بقلم الريح عبد القادر
نشر أحد الأساتذة الجامعيين الأفاضل مقالاً تناقلته وسائل التواصل الاجتماعي يتحدث فيه عن عدم وجود كفاءات سودانية في الإدارات العليا لشركات التكنولوجيا العالمية. وعزا ذلك إلى أسباب من بينها “التواضع الزائد” لدى السودانيين الذي يجعلهم – في رأيه – يزهدون في المناصب ولا يعمدون إلى إظهار كفاءاتهم ومهاراتهم.
هذا السبب المذكور وهم كبير وخطير. وفيما يلي أدلة واضحة على هذا التوهم:
1/ من باب المفارقة نذكر أن مجرد الحديث عن عدم وجود أفراد سودانيين في المناصب القيادية في الشركات العالمية، في وقت يعاني فيه ملايين السودانيين من ويلات الحرب والنزوح واللجوء والتشرد والمسغبة، هو أول دليل على الافتقار على التواضع. فالسودانيون يتقاتلون من أجل المناصب داخل بلدهم فكيف يزهدون في المناصب في الخارج؟ ثم لماذا نريد أصلاً وجود أفراد سودانيين في المناصب القيادية في كبرى شركات التكنلوجيا؟ هل لأنّ ذلك سوف يحل مشاكلنا ويوقف الحرب التي شردتنا؟ أليس الهدف من ذلك هو “العلو في الأرض”، وطلب السمعة حين يقال إنّ فلاناً من السودانيين يتبوأ منصب المدير التنفيذي لشركة كذا العالمية فيرقص الرجال رقصة “العرضة” وتزغرد السودانيات؟ أليس شغل هذه المناصب، إنْ حدث، مجرد إنجاز شخصي لحفنة أفراد لا يمكن أن يمثلوا إلا أنفسهم؟
2/مجرد الاعتقاد بأننا متواضعون دليل كافٍ على أننا نفتقر إلى التواضع، إذ يقول أهل العلم: من قالَ تواضعتُ فقد تكبّر. كيف ينسب الشخص إلى نفسه أفضل صفة في الوجود ثم يرى نفسه متواضعاً؟
3/كيف نكون متواضعين ومعظمنا، حتى المتعلمين، لا يعرفون معنى التواضع ويعتقدون أنه الطيبة، والمسكنة، والضعف؟ التواضع قيمة أخلاقية ودينية لها تعريف واضح: عدم بطر الحق، أي عدم رفضه، وعدم غمط الناس، أي عدم احتقارهم. وهل للحرب الدائرة الآن في بلادنا سببٌ غير أن هناك جماعات وأفراد يرون أنّ الآخرين أوباش/ملاقيط/كيزان/فلول/أم كعوك…الخ ويحاربون من أجل إقصائهم أو القضاء عليهم؟
4/ عندما نتحدث عن “تواضع زائد” فهذا دليل على أننا نجهل أن ذرة واحدة من عدم التواضع تدخل صاحبها النار: “لن يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر”. لا يمكن أن يكون التواضع “زائداً”، ولا يصلح أن يكون ناقصاً، فهو الصفة الوحيدة التي ينبغي الاتصاف بها بنسبة مائة في المائة، بعكس مكارم الأخلاق الأخرى، فالكرم، مثلاً، بنسبة مائة في المئة يعني الإسراف، والشجاعة بنسبة مائة في المائة تعني التهور…الخ، إلا التواضع فنقصه بذرة واحدة يعني دخول النار.
5/التواضع الحقيقي هو أعظم قوة رافعة حباها الله لعباده، وهو لا يمنع الشخص من إبراز قدراته ومواهبه ومهاراته ليشغل الوظائف التي تنفعه وتنفع الآخرين. ويكفي دليلاً على ذلك قول سيدنا يوسف عليه السلام للعزيز “اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم”.
6/ معروف عن السودانيين حب المديح والإطراء، وهذا الأمر يتعارض تعارضاً تاماً مع التواضع. وقد عرف جيراننا من العرب نقطة الضعف هذه فينا فأصبحوا ينشرون مقالات المديح فينا لكي يحصلوا على المتابعين والمعجبين.
7/ لكل شيء مصداق وحقيقة، فلو كنا متواضعين لرفعنا المولى عز وجل في الدنيا قبل الآخرة، فهذا وعد الله: من تواضع لله رفعه. كيف نكون متواضعين ونحن في ذلة؟ وكيف نكون متواضعين ونحن في حرب سببها أن كل واحد منا يقول “أنا خير منه”؟
ورحم الله امرءاً عرف قدرَ نفسه، ورحم الله أمةً عرفت قدرَ نفسها.
فنحن، رغم طيبتنا الظاهرية، تمتلئ نفوسنا بـ”الشهوات الخفية”، مثل حب التميز، والظهور، والسمعة، والرئاسة، والمناصب والألقاب والنياشين، ولدينا مبدأ إبليسي يقول: “السمعة ولا طولة العمر”!
نحن نعلم أنّ لدى السودانيين الكثير من الفضائل النادرة. ولكنهم بحاجة إلى معرفة التواضع بمعناه الحقيقي لكي تأخذ تلك الفضائل معناها وتحقق جدواها.
وأخيراً، نقول لعلّ الأستاذ صاحب المقال يقصد بالتواضع شيئاً آخر، مثل انطفاء الطموح، والخجل، والمسكنة، وغير ذلك من الصفات التي تقعد بالأفراد والأمم. وإذا كان الأمر كذلك، فيجب أن ننبه من جديد إلى ضرورة ضبط المصطلحات عموماً وتثبيت معنى التواضع على أنه “عدم بطر الحق وعدم غمط الناس” حتى لا نستخدم هذه الصفة في مواقف الضعف فتضيع أفضل صفة في الوجود.
اللهم علمنا معنى التواضع، وارفعنا بالتواضع. آمين!
elrayahabdelgadir@gmail.com
