على ظباط مايو . و كان يؤلمه ان خالد حسن عباس الذي تفصله منه سبع دفع ، صار القائد العام للجيش السوداني ( أوامر جمال عبد الناصر ) . . فخالد من الدفعة العاشرة و التي تخرجت في سنة 1958 ،.  فأراد الباقر ان يستقيل من الجيش . إلا ان اللواء احمد عبد الوهاب الذي طرد من الجيش بأوامر جمال عبد الناصر ، في الانقلاب الذي قاده شنان و محي الدين احمد عبد الله لصالح مصر في سنة 1959. كان يقول للباقر : ( الجيش دا المحل الوحيد الزول ما بستقيل منه . خليك قريب و حا تكون في شكة جديدة ) . و لقد كان . عندما صار الباقر نائباً للنميري صار الآخرون تحت سلطته . يبدو ان عبد الرحمن الصادق ينتظر هذه الشكة . و لهذا لا يريد ان يبعد من الجيش .
رجال الجيش السوداني كانوا جزئاً من المجتمع السوداني ، بسطاء و شجعان . لم يكونوا منفصلين عن المجتمع السوداني . الخال عبد الكريم ميرغني كان يحكي أنه كان يقف خارج جمهرة كبيرة من الناس في حفل في القصر الجمهوري في الديمقراطية الأولى . فأتى رجل بسيط يرتدي بدلة دمور و استطدم بالاستاذ عبد الكريم ميرغني , و أعتذر بأدب جم . فطيب الاستاذ عبد الكريم ميرغني خاطره قائلاً : ( مافي مشكلة يا سيادة القائد ). فأستغرب عبود بان هنالك من يعرفه . و بدأت بينهم دردشة و سأل الفريق محدثة عن وظيفته . فقال الاستاذ عبد الكريم ميرغني : ( انا سفير ) . و كنّا وقتها حديثي عهد بالدوبلماسية . فقال الفريق عبود ببراءة : ( سفير دا بعمل شنو ؟ ) فقال الاستاذ عبد الكريم ميرغني مداعباً : ( سفير دا الزول البلدو بترسلو لبلد تانية عشان يكذب ) . فقهقه الفريق عبود ضاحكاً . و عندما ذهب الفريق عبود بعد ان صار رئيساً للدولة الى باكستان في زيارة . ورّطه ايوب خان وزير خارجية باكستان و رئيسها فيما بعد ، في تصريحات اغضبت الهنود . و لم تكن الزيارة جيدة التحضير . و الخطبة التي قرأها الفريق عبود كانت مرتجلة . و قام في تحضيرها بسرعة الصحفي عبد الرحمن مختار . و عندما ذهب عبود الى مقابلة جواهر لال نهرو و هو احد عباقرة السياسة في العالم ، كان الهنود غاضبين . و كان الاستاذ عبد الكريم ميرغني السفير في الهند وقتها . فقال للاستاذ عبد الكريم ميرغني ما معناه : ( ياخي انت مش زمان قلت لي ، ان السفير دا بلده بترسله لحاجة كدا معينة ، طيب ما تتصرف مع الهنود ديل و تريحنا) .  المحن السودانية اننا عادةً طيبون و غير حاضرين  و تحدث في بلادنا اشياء تمحن . في ايام الديمقراطية الاخيرة تم تعيين الاستاذ حضرة كوزير للأسكان . و ذكرني هذا بالمثل السوداني الذي يقول : ( المرعفين قالوا ليه  يسرحوك بالغنم بكى ) . يعني الحكومة سرحت المرعفين بالغنم . الاستاذ حضرة كان اكبر دلال للعقارات في السودان وقتها . و الآن المحنة الأكبر ان الانقاذ توظف مامون حميدة كوزير للصحة . يعني حكومة الانقاذ مش سرحت المرعفين بالغنم بل ضبحتهم و سلختهم و جابوهم ليه جاهزين . هذه المحن لا تحدث إلّا في السودان .
المحنة الاكبر انه مصطفى عثمان شحادين بقى يشتم و يتحرش و يتعرض للصادق المهدي و الأنصار بالتهديد . دا و الله العشر القام ليه شوك . فأمثال مصطفى عثمان شحادين كان قديماً يمشي تحت الحيطة . و يردد بس يا ربي ما يشوفوني . و الآن صار يسيئ و يشتم و يهدد .
قديماً كان السوداني عندما يحس بأن الآخرين لا يبدون ترحيباً كاملاً به ، يترك المكان بدون تردد . و كان اهلنا يقولون ” بليلة مباشر و لا ضبيحة مكاشر “. فلقد وصف من لا قيمة له مثل كرتي ، الميرغني و المهدي بالسجمانين . و الآن يشارك ابناء من وصفوا بالسجمانين علي كرتي في الجلوس على نفس الطاولة و يشاركونه الحكومة ، بدون أي تحرج . هل هذه احد المحن السودانية ؟ . قديماً كنا نشاهد البعض لا يتحدث مع شخص اخر و بالسؤال يكون ( ياخي الراجل دا كجاني ) . و الكج هو أن يصر الانسان احد عينيه . و لا يرجع الانسان إلا بعد ان يجد اعتزاراً او تقيماً لحاله . و الآن يذهب البشير الى الدوحة . و هذا بعد ان اعلن كثير من المدعوين بأنهم لا يرغبون بمشاهدته . و لا يقابله إلا نجركوك من الحكومة . و كل القطريين هم مائة و عشر الف شخص . و في أي يوم جمعة في العباسية بيكون في اكتر من العدد دا في بنوك الدم .
حديث الجعلي و الغرباوية الذي ذكره الترابي و لم ينفيه البشير ، لقد صار حديث الجعلي والقامبية . و مصير البشير صار الآن في يد افريقية . و لقد شتم الناس اوكامبو و وصفوه بالعنصري و الحاقد و الصليبي . هذه السيدة و بنت خالتنا و مسلمة . و لا حا نسمع دي خادم و …. ما قلنا ليكم المشكلة ما اوكامبو ، اوكامبو موظف بفوت و بجي زول تاني . و المحنة انه ناس الانقاذ صوروا الموضوع كشكلة شخصية بين اوكامبو و البشير . و كان عبد المحمود بباروكته الغريبة يسب و يهاتر كأي صعلوق في قهوة ضربوه مرابع في لعبة سيف ( كوتشينة ) .
كل شئ نسبي . قديماً لم يعرف السودانيون السرقة و الاختلاسات ، خاصة رجال الحكومة . و حتى بعد سقوط نظام عبود ، روجعت حساباتهم في البنوك و ممتلكاتهم و لم يجدوا ابداً اي مخالفات . و قال اللواء حسن بشير في محاكمته : ( ان من الخطأ ان نقدم للمحكمة بتهمة الثراء الحرام . نحن يجب ان نقدم بتهمة الفقر الحرام ) . و في الديمقراطية الثانية كان الناس يتحدثون عن كيكة الزعيم الازهري . فلقد قال أحد العاملين في القصر الجمهوري ، بأن الكيكة التي كانت تقدم في ايام الحاكم العام كانت تفضل ، تكفي الحاكم العام و قرينته و تفضل . و يلتهمها العاملون . و لكن في ايام الازهري كان الكيكة لا تكفي الازهري و ضيوفه . و كان البعض يقول ان هذا اهدار للمال العام . و كان بعض الكبار يتحدثون بجدية عن كيكة الازهري . و يجدون من يستمع إليهم .
من المحن ان الآن أي حرّاس في عمارة اي مسئول انقاذي ممكن ياكل كيك . لأنه كل انقاذي عنده طباخ في بيته متخصص في الاكل و الكيك و خلافه . لقد استكثرنا على رؤسائنا الكيك ، و جائنا من أكل الجبال و شرب الانهار . في الحكومة الأولى كان هنالك ستة عشر وزارة و اربعة عشر وزيراً . لان ميرغني حمزة يحتل ثلاثة وزارات احدها الري . و المهندس ميرغني حمزة كان من المفترض ان يكون رئيس الوزراء الأول . و لكن لأسباب خاصة طلب منه عدم ترشيخ نفسه . و عوّض بثلاثة وزرات .
وقتها كانت الدولة مسئولة من كل شئ ، و كان التعليم والعلاج مجانياً . و كانت ميزانية التعليم و العلاج تساوي 25 بالمئة من ميزانية الدولة و الاربعة عشر وزيراً يديرون الدولة على احسن ما يكون . و الآن الدولة قد رفعت يدها من كل مسئولية ما عدا البطش و النهب و القتل . و بالرغم من هذا تحتاج لستة اضعاف العدد الأول من الدستوريين . و لقد فشلت الانقاذ حتى فيما تخصصت فيه ، و هو القتل و الحرب . و لم تستطع ان تنتصر في جنوب السودان و هزمت . و لم تنتصر في دارفور. و ها هي تجد الهزائم في النيل الأزرق و جبال النوبة .
التحية
ع. س. شوقي بدري
Shawgi Badri [shawgibadri@hotmail.com]


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!