وغادرنا والدي النوبي النبيل .. بقلم: شوقي بدري


http://www7.0zz0.com/2014/01/05/11/881322471.jpg

ونحن في رمبيك كانت والدتي تتحدث عن شقيقها اسماعيل في ملكال. وفي طريقنا الي امدرمان توقفنا في ملكال . تلك كانت اول مرة ترسخ صورته في مخيلتي ، الصورة التي ستتبعني الي القبر .  ومن تلك الزيارة في صالون الباخرة احسست بالحب  نحوه مثل  جدتي. من الاشياء التي احضرها لنا كانت بعض الطحنية التي لم تكن متوفرة كثيرا في الجنوب.
جدتي زينب بت الحرم المشاوية كانت تتحدث دائما عن ابنها الذي يدرس في مصر مبارك ، وابنها ,, سماعين ,, في ملكال . وبعد موت جدنا خليل ابتر سر تجار  تلودي في جبال النوبة انتقلت الاسرة الي امدرمان . وبقي خيلاننا الكبار في كادوقلي ولقاوة وتلودي وكلوقي . و تعلقت قلوب الاسرة  دائما بجبال النوبة .
وانا في ملكال اتي العم مكي من بانتيوا. وكان من اكبر تجار بانتيو وهو زوج خالتنا فاطمة ابو القاسم ووالد الاخوه ربيع وفاروق وشرف وآ خرين . وكان سائق لوري العم مكي مصحوبا بالمساعد جمعة  . وخاطب جمعة والدي اسماعيل طيب الله ثراه بالاستاذ . وعرفت ان الوالد كان مدرسا في مدرسة تلودي ، وجمعة كان من النوبة وتلميذا في مدرسة تلودي  .
وربما لاننا كنا نسكن في اعالي النيل ، وكان محمد عبد اللة عبد السلام  . اكبر تاجر في كل اعالي النيل وزوج خالتي نفيسة ابتر انتقل  الوالد اسماعيل الي اعالي النيل . فابراهيم بدري ومحمد عبد الله عبد السلام كانا صديقين لصيقين . تنافسا في هويتهم الدينكاوية . وفي حب الدينكا واتقان لغة الدينكا . الا ان محمد عبد الله كان اطول باعا ويعرف كل اللهجات  . وحمل اسم فديت  واسم ايوب ياو  وتعني الرجل الكبير الغني. وحمل ابراهيم بدري اسم ماريل وتعني الثور الكبير الابيض .  وهو الذي وضع  قواعد لغة الدينكا والحروف اللاتينية وكان يدرسها في كلية غردون ويمتحن الاداريين من سودانيين وبريطانيين .
حكي لي شقيقي بابكر ان اثنين من الشلك كانا يسيران في سوق امدرمان في زمن ليس بالبعيد وسمعا شخصا يتدخل في محادثتهما . فالتفتا  يبحثان عن شخص بملامح شلكاوية . ولكن الشخص كان يحمل ملامج نوبية جميلة . فالوالد كان وسيما بشكل رجولي ملفت وكان دائما  مهندما انيق الثياب . كان عمي محمد بدري والذي يكبر الوالد اسماعيل ببضع سنوات يحكي لي عن اناقته المميزة واتزانه وادبه الجم  . وكان يقابله عندما  يأتي في اجازاته ومهامه الي امدرمان.
وانا في  الثانية عشر من عمري ، رفضت ان التزم بقرار الاستاذ عبيد عبد النور . وهو شخصية وطنية ضخمة هو اول من قال هنا امدرمان  ، وشاعر الاغنية الوطنية ,ويا ام ضفاير قودي الرسن واهتفي فليحيي الوطن . وكان  مع الزعيم الازهري اول المبعوثين الي الجامعة الامريكية في بيروت . وهو صديق ابراهيم بدري ضمتهم رفاعة الرائعة ، كما انه زوج عمتي . وكان يلزم كل التلاميذ بحلق الرأس جبنة . وتطور  الامر  بأن اخذني وشقيقي الشنقيطي الي دكان الحلاق عزيز اسحاق في الموردة  والذي صار صديقي فيما بعد . ورفضت ان اسلم رأسي الي ان اري زميلي عمر احمد العبيد ا ابن اختي وحفيد الاستاذ عبيد عبد النور طيب الله ثراه  حالقا صلعة . وحدثت مواجهة .
وبعدها بايام . سألتني والدتي اذا كنت اريد الانتقال الي ملكال  والسكن عند الوالد اسماعيل . ووافقت سعيدا . فالجنوب هو المكان الذي تفنحت في عيوننا علي الدنيا . والبشر الذي تعودنا علي مشاهدتهم وانتمينا اليهم واحببناهم كانوا اهلنا الجنوبيين من دينكا ونوير وشلك وتبوسا وزاندي ومورو وتبوسا ، بنقو ، مورلي  وانجواك  وباريا ولكوجا  …الخ
عندما  اتعب من تصرفات ابنائي اتذكر الوالد اسماعيل الذي لم يكن يكبرني باكثر من 15 سنة . ولم يكن قد تزوج بعد وبالرغم من هذا تحمل مسئولية صبي لم يعرف عنه لين العريكة . فلقد عدت وانا في الحادية  بعد حصولي علي ارنيك 8 وذهابي الي المستشفي بعد عملية خياطة جرح . وهذا بعد ان اتي الاخ خالد عبد الكريم من حيهم الدومة وهو مسلح ، وفي طريقه الي دكان والده العجلاتي في بداية شارع كرري . وكنت احرم عليه وعلي  آخرين بالمرور بحينا . واكتفت والدتي رحمة اللع عليها ، بأن قالت لي ,, ود الناس الطعنك ده بتكون غلطان عليه انت . ولم تسال عن الحدث .
منزل  الوالد اسماعيل كان من اميز منازل  فريق الجلابة . وكان علي عكس المنازل الاخري مبنيا بالطوب والاسمنت ويقع في وسط الحي وهوجنوب نادي المدينة  . وكان اثاثة يضاهي افخر المنازل في امدرمان . ويمتاز بالنظام الشديد والنظافة . وتلك اهم مميزات الوالد ، زائدا الاحتفاظ بكل الاوراق حتي القديمة . ولا يضيع وصلا . او خطابا قد استلمه في بداية حياته .
ولقد قال لي الابن  وجدي الكردي رئيس تحرير  حكايات ، انه اندهش عندما اطلعه الوالد اسماعيل علي شهاداته المدرسية وهو في مرحلة الاساس ، وكثير من الاوراق القديمة . والاستاذ وجدي تعرف علي الوالد ، لان الدكتور الصحفي كمال حنفي كان متزوجا من اختي ميسون اسماعيل التي انتقلت فبل 3 سنوات الي جوار ربها . وتبعها كمال  رحمة الله علي الجميع
من الوالد اسماعيل تعلمت تنظيم الاوراق والاحتفاظ بالمراسلات ،وحتي كروت المعايدة . واذكر ان الاخ معتصم قرشي قد اندهش عندما ارسلت له نسخة من خطاب ارسله لي من ليبيا في السبعينات . ولقد قالت سكرتيرتي للاخ احمد عبد اللطيف حمد عندما اتي زائرا من الامارات . انني اصر علي الانضباط والدقة . وكانت تقول ساخرة , مستر بيرفكشن . وانا لست كذالك .  ولكن بعض الانضباط في العمل ورثته من الوالد اسماعيل .
الدكان كان عباره عن مكتب  علي الناصية في وسط السوق .ولم تكن هنالك بضاعة لكي تباع . ولكن عطائات وتجارة محاصيل  وزراعة . وكان للوالد اسماغيل والمكتب قوة مغناطيسية تجذب الناس . وفي الصباح يجتمع الكثيرون لطعام الفطور وكان الفطور  ياتي من المنزل وعندما يكثر . الآكلين ، كان الوالد ياتي ببعض الطعام من مطعم حمد الشهير والوحيد في  سوق ملكال . وكان هنالك  من يأتي بأكله كذالك مثل الكشيف المصوراتي الوحيد ومراسل الرأي العام والشيخ الترزي الافرنجي الوحيد . كما كان من الضيوف الدائمين بعض الموظفين الغير متزوجين ،احدهم لاعب الهلال ابو رزقة والذي كان يعمل في الاشغال . وهو ابن اخت لاعب الهلال خدوري  . وكان يلعب لفريق النسرفي ملكال. وكان يضفي البهجة والفكاهة علي الاكل . قال في احد الايام بسبب سخانة سمكة بلطي كبيره من المطعم احرقت اصابعه ,, يا جماعة شوفو يمكن حمد حاشي السمكة دي جمر  ,,
بينما ابن اختي محمد صلاح  واقفا امام دارنا ، في امدرمان مع بعض شباب الاسرة . توقف رجل وقال انه كان يأتي لزيارة الوالد اسماعيل ، واضاف ، ان اسماعيل كان اصغر تجار ملكال عمرا ويعرفه ويحترمه الجميع . والحقيقة ان هنالك من كان في عمر اسماعيل وكان صديقة ومن اشهر سكان ملكال وهو الاخ مبارك شقيق التاجر محمد البشير اكبر تجار ملكال . ومبارك كان متعلما كذالك كما كان انيقا دائم الابتسام يعامل الجميع بود . وكنت احبه واحترمه  . كان يسمح لزو جته الاستاذة  بثينة بالعمل كمدرسة في مدرسة البندر للبنات . ولم يكن محتاجا للمال  .
الوالد اسماعيل  كان لايرفع صوته ابدا . لاتخرج اي كلمة جارحة او بذيئة من فمه  . يتبسط بدون ابتذال . حاسما  وشديدا عندما يستدعي الامر . له مقدرة مخيفة علي تحمل المشاق . ولقد ساعدته نشأته في جبال النوبة علي تحمل العطش والجوع والسير لايام عديدة علي قدميه في فترة الخريف . كان يحكي عن الايام التي كانوا يشترون فيها الابقار ويسوقونها الي مصنع اللحوم في  طيبة خارج كوستي. وكان يتحسر لقفل المصنع . في الحقيقة ليس هنالك تفسير لقفل المصنع الضخم . وسمعنا انه انشئ لتزويد الجيوش باللحم المعلب في ايام الحرب وبعد الحرب . وسمعنا ان المصنع كان يمول اسرائيل باللحوم المعلبة . وتوقف التصدير بعد الاستقلال ، مع التبادل التجاري مع اسرائيل والذي شمل الجلود والقطن . وكان بحجم  ضخم .
عندما كانت الامطار تهطل في ملكال كان الوالد اسماعيل طيب الله ثراه يقول انهم في رحلاتهم وسط الشلك والنوير والدينكا ان اصيبو بصبنة مرتيت . وعرفت منه ان الصبنة هي المطر الذي لايتوقف ويهطل كل يوم . والصبنة الاولي كانت 15 يوما والثانية 16 يوما .ولكنهم كانوا يمشون  وتربة اعالي النيل طينية لزجة لا يصلح معها لبس الحذاء ، فقط الكبك أو حذاء باتا الذي يربط بشدة . وكان الخال يقول انهم كانوا يستيقظون في الصباح ليجدوا الشبورة تغطي الافق . والشبورة هي الضباب .
الدكتور الزراعي بدرالدين عبد الرحمن  هو ابن اخ بخيت رحمة الله عليه والاثنان من اصدقاء الوالد اسماعيل . وتزوج بخيت خالتي آسيا وبعد ايام من ولادة ابنتهم الاولي مات بخيت رحمة الله عليه في حادث مؤلم في ملكال . واتي بدر الدين للسكن مع جدتي في امدرمان بسبب توقف المدارس في الجنوب في ايام الانتفاضة الجنوبية الاولي . وعندما حضرت الي ملكال كان العم عبد الرحمن يصر علي ان يرسل لي كورة لبن في المساء . وكنت احس بالفخر. فانني واحد من 15 عشر شقيقا  فيما عدي الضيوف. وكنت اضيف السكر بسخاء  الي اللبن . فقام الوالد بتوعيتي من مضار السكر . وقديما والي الآن يحسب السودانيون السكر  والحلويات من اعظم الاطعمة . وكان يقول لي ,, ما شايف فلان وفلان ديل كل واحد عنده تلاجة ؟؟ ده كلو من السكر ,, والي الآن لااقترب من السكر الا  في مناسبات معدودة. وكان اطفالي يسألونني لماذا لااقرب الشيكولاتة والتورتة والايسكريم ؟؟ . ويظنون ان السبب هو انني لم اعرف الحلويات  في السودان . والسبب  الحقيقي هو الوالد اسماعيل لم يكن يأكل الا القليل من الطعام  ويتجنب السكر، ويحافظ علي وزنه وصحته كل الوقت وكان منتظما ومنظبطا في كل اوجه حياته . وكانت له  مقدرة علي التحليل وزن الامور بطريقة تجعلة متقدما علي زمنه  في كثير من الاشياء  .
عندما كان الوالد اسماعيل يأتي الي امدرمان كان يبدأ بزيارة كل الاهل . ولا ينس صغيرا اوكبيرا . ويبر بالنساء ويقسم صدقته ويزيد عليها اضعافا .ويبدا مشاويره في الصباح  ، ويطوف كل امدرمان القديمة بداية ببيت المال وينتهي بالعرضة ويعرج علي  خالتنا في المسالمة . واصهارنا آل الشيخ العوض في العمدة . وفي المرات التي رافقته فيها كان لايتعب ويعتبر تلك المشاوير شيئا بسيطا . ويواصل في العصر . وعندما كنت اسير مع والدات ابنائي في السويد كنت كالعادة السودانية اسير في شمال الشارع وكن يدفعنني الي يمين الشارع ولكني انسي واعيد الغلطة . والوالد اسماعيل  كان السوداني الوحيد الذي شاهدته يمشي علي يمين الطريق . وهذه هي الطريقة  الصحيحة . لان الانسان لايمكن ان يري السيارة التي خلفه وقد تنحرف لاي سبب وتقتله . والانسان يمكن ان يتجنب السيارة التي امامه  .  كان الوالد اسماعيل يحلق لحيته ويشذب شاربه قبل العصر . ويقول ان الحلاقة في الصبح لايمكن ان تحدث باتقان لان الانسان يكون مستعجلا ولكن الوقت قبل العصر وقت ميت يمكن ان يستغله الانسان في الحلاقة بدون عجلة ، او في كتابة خطاب . ولهذا كانت خطاباته انيقة ومفصلة وموضوعية جدا . احتفظ بها جميعا ، مثل كل الخطابات . فهذا ما تعلمته من الوالد اسماعيل .
كان يعطني الاسباب لان اثق بنفسي . اذكر ان الاخ مجذوب يوسف استفسر عن سبب تواجدي في حيهم المديرية وانا من سكان الجلابة . والسبب ان احد معارف الوالد اسماعيل كان موظفا اسمه عمر ، كان في مامورية لمدة شهر وكنت اذهب لحراسة الاسرة المكونة من الزوجة وثلاثة اطفال صغار . وكنت اقضي الليل واذهب الي المدرسة في الصباح واتي بعد العشاء . و لصبي  في الثالثة عشر هذه مهمة مملة . ولكني كنت فخورا بها  وبالثقة .
فالت لي شقيقتي ان البصات لم تكن تتوقف من الحضور ناقلة المعزين من كل انحاء امدرمان وقالت لبنات خالتي لقد اكرمكم اهلكم الجعليين لقد تواجدوا كل ايام العزاء . والرد ان اهلنا الجعليين اتو بسبب الوالد اسماعيل الذي لم يكن ينقطع عنهم ويعرفهم خيرا من ابناء اخته الجعليين . وكانت الدار تمتلئ باهلنا النوبيين . ولم ينقطع آل بدري وهم ليسو من يكثر التواجد في بيوت العزاء . ولكن الوالد اسماعيل كان صاحب قلب مفتوح للجميع ولقد اطلق اسم سارة علي ابنته الحبيبة تيمنا بالسارة بدري زوجة والدي الاولي ووالدة كمال الذي تزوج خالتي  آ سيا , في ذالك الزمن الذي كانت فيه القلوب بلون الحليب . ولقد قال صديقي الوجيه الامدرماني معتصم قرشي عندما ذهب للعزاء ,, ياشوقي ما كان في محل تقعد فيه,,.ولم يكن للرجل ذهب المعز .
الوالد اسماعيل كان من  الشباب  الذي يؤدي صلواته ويواصل ارحامه  ولا يتشدق بتدينه او يظهر ايمانه متفاخرا. وبالرغم من انهم تجار، لا يكذبون ولا يغشون . يتحدثون عن عيوب البضاعة قبل بيعها. شاهدته يعنف احد التجار الذين يبيعون الذرة للشلك بمبلع 13 قرشا لنصف الربع . وينادون علية ببيار ود اديونق وتعني 13 . وبالورقة اثبت للتاجر ان العملية ليست مجزية عند اضافة اجر اللوري والعتالة  . والذرة تكوم في شكل تل . والتاجر كان يقول . بس انحنا العبيد ديل ما بنكيل ليهم الملوة مليانة . وبعد الاستقلال اتت المقاييس الجديدة وكانت اسطوانية. ويقشط العيش بخشبة . ولكن التجار كانوا يقشطون الملوة بكفة اليد. وكان الوالد اسماعيل يغضب لوصف الجنوبيين بالعبيد ويغضب لسرقتهم , والناس كانت تتجمع حول العيش بالمئات والشرطة تقوم بالحراسة .
قالت لي اختي سارة ان والدها قال لزوجها عبد الكريم بدري  عندما تقدم للزواج منها ,, اول حاجة يا ابني البت دي كسلانة جدا ,, وعدد اشياء اخري .واوصاها خيرا بزوجها . ذالك الجيل كان صادقا يقول الحق في كل الوقت . لايصدقون ان هنالك من يكذب او يخون الامانة او يترفع عن الآخرين .سارة ابنته اغتربت مع زوجها منذ سنين عديدة ولقد عملت كمدرسة ولزوجها وظيفة كبيرة . لم ارها تتحلي بالذهب . تقول لزميلاتها المغتربات الذين يقضين كل الوقت في ملئ رؤوس الاخريات بشراء الذهب وتحويل كل المال لسيطرتهن . وعدم جعل الرجل يصرف علي اهله الي آخر المنظومة . ان زوجها هو روحها  اخوها ، ابوها ووالد اطفالها.وهذه تربية الوالد اسماعيل .
ولقد قلت للاخ الدكتور الصحفي كمال حنفي رحمة الله عليه ، عندما كانت زوجته ميسون اسماعيل طيب الله ثراها تتلقي العرج في المانيا ,, انت رجل محظوظ اهلنا الرباطاب ديل مابيقبلوا بي الزول بي سهولة . لكن فبل ما الاقيك كل اهلنا بيشكروك وانت ساكن بيناتهم . ورده كان الزول مع ذي  عم اسماعيل ما بيقدر يتلوم .
في الخمسينات  ذهبنا باللوري من ملكال الي امدرمان . واخذت الرحلة 8 ايام بدل اليومين . وفي كل مكان كان الناس يرحبون بالوالد اسماعيل ويرفضون  سفرنا . وفي ملوط شربت من الشربات ما اوجع بطني . وفي فلوج علي نهر عدار. توقفنا نصف يوم . واعطاني العم صغيرون اكبر مبلغ في حياتي  وقتها  ، 150 قرشا  . وتوقفنا في الرنك والقيقر وملوط  وكوستي . وكان المعارف  يرفضون تركنا بدون زيارة الدار .اذكر ان عدة لواري من ملكال توقفت عند مشاهدة لورينا في القطينة . وقام اهل القطينه باكرامنا يوما كاملا وكانت الصواني تمد   وحتي الحلو الكنافة . وكان يوما جميلا . وكنت احس ان الوالد اسماعيل مع صغر سنه يعامل كرجل دولة .
يوم الجمعة في ملكال كان يوما خاصا . ياتي الوالد اسماعيل ومعة عادة مجموعة من الناس من الجامع . وفي يوم الجمعة نسمع صفارة الباخرة البوسطة في الساعة العاشرة صباحا . وعادة يكون فيها بعض الضيوف . وياتي الكثيرون بطعامهم الي منزلنا . واشهي اكل كانت تاتي به الخاللة امينة زوجة العم عز الدين حسين وهم من جنوب مصر . وكانوا يستاجرون القسم الشرقي من منزلنا . وعزالدين الرجل الفاضل كان يعمل  كمحاسب عند اليوناني ابوستولو اكبر تاجر في ملكال . وكان بعض التجار يأتون بنفس صحن الويكة والكسرة وهم اغني كثيرا من العم عز الدين. وفي تلك الجلسات تعلمت الكثيرمن القصص والحكاوي . خاصة في ليالي رمضان وكانت جدتي تهتم بارسال كل مستلزمات رمضان من امدرمان . وكانت والدتي ترسل الخبيز طيلة السنة . وتمتلئ الدار بمن يستلقي علي الحصائر للساعات الطوال بعد فطور رمضان .
وفي احد الايام وبعد الغداء حضر زكريا بقامته المميزة وعصي الآبنوس ومعه بيور وهو العتالي الوحيد من الدينكا في ملكال . وزكريا كان  شيخ العتالة . وكان احد الضيوف قد تعاقد  مع العتالة لتفريغ الذرة . بقرش لكل شوال . ولكن الذرة كانت علي ظهر مركب شراعي وليس في وابور البحر كالمعتاد  . والسعر هو قرش ونصف لانهم يدخلون في الماء الي صدورهم . وايد الوالد اسماعيل كلامهم . ودفع الضيف الفرق .
عندما  سأل الضيف ضاحكا ، كيف عرفوا بمكانه ؟؟ رد زكريا بان اغلب الضيوف يتواجدون عند اسماعيا خليل  . والوالد اسماعيل لم يكم متزوجا وقتها ولكن الاخ اتيم كان يطبخ الطعام وينظف المنزل ويتوقع الضيوف دائما . وعندما وصلت اول يوم لوحدي من امدرمان لملكال وانا في الثانية عشر . قال لي الوالد ان احد اساتذتي كان يسكن معه قبل ان تفتح المدرسة . وفي المساء عندما حضر الاستاذ اصيب بالرعب , وقال ,, ود اختك ده انا خليت امدرمان بسببه . وكان قد درسني في بيت الامانة  وكان هذا الاستاذ الرائع من عرف بود العمة  وهو الاستاذ هاشم محمد عثمان ، حارس المرمي  المشهور . وكل هذا لم يغير معاملة الوالد لي . وكان يؤمن بالاصلاح عن طريق الصبر والحزم والتوعية  . ولم يرفع صوته معي ناهيك عن رفع يده . وكنت عادة استحق العقاب واجدة. ولقد ظهرت نجاعة تربيته في ابنه علي اسماعيل . الذي هو الآن رجل اعمال ناجح يبر باهلنا وبعضهم يعمل معه .
الوالد لم يكن يتحدث كثيرا . وكان يستطيع ان يقرأ الوضع بسهولة .فعندما اكتملت شحنة القندران في طريقة الي اكوبو علي نهر اكوبو الذي يفصل جنوب السودان واثيوبيا . حدق في الوالد اسماعيل وقال لي ,, انت عاوز تسافر مع محمد يس ؟؟ وقبل ان اجيب ، طلب مني ان اذهب لاحضار بطانيتي , ولقد قضيت اجمل الايام في تلك الرحلات التي تخللها الجوع والعطش والتعب والنوم عل شوالات الاسمنت . وذهبت الي الناصر والبيبور وفشلا وجبل بوما . وتعلمت الكثير من النوبي الرائع محمد يس واخيه عوض الذي صار سائقا للبص السريع .
الآن يرسل الصبيان والبنات الذين يعانون من قوة الراس في رحلات بعيدة تدفعها الدول المتحضرة . وذالك العلاج كان ناجعا بالنسبة لي . زائدا تكليفي بمسئوليات كبيرة وانا في الثانية عشر كنت اجلس علي المكتب وارد علي التلفون واطلب الشاي للضيوف من قهوة عبد الرجال. وفي احد الايام رددت علي التلفون قائلا ,, مية وحداشر ,, وكان هذا رقم التلفون . وبعد ان اكمل المتحدث المكالمة مع الوالد  اسماعيل . لامني علي الرد البليد . فقات له هذا هو الرد الصحيح . ومكتوب في دليل التلفون ,, اعطي اسمك او رقم تلفونك . ولم يكن هنالك دليل تلفون وقتها في ملكال بل ورقة مطبوعة. لان كل ارقام المصالح والمكاتب هي 150 رقما وعندما اراد التاجر ان  يقرعني بعد ان حضر الي الدكان قال له الوالد اسماعيل شوقي عنده حق  .
وفي وقت من الاوقات كان اغلب التجار يعتبرونبني ولد قليل ادب . فعندما اعتدي  اربعة من شباب ام دوم علي حارس السوق  وهو من الدينكا ويرتدي الزي الرسمي ، قاموا بضربه وهو علي حق . صرخت في وجههم . وعيرتهم بانهم اربعة يتكالبون علي رجل وحيد . واحضرت البوليس . لانهم رفضوا ان يدفعوا 5 قروش رسوم شراء معزة . ووقف الوالد معي واكد غلط جيراننا ..
اذكر ان مدرسنا الاستاذ محمود برات والذي صار كاتبا ودكتورا في علم النفس ، ذكر لي ان الوالد اسماعيل قد اشاد بي . وكان قد ارسلني بورقة لاحضار ايجار احد الدكاكين بالقرب من الجزر والفرن الوحيد . ولكن التاجر شخط في وجهي وقال لي . انت منو البدوك جنيهات . فقلت له  جنيهين ولا تلاتة اجارك دة ان كنت بشيل قدرو تلاتين مره وبمشي بيه من البنك في امدر مان وبركب بيه الترماج  . فوالدي كان يكتب الشيك واذهب به الي العم مصطفي الهادي والد المحافظ مهدي  . وهو كبير المراسلات . ويوقع علي الشيك ويعطني الصراف 60 او 100 جنيه والبلد كانت في منتهي الامان . وعندما رجعت الي الدكان كانت دموع الغيظ ظاهرة علي وجهي بالرغم من المغيب  . وكان الدكان مليئا كالعادة . قال الوالد اسماعيل  ,و ده لوكان ولد تاني كان جاء وهي بيضحك. ولا كان حيهتم .
بعد هذا الحادث بعام كان دكتور محمود برات  يحكي هذا الحادث  وكان يسكن معنا في الدويم لمدة اسبوعين اثناء زواج الوالد من ابنة العمة  زينب علي وصار عديلا للاستاذ السياسي والوزير احمد عبد الرحمن وشقيق الزوجة هو النور علي من اوائل الاخوان الاسلاميين . وابنته زوجة عصام الترابي . والدكتور محمود برات كان يمت لاهل العروس بصلة القرابة وهو من سكان ام جر . والوالد اسماعيل صديق للجميع لاينحاز لحزب او لمجموعة معينة .رسالته رسالة عطاء .
عندما اتي الزعيم الازهري الي ملكال  لدعم مرشحي الحزب الاتحادي علي كاشف والعم عبد النبي ، اقيم احتفال وسوق خيري في منزلنا  الذي كان بمثابة النادي ومكان التجمع  . وكنت انا ابن الانصار ابيع صور الزعيم الازهري بعشرة قروش .وكنت افرضها علي الناس قائلا  ريال بس . لدرجة ان الناس في السوق كانت تناديني بريال بس .
وعندما حضر سراج سعيد بباخرة السيد عبد الرحمن الطاهرة لدعم مرشح حزب الامة حاج ابزيد  رحبنا به . وكان الوالد اسماعيل يقول عن حاج ابزيد انه انسان فاضل واذا كان كل الناس مثله لفاز حزب الامة بكل الدوائر .
حادثتان كانتا ستسببان في تركي لمدرسة ملكال  . لم ابدا المشكلة ولكن كعادة بعض اهل العباسية كان الرد اعنف من المطلوب . الحادثة الاولي ان اخي مصباح عبد العليم كان حارس مرمي المدرسة وكان قويا . ويكبرني بسنوات . قام بأخذ المكوة بعد ان ملاتها بالجمر .  واستفذني وققرت ان اجعله يدفع . ولكن في اللحظة الاخيرة قلبت الفرار وذهب الي المستشفي  . وتدخل البوليس . وصرحت باني سأترك المدرسة لانني لم ابدأ المشكلة وتدخل الوالد اسماعيل . وقال لي ان الرجال يتقاتلون ولكن يتصالحون . وصرت ومصباح اصدقاء والي الآن كلما اتذكره اغالب دمعي .
الحادث الثانية هي الاخ فاروق طة .انضم الينا  في محاولة ثانية للجلوس لامتحان الشهادة واهله تجار في جوبا . وسكن معنا في عنبر السنة الرابعة . وكان يبدوا كود المصارين البيض . ودفعني وانا احمل الفرش تأهبا لرش الجمكسين  في العنبر وسقطت ارضا واستفذني . وقمت بتطبيق كل انواع القتال في العباسية . وانا كنت اقول انها معركة لم ابداها انا . واصر الاستاذ عبد اللة استاذ الدين بان اجلد لوحدي وانني احتاج للتأديب فتركت . المدرسة وكان قد بقي علي امتحان الشهادة شهران .
قضيت كل اليوم عند النهر ولكن في الرابعة احسست بالعطش ، فذهبت الي  الحنفية خارج السجن . وانا اشرب احسست بعجلة تقف بالقرب مني وبعد ان ارتويت . قال لي الوالد اسماعيل بطريقة عفوية وين عمتك وطاقيتك  . فاجبت ان الطاقية في الجيب والعمة في وسطي تحت الجلابية . ورايت شبح ابتسامة  . وطلب مني ان اذهب الي المنزل . واتجه هو الي المدرسة . وفي المساء حضر  ولم يتطرق الي الامر . وفي الصباح طلب مني الذهاب الي المدرسة . ولم اجلد . والشكر هنا لظابط المدرسة المربي الكبير عبد الفضيل حسن علي من ود سلفاب . وكوصيته تصالحت مع فاروق وصرنا ثالوثا مع الاخ عبد الله خيري مدير بنك البركة الحالي وهو من اولاد ملوط اعالي النيل ونوبي آخر . وانا هنا عندما اذكر كلمة نوبي ليس تعصبا للنوبيين ولكن اعجابا بهم . وانا افتخر بكل السودانيين جنوبا شمالا شرقا وغربا .
اختي نضيفة  طلبت مني في السودان ان انام في الغرف الداخلية  ، لانني اقف عندما اكون جالسا واجلس عندما اكون مستلقيا عند دخول الوالد اسماعيل ، كالعادة القديمة . وكان هذه يزعجه . واذكرها تقول لي ,و الكلام ده اسي خلوه ,, ولكن لم اكن اقدر ان استلقي وهو في نفس المكان . لقد كان رجلا نبيلا .
لقد غادرنا الوالد اسماعيل مع بداية السنة .وحاولت بكل الطرق ان اكتب اي شيء ولم استطع . كانت المشاعر تعصف بي ، والالم الشديد يعصرني  . ويملاني الحساس بالقهر وبدل الكثيرين كنت انا المفروض ان اقف في امدرمان واتقبل التعازي  .
الوالد  اسماعيل كان مثالا للسودان القديم . تغيرت الظروف في جنوب السودان اضاعت الحرب في منتصف الستينات الاستقرار وكان عبود قد صعد الحرب وكانت الديمقراطية الثانية افظع واقسي من العسكر . وتلك كانت فترة المذابح واغتيالات قادة الجنوب . فقد الوالد اسماعيل كل شي وعمل بقية حياته بالمرتب لم يشتكي ابدا . ولم يقل كان عندنا وكنا وعملنا …. الخ كان متمسكا بدينه وايمانه .لم يخطي في حق الآخرين له الرحمة .
ع . س . شوقي

shawgibadri@hotmail.com
//////////


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!