الحج ايام زمان والآن ، كيف كان والحال التي عليه حاليا ، صفحات من كراسة معلم مرحلة وسطي ناشيء في السبعينات ادي الفريضة والوزارة كانت له أسرة والمسؤولون كانوا له آباء وفروا له مايلزم لأداء هذا المنسك الهام ولم يكلفوه بشيء غير أن لاينساهم من صالح الدعوات !!..
ياسلام عندما كان السودان به تسع مديريات فقط ، كل مديرية يقودها مسؤول علي اعلي المستويات ، صقلته التجارب ونال من العلم الغزير بالداخل والخارج وعمل في مرافق مختلفة وخرج من كل منها وهو اقوي عودا مسلحا بمواهب خدمة المواطن والسهر علي راحته دون من أو اذي أو أي دعاية واعلان وكاميرات من وراءه ومن خلفه ومقالات تدبج في عبقرياته … يالهم من رجال هؤلاء كانوا علماء وخبراء كانوا مناسبين تماما للمنصب الذي شغلوه وتشرف بهم المنصب مهما كان ولم ينسوا ابدا أنهم مكلفون ومنتدبون لخدمة الوطن وعليهم فوق كل ذلك أن يكونوا من التواضع بمكان والوقت عندهم للعمل ولا مجال فيه للمجاملات خاصة الأهل والأصدقاء الذين يجدون القرب من المسؤول مثلهم مثل غيرهم من أفراد الشعب وينالون حقهم كاملا إن كان لهم فيه استحقاق قفلا لاي باب تأتي منه الرياح وقد كان شعار الخدمة المدنية وقتها وشعار فرسانها :
( الباب البجيب الريح سدوا واستريح ) !!..
واليوم للاسف بوابات الريح أصبحت أوسع من بوابات سد النهضة !!..
خرج ذاك المعلم من مدرسته الوسطي وهو مازال اسمه مكتوب بقلم الرصاص ولم ينال بعد أي من التدريبات حتي الأساسية منها اللازمة للمعلم المستجد حتي يشق طريقه في ثقة وامان وينتقل من ترقية الي ترقية ليصل الي أعلي المراتب في سلك التدريس وربما يصل الي مرتبة الوكيل أو تتلقفه المنظمات الإقليمية والدولية في هذا المجال ، مجال العلم والثقافة والعلوم فيخدم وطنه بكل تجرد وإخلاص ويضعها في المكان اللائق بها وهو جد سعيد بكل ما يقدم من إنجاز !!..
خرج من المدرسة وهي تقع في بلدة في أقصي أطراف المديرية قاصدا عاصمة المديرية حيث مكتب التعليم ووقتها كان مكتب التعليم يدير الشأن التربوي في كافة أنحاء المديرية ويتراسه الباشمفتش يساعده اركان حربه من كافة التخصصات والمهام والوظائف التي تجعل من تقديم خدمة التعليم سهلة وميسرة للمواطن تقدم له بكل أريحية وكرم ومسؤولية تفوق كل الوصف وأمانة وقمة في الأخلاق مع الاتقان والتجويد في زمن كان التعليم في المستوي العام مجانا ( لا تعريفة ولا مليم ) ولم تكن هنالك رسوم امتحانات أو إتاوات من اي نوع !!..
ولا نريد أن نتحدث عن رعاية الدولة للطالب بتوفير السكن اللائق له وتقديم الطعام والعلاج وكل وسائل الراحة له من فصول مريحة غير مكتظة وملاعب ومرافق لكافة ضروب الرياضة … وقد كانت الوزارة خدمية مثلها مثل اختها وزارة الصحة ولم يكن همها الجباية ولم تكن تعرف ما يسمي بإيصال ١٥ ولم تسمع به حتي اطل هذا الايصال بوجهه الكالح علي الوزارة فصار الطالب يدفع ويدفع حتي كاد أن يتحول إلي عربة ذات دفع رباعي لها من القوة والمتانة مما يمكنها من اجتياز صحراء العتمور والربع الخالي !!..
خرج من مدرسته وهو لا يفهم في البروتوكول وقد فات عليه أن يخطر الناظر بأنه سيغيب لبعض الوقت ربما أيام قليلة في مهمة بمركز المديرية وكان من المفروض أن يحاط الناظر بفحوي هذه المهمة أن كانت تستحق الاذن بالتغيب ام لا … هكذا كانت اللوائح والقواعد المنظمة للعمل!!..
خرج صاحبنا الي محطة القطار ولم يكن معه أي مسوق قانوني لتصرفه هذا الذي تخطي فيه ناظره ووصل الي عاصمة المديرية دون أن يحس باي ذنب جناه وقد تعدي علي قوانين الخدمة المدنية التي تخضع لها أعناق الرجال وحتي قائد الاسطول شخصيا لم يكن يملك الجرأة علي الخروج عن هذه القواعد المرعية لضبط قانون العمل عند الصغير والكبير !!..
كانت المديرية وحدة إدارية متماسكة لم تقطع اربا الي شرق وغرب وشمال وجنوب ووسط مثلما يحصل هذه الايام مع الولايات وكانت كل مديرية في حجم دولة تسير مثل بندول الساعة في ضبط محكم تحاكي اوركسترا تعزف السيموفينية التاسعة لبتهوفن !!..
في اليوم التالي لوصوله قصد السوق الكبير واشتري لوازم الإحرام وحقيبة وتذكرة سفر علي الخطوط الجوية السودانية ( سفريات الشمس المشرقة ) عندما كان ناقلنا الوطني يصل الي روما ولندن ونيويورك وقد نال ثقة المسافرين من كافة أنحاء العالم بسبب تفوق سودانير في تقديم خدمة ممتازة كانت مضرب الأمثال !!..
قلنا إنه اشتري تذكرة بورتسودان ـ جدة ـ بورتسودان بمبلغ ٤٢ جنيها سودانيا لاغير وقد كانت عملتنا سيدة العملات تعادل الدولار ٣ مرات والاسترليني يأتي بعدها في المرتبة ويكن لها كافة الاحترام والتوقير والاحتشام !!..
حمل مشترياته ويمم صوب مكتب التعليم ودخل من البوابة الكبيرة علي طول لمكتب الباشمفتش دون أي إذن ولم يكن يدري أن مهمته مهما كانت لابد أن تمر بالاداريين وكل له اختصاص في التعامل مع المراجعين أما الباشمفتش فلا تدخل مكتبه الا الأمور عالية الأهمية خاصة وهو دائما في اجتماعات ومسغوليات لضمان أن الوضع التعليمي في حدود اختصاصاته يسير على مايرام !!..
وقف أمام المائدة الفارهة المكتظة بالملفات والأوراق والاقلام والاختام وكل لوازم العمل …
وراء المائدة تلك جلس رجل عليه ملامح الهيبة والهدوء والسكينة ويبدو أنه كان يراجع شيئا هاما أمامه ولم يلتفت لدخول الشخص الغريب هكذا دون أي طرق علي الباب أو أي إشارة تدل علي مقدمه الكريم !!..
انتبه المسؤول الكبير عندما حصل ارتطام التذكرة والكرت الصحي وإيصال التحويل بسطح المائدة أمامه وكان المعلم الناشئ عديم الخبرة وربما عديم الذوق قد القي بهذه الاوراق عملا يمكن أن يرقي لمستوى الجلافة وعدم التحضر … هنا فقط انتبه المسؤول للشخص الذي أمامه الذي اقتحم خلوته وسبب له بعض الازعاج :
نعم يا ابني أي خدمة ؟! هكذا تكلم المسؤول بلهجة الاب الحنون وليس بلهجة الموظف الكبير الذي كان بإمكانه أن يتصرف بغلظة مع هذه المقتحم لحرمة المكتب أو علي الاقل كان يمكن طرده الي الخارج مع تعنيفه باشد العبارات التي تناسب الموقف الخالي من الاوتبكيت والذوق السليم !!..
رد الشاب باندفاع وهو يلهث ويكاد الانفعال أن يمنعه من التعبير :
اعرفكم باني ومن خلال ناظر مدرستي التي تبعد من هنا مئات الأميال كنت قد قدمت لحج هذا العام ومعي زميل لي قديم في المهنة ومتزوج وله اطفال وذهبت طلباتنا علي حسب اللوائح والقوانين والنظام المتبع الي رئاسة الوزارة ليبت فيها …
وجاء خطاب الوزارة بالموافقة علي طلب زميلي الأستاذ المخضرم المتزوج ولم يستجاب اطلبي وخز ذلك في نفسي كثيرا وتالمت غاية الالم ولم بغمض لي جفن فقررت أن اتصرف بمفردي ورسمت خطتي وتركت محطة عملي دون أي إذن من ناظر المدرسة ويعتبر هو الرئيس المباشر لي تجب طاعته مهما كلف الأمر !!..
هنا نهض هذا الإنسان الوقور الطيب وقال للشاب المتمرد أمامه :
ياابني هذا الذي سأقوم به من اجلك لم أفعله من قبل … ياابني سامنحك إجازة محلية … هلم معي الي مكتب المساعد الإداري حيث تم طبع إجازة لي لمدة شهرين اقضيها في المملكة العربية السعودية مدفوعة الأجر وفي مكتب الحسابات تسلمت ،٨٠ جنيها مرتب الشهرين مقدما وكان الباشمفتش معي في كل هذا التطواف لم يتركني لحظة … وبعد اكتمال تلك الإجراءات لم يزد الباشمفتش عن قوله :
تصحبك السلامة ياابني وماتنسونا من صالح الدعوات !!..
مازلت بعد كل هذه السنوات افكر في هؤلاء النفر من الذين كانوا في قمة هرم السلك التعليمي هل كانوا بشرا ام ملائكة … كانوا بستحملون صغار الموظفين من الشباب ويرشدونهم الي التصرفات المسؤولة بالقدوة الحسنة والنفس الهادئ والروح المطمئنة دون غطرسة وتعالي وروح انتقام من اي نوع …
المهم والحمد لله تمت حجة الفريضة في سهولة ويسر وساعدت الوزارة بمرتب شهرين وكان جنيهنا يعادل عشرة ريال وقد حولت مبلغ ١٥٠ جنيها عن طريق البنك استلمتها ١٥٠٠ ريال في الأراضي المقدسة كانت كافية لدفع رسوم المطوف كاملة وكافة الإجراءات اللازمة هنالك وعدنا لديارنا سالمين غانمين نحمل الهدايا من أرض الحرمين الشريفين للاهل والأصدقاء في ربوع الوطن الحبيب .
للمعلومبة كلفت رحلة الحج هذه بكل منصرفاتها صغيرها وكبيرها مع الحرص علي تسجيل أدق التفاصيل فيما يخص الصرف ولو كان في شيء ضئيل …
كل الرحلة كلفت ٢٢٥ جنبها سودانيا بما فيها مبلغ التحويل وثمن تذكرة الطيران واتعاب المطوف كاملة والهدايا وغيرها من أدق المنصرفات ولو كانت شراء قارورة ماء صحة أو كوب عصير او ساندوتش فول وطعمية وكوب شاي …
ابن نحن من الحج الذي صار فاخراً يكلف المليارات وتحشد له اللجان لتنظيمه وكل عام يبان للعيان أن الحاج دفع المليارات ولم يجد المقابل والحمد لله علي نعمة الحج وأداء الفريضة وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين .
Hamad Nile Fadul Muli Abdulrahman Karshi.
معلم مخضرم .
ghamedalneil@gmail.com
