من بعض ما ورد في كتاب “نظريات المرض وسوء الطالع عند بجا الهدندوة”. عرض: بدر الدين حامد الهاشمي


من بعض ما ورد في كتاب “نظريات المرض وسوء الطالع عند بجا الهدندوة” (1/2)

Theories of sickness and misfortune amongst the Hadandowa Beja (1/2)

Frode F. Jacobsen فرودة ف. جيكوبسون

عرض: بدر الدين حامد الهاشمي

هذا عرض موجز لبعض ما أورده البروفيسور النرويجي  فرودة ف. جيكوبسون (وينطق اسمه كما علمت من خبير لغوي “فخوذة”) عن بعض نظريات المرض وسوء الطالع عند بجا الهدندوة في كتاب صدر في عام  1998م عن دار نشر كيجان بول  العالمية (لندن – نيويورك). يبحث الكتاب في المعرفة الثقافية وتعلمها ونقلها وحفظها عند أفراد قبيلة البجا، وهي من القبائل التي تتمتع بذخيرة باذخة الغنى والتنوع في مجالات التقاليد الثقافية الشفهية. كان هذا الكتاب ثمرة لبحث امتد لثلاث سنوات أنجزه المؤلف في منطقتي سنكات وبورتسودان، وقام بتمويله مجلس الأبحاث النرويجي وجامعة بيرجن.
لمؤلف هذا الكتاب سجل تعليمي مثير للانتباه، فبحسب سيرته المبذولة في الشبكة العنكبوتية فقد تخرج الرجل في البدء ممرضا من جامعة بيرجن في عام 1987م ثم نال درجة البكالوريوس والماجستير في الانثربلويجا الاجتماعية والماجستير في عام  1990م  ثم انتقل لدراسة الطب في جامعة بيرجن بين عامي 1990 – 1994م، ثم نال درجة الدكتوراه في الانثربلويجا الاجتماعية من ذات الجامعة  عام  1997م، ثم درس علم الأحياء وطرق البحث العلمي في مجال الأحياء بين عامي 1997 – 2002م.
يمكن تصنيف بحث فرودة جيكوبسون ضمن أبحاث “علم الانثربولوجي الطبي” و”علم النفس المعرفي” وحول مفاهيم “المرض” و”الصحة” وعمل “المعالجيين الشعبيين/ الروحيين”، إذ طاف في بحثه هذا على كل الجوانب السابقة ووصف وحلل جوانب متنوعة من حياة البجا وتقاليدهم الشفهية ومروياتهم في أمور الصحة والمرض وسوء الطالع. 
جاء الكتاب في تسعة فصول كان أولها محاولة لتقديم العمل ووصف المكان والزمان الذي أجري فيه. أعجبتني المقولة التي اقتبسها المؤلف من ك. بوبر وابتدر بها مقدمته الصغيرة وجاء فيها: “تقع على كل مثقف مسئولية خاصة، إذ أنه قد حظي بامتياز الحصول على فرص للتعليم والقدرة على البحث. يجب على المثقف رد الجميل بأن ينقل لشعبه (أو لمجتمعه) نتائج دراساته وأبحاثه بأقصر وأبسط الطرق وأكثرها تواضعا. إن أكبر جرم يمكن للمثقف أن يرتكبه هو أن يتصور أنه أكبر قدرا وأجل مكانة من مواطنيه العاديين، وأن يتعالى ويتذاكي عليهم بفلسفات محيرة. إن كل من يعجز عن التحدث (مع الناس) ببساطة ووضوح يجب أن يخرس تماما ويواصل عمله إلى يتمكن من فعل ذلك.” لعل المؤلف يود أن يقول إنه من هؤلاء المثقفين الذين يهمهم أن ينقلوا معارفهم (في هذه الحالة المقصود هو بالطبع نتائج أبحاث ثلاثة أعوام – 1993 إلى 1995م-  عاشها في وسط البجا) بصورة مبسطة وواضحة لقطاع واسع من جماهير القراء غير المتخصصين. لا أدري كيف كان سيكون عليه هذا الكتاب إن جاء بخلاف ما زعمه المؤلف من التبسيط والوضوح، فمادة الكتاب في نظري المتواضع ليست بتلك البساطة والوضوح الذي يدعيه المؤلف، فهو عندي كتاب للمتخصصين في علوم الانثربولوجي الطبية وعلم النفس والاجتماع، أو على الأقل للمهتمين بها، ويصعب تصوره ككتاب “شعبي” واسع التداول.  
يقول الكاتب أن من أسباب اهتمامه البحثي  بتجربة “الصحة والمرض” ومفهومهما عند البجا هو ملاحظته لما يوليه البجاويون (كغيرهم من خلق الله!) من اهتمام بالغ بهذين الأمرين، وسعيهم الدؤوب واستثمارهم لكثير من الوقت والمال والموارد الثقافية للتخلص من المرض وبلوغ الصحة.
في الفصل الثاني من الكتاب يطنب المؤلف  في تعريف بعض المفاهيم الأساسية المستخدمة   في دراسته، وفي مناهجه البحثية وطرق تحليل نتائجه. يتميز هذا الفصل عن كل الفصول الأخرى بالعسر البالغ (لغير المتخصص) وبالجفاف الشديد والتخصص العميق في دقائق منهجية البحث مما يثير الشك في أن الكتاب موجه بالفعل للقارئ غير المتخصص.
أما في الفصل الثالث فيقدم المؤلف عرضا جغرافيا مبسطا للمنطقة التي يقطن فيها البجا،  ووصفا أثنوجرافيا واضحا (نسبيا) لثقافة البجا ومجتمعهم، ويحاول ايجاد تفسير لاستخدامهم لطيف ضيق فقط من جوانب ثقافتهم لتفسير الحالات الحقيقية للمرض وسوء الطالع.
يتفق الكاتب مع من يقول بأن البجا أفلحوا في العيش في منطقة شدة لا تصلح للعيش الآدمي، وظلوا يدافعون عنها وكأنها أرض أسلافهم منذ آلاف السنين. لقد قاوم البجا كل من غزاهم من الرومان والمصريين والبريطانيين ودافعوا عن أرضهم رغم بؤسها الشديد. يؤيد المؤلف كذلك ما سجله كثير من الباحثين من أن البجا  قوم تقليديون يتمسكون بطرقهم التليدة في حالات الصحة وفي حالات المرض أيضا. يؤكد هذا مقاومتهم للعناية الطبية “المعاصرة” خلال عهد الاستعمار البريطاني وإصرارهم على مواصلة طرقهم التقليدية في طلب التداوي.
تناول الكاتب أيضا في هذا الفصل ديانة البجا، فذكر أن بجا اليوم يعدون أنفسهم مسلمين، وأشار إلى أن دخول الاسلام إلى بلادهم  جاء متأخرا نسبيا (في حوالي القرن السابع عشر)، رغم أن بعض أفراد البجا كانوا قد بدأوا في الدخول إلى الاسلام بصورة فردية منذ القرن العاشر الميلادي. لم ينس المؤلف أن يورد رأي القسيس المؤرخ ترنجهام الذي نفى صفة التدين عن البجا، ووصف تدينهم بأنه “محض قشرة خارجية” وأنهم – مثل غالب السودانيين-  قوم شديدو الإيمان بالخرافات ويسارعون في تصديق أي فكي يزعم أن “البركة” قد حلت عليه. يقول المؤلف إن هنالك من يعارض رأي ترنجهام  ويؤمن بأن الاسلام (كغيره من “ديانات الكتب السماوية”) يحدث في كل مكان ك “ظاهرة محلية” تخالطها في غالب الأحايين كثير من العادات والخصائص المحلية، وبما أن الأمية متفشية في أوساط البجا فليس من سبب لأن نتوقع منهم الالتزام الدقيق بكل ما جاء في القرآن والسنة. ضرب المؤلف هنا مثلا بما شاهده شخصيا من تعليم شيخ ديني في سنكات لجماعة من رجال أميين قادمين ريف سنكات. كان ذلك الشيخ يعلمهم مبادئ الصلاة الأساسية ومواقيتها، ولاحظ المؤلف حماس وحرص هؤلاء الأميين على تصحيح أخطائهم في مواقيت الصلاة، وعد ما شاهده دليلا مؤكدا على شدة تدينهم (الفطري)، ولم يتابع ويصدق ما زعمه ترنجهام عن رقة الدين عندهم. بيد أن المؤلف أضاف أن هذا لا ينفي بالطبع حقيقة أن البجا يؤمنون أشد الايمان بالأولياء والصالحين، ولا يلقون بالا لما يقوله شيوخ وعلماء الدين، فإيمانهم ببركة الصالحين ثابت غير قابل للتغيير إذ هي فكرة مركزية في المعتقدات الدينية عندهم.
لخص المؤلف التنظيم الاجتماعي للبجا وذكر أنهم يتكونون من عدة وحدات قبيلة رئيسة وفرعية، أهمها البشاريين (الذين يسكنون في شمال وشمال غرب الأقليم) والأمرار ( القاطنين في السهول الساحلية شمال بورتسودان وسفوح التلال) والهدندوة (وهي أكبر قبائل البجا وتسكن بين تلال البحر الأحمر ونهر أتبرا). يتحدث البجا باللغة الكوشية الشمالية المسماة Tu Bedawie  بينما يتحدث البني عامر لغة “التقري” السامية. هنالك اختلاف آخر بين القبيلتين في أن البجا لديهم تنظيم اجتماعي يتسم بالمساواة، بينما لبني عامر نظام اجتماعي تقليدي طبقي.
لكل فرع من فروع قبيلة  البجا أرضهم المحددة، يكون فيها جار المرء دوما هو أقرب الأقربين له.  يحرص كل فرد من أفراد البجا على الزواج من فتيات ذات القبيلة وشعار كل بجاوي هو “لا تتزوج الغريبة… فتياتكم أفضل”، ولديهم في ذلك حكاية فلكلورية عن طائر الغراب والذي تزوج  طائرا ليس من نوعه هو الكركي. عقب الزواج طلبت الزوجة (طائر الكركي) من زوجها الغراب أن يطيرا بعيدا عن بلادهما عبر محيطات عديدة. ولما كان الغراب لا يجيد الطيران لمسافات طويلة فقد طلب من زوجته الكركي المساعدة. أقنع أهل الزوجة ابنتهم بمساعدة الزوج في المرة الأولى، ولكن مع مرور الوقت بدأت الزوجة تضج من مساعدة زوجها وهجرته في نهاية المطاف وتركته غريبا عن دياره.
لكلمة “ديواب” البجاوية أهمية قصوى في جانب التقسيم القبلي فهي وحدة اجتماعية/ اقتصادية لا يتعدى عدد أفرادها 50 – 200 عائلة، وهي كلمة ذات معان مختلفة، قد تفيد معنى كلمة “وطن” أو “عشيرة” أو “عائلة” أو “بيت” أو “أقارب” أو “مجموعة” أو حتى “زوجة”.  تتقاسم كل “ديواب” مجموعة  حقوق عديدة في الأرض والممتلكات  والمواريث والموارد الأخرى، وهذا من باب حفظ  الثروة في الـ “ديواب” الواحد. يحرص الرجل البجاوي على عدم اعطاء معلومات عن “ديوابه” خشية أن يلحقهم  أذى من قبل من هم من غير عشيرته الأقربين.
مما ذكره المؤلف نقلا عن صديق له من البجا أن البجاويين قوم كرماء مع ضيوفهم، فهم يضيفون القادم عليهم ويعاملونه كملك في الثلاثة أيام الأولى لزيارته، بيد أنه يظل عندهم مجرد “ضيف” وليس “صديقا موثوقا به”، وهو بهذه الصفة يتلقى من المعلومات من مضيفيه ما يردون له أن يعرف وليس أكثر من ذلك. في هذا يستوي عندهم الأجنبي (غير السوداني) والسوداني من غير البجا، والبجا من غير “ديوابهم”.
تطرق المؤلف أيضا للموضوعات التي يتناولها البجا في أشعارهم الغنائية  التقليدية فقال إنها تدور أساسا حول حب امرأة معينة والتغزل في جمالها وشبابها وأعضاء جسدها خاصة عيونها السوداء الواسعة، وطريقة مشيتها مرفوعة الرأس، ولونها الفاتح، بيد أن ذكر اسم المرأة من المحرمات عندهم. يقرض البجاويون أيضا الشعر في حيواناتهم خاصة الإبل، والتي يعشقونها وينزلونها منزلة عظيمة في قائمة ممتلكاتهم، فهي رمز مهم من رموز حياتهم البدوية ولبنها بالنسبة لهم غذاء ودواء يعالج ويحمي من الأمراض  أيضا، وشربه يزيد من الباءة.
للعمل وتقسيمه عند البجا طرقا وطقوسا محفوظة. فالرجل منوط به الرعي بحيواناته وسقايتها وحلبها، بينما تقضي المرأة جل وقتها في خيمتها حيث تقوم بتحضير الطعام وطحن الذرة لتحضير الاوتم o’tam  (وهي نوع من “العصيدة” التي هي الطعام الرئيس عند البجا) وخض اللبن لإنتاج السمن، والذي يستبدل أو يباع عادة للحصول على نقود لشراء مستلزمات أخرى. تصنع المرأة البروش وتغزل الصوف لصناعة المفارش الأرضية، وتهتم على وجه العموم بمحتويات الخيمة، بيد أن أهم واجباتها على الإطلاق هي رعاية أطفالها والعناية بهم. كثيرا ما كان المؤلف يسمع في غضون اقامته في مدينة سنكات لبعض النساء والواحدة منهن  تحمل سلة  وتغني وهي في طريقها لخارج البلدة. عرف من مخبريه أن المرأة من هؤلاء تحمل مشيمة (تبيعة) طفل مولود حديثا، حيث ستعلقها على غصن شجرة بعيدة. عرف المؤلف أن مشيمة المولودة (خلافا للمولود) تدفن في صمت في داخل الخيمة أو البيت.  خلص المؤلف أن ذلك يعكس بجلاء الأدوار المتوقعة لاحقا من الذكور والإناث عند البجا، فالمرأة مكانها البيت (الخيمة)، والرجل يعمل في الخارج (أو العالم الخارجي) حيث الأشجار والزراعة.
بحسب ما سجله المؤلف فإنه بالنسبة للرجل فالطبخ أو نصب الخيمة والعناية بها عمل “مخجل”  يندرج تحت خوارم مروءة  الذكر. ليس من عادات الرجال المستحبة البقاء مع النساء وهن يقمن بنصب وإعداد الخيام بل يفضلون الذهاب مع رفقائهم خارج معسكرهم حيث يستمتعون بشرب الجبنة تحت ظل شجرة أو في خيمة “رجالية”، أو في مقهى أو سوق إن كانوا موجودين في المدينة، فالسوق عندهم منطقة رجالية صرفة لا ينبغي للمرأة الاقتراب منها بتاتا، بل عليها أن تكلف زوجها أو أحد أقربائه بشراء ما يلزمها منه.
تظل المرأة الهدندوية تحت حماية أهلها الذكور (الأب والإخوان والأبناء والأزواج) طوال حياتها، وهو أمر مقلق لهؤلاء الحماة، فشرف العشيرة “الديواب” الجماعي معلق بسلوك المرأة عندهم. تحرص نساء البجا على ختان المرأة ختانا فرعونيا في الغالب (بحسب ما جاء في كتاب دكتورة أسماء الضرير  الشهير عن الختان في السودان) وفي سن مبكرة جدا قد تكون الشهر الأول من عمر الطفلة، بيد أنه حدث تغيير في ذلك المنحى في السنوات الأخيرة من قبل الرجال والذين كثيرا ما يوهمون زوجاتهم بأن ختان البنت سيكون “فرعونيا/ كاملا” بينما يقنعون الخاتنة سرا بأن تقوم بعمل الختان السني (الأخف وطأة).
خلص المؤلف إلى أن البجاوي يعيش في عالمه (الذكوري) الخاص، بينما تعيش البجاوية  منعزلة كذلك في عالمها (الأنثوي) الخاص بها. رغما عن ذلك فقد ذكر المؤلف أيضا أن بعضا من مخبريه من البجا أخبروه بأن المرأة البجاوية هي الناظم الرئيس لإقتصاد العائلة ورفاهيتها، إذ أنها تمارس برغم تلك العزلة أدوارا اجتماعية مهمة في تحديد العلاقات الاجتماعية للزوج وعلاقاته والزيارات الواجبة في المناسبات الهامة عند أفراد “الديواب” مثل الأعراس والمآتم (الفراش) والولادات. تلعب الزوجة البجاوية كذلك دورا مهما في أمور “الصحة والمرض والعلاج” في العائلة، وفي أمور زواج الأبناء والبنات والختان وميزانية البيت.
أعجبني المثل البجاوي الذي أورده المؤلف في خواتيم فصله الثالث الطويل وهو: “ابحث عن الأشياء الجميلة، فالأشياء القبيحة تأتي وحدها دون دعوة”.
********             ********
أود تسجيل شكري للصديق (البجاوي) محمد عثمان إبراهيم  لملاحظاته المفيدة على هذا المقال.

badreldin ali [alibadreldin@hotmail.com]
//////////////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!