الرشيد جعفر علي
18 فبراير 2024
هذه هي الحرب: إن لم تقتلك رصاصة، قتلتك وجعًا. تستنزفك ببطء حتى تشعر أنك تحمل الجبال فوق رأسك، وتتركك أعزل أمام تبعاتها، معزولًا عن أي معنى للراحة أو الطمأنينة. في الحروب، يصبح الجميع ضحايا، وتتحول المجتمعات إلى صور مكثفة للشقاء والعناء.
الحرب محنة الأمم وقبرها المفتوح. بها تُهدم الدول لا بالضرورة دفعة واحدة، بل بالتآكل، وبالخراب المنظم الذي يصيب جوهر الدولة ومعنى وجودها. ومن لم يذق الحرب، لم يعرف بعد المعنى الحقيقي للمعاناة.
منذ الاستقلال، وربما منذ تشكل الدولة السودانية الحديثة، لم تعرف بلادنا فاجعة أعنف ولا أكثر تدميرًا من هذه الحرب الجارية. حرب أعادت السودان عشرات السنين إلى الوراء، عبر تدمير منهجي استهدف الإنسان قبل الحجر، والمجتمع قبل المؤسسات.
خسر المواطنون كل شيء تقريبًا: منازلهم، مدخراتهم، أعمالهم، وأمانهم. تحولت البيوت إلى أطلال خاوية، بعد أن جُرّد أهلها مما جمعوه عبر سنوات طويلة من الكد والعرق، تحت اتهام جاهز وسريع: الانتماء للمنظومة الكيزانية، وهي التهمة التي كانت كافية لمصادرة كل ما تملك.
ما أقسى أن تجد نفسك، بين ليلة وضحاها، مطرودًا من بيتك تحت تهديد السلاح، بلا مأوى ولا وجهة. ترى سيارتك ومدخراتك تضيع أمام عينيك ولا تملك القدرة على إنقاذها بسبب المعارك الدائرة. ثم تفقد حتى ملابسك، فلا يبقى لك سوى ما ترتديه.
تُضرب وتُهان باسم “الكوزنة”، رغم أن قوات الدعم السريع نفسها نشأت في كنف النظام الذي تدّعي محاربته. وبتصرفاتها، تحولت الأحياء السكنية إلى ساحات مفتوحة للنهب والسرقة، في فوضى نادرة حتى في حروب العصر الحديث. المؤلم أن كثيرًا من هذه الانتهاكات لم تُرتكب على أيدي غرباء، بل بأيدٍ سودانية، من أبناء هذا الوطن.
الدموع المحبوسة في عيون الرجال والنساء والأطفال، والانكسارات التي سكنت ملامحهم، تعجز اللغة عن احتوائها. هناك تفاصيل وأوجاع ومواقف لم تُكتب بعد، ورجال حقيقيون كشفتهم المحنة، وتجارب قاسية لا يمكن اختزالها في عناوين عابرة.
قضينا ما يقارب سبعة أشهر تحت نيران القصف وصوت الرصاص، الذي كان يكذّب كل حديث عن قرب نهاية الحرب.
في الأشهر الأربعة الأولى، كنت مقيمًا بحي جبرة، بالقرب من تقاطع البيبسي، مقابل المبنى الذي أصبح لاحقًا معسكرًا لقوات الدعم السريع، والمواجه لمدرسة الأطفال. قبل الحرب، كان المبنى مقرًا لوكالة النشاط الطلابي التابعة للحركة الإسلامية. وكنت، وأنا أوصل أطفالي إلى المدرسة، أتأمل بمرارة السيارات الفارهة التي يستخدمها موظفو النشاط الحزبي، في بلد تعاني مدارسه من نقص المقاعد والطباشير والمعلمين.
بعد سقوط النظام السابق، استولت قوات الدعم السريع على المبنى، وحوّلته إلى منطقة عسكرية مكتملة: أسلحة، ذخائر، وعربات مدرعة، على مرمى حجر من مدرسة أطفال. كان ذلك مشهدًا ينذر بكارثة وشيكة.
مع اندلاع الحرب منتصف أبريل، أُغلق التقاطع من اليوم الأول، ووجدنا أنفسنا تحت رحمة القوة المسيطرة. في البداية، بدت تعاملاتهم أقل عنفًا، باستثناء إشهار السلاح ومنع المرور بدعوى الاشتباه.
بعد أسبوع، وقبيل الإفطار في رمضان، هاجمت قوة من سلاح المدرعات الموقع. كان منزلنا واقعًا بين القوتين. استمر تبادل إطلاق النار قرابة أربعين دقيقة. لجأنا إلى ممر ضيق داخل المنزل، مرتمين على الأرض. لأول مرة، رأيت الرعب الصافي في عيون أطفالي، خصوصًا ابني الصغير ساجد.
انتهى القصف، لكننا لم نستطع الإفطار إلا بعد نحو ساعة من الأذان، وسط صمت ثقيل وخوف لم يغادر الوجوه.
عقب انسحاب قوات الدعم السريع، خلا الموقع من أي وجود عسكري للجيش. فاندفع المواطنون إلى المكان، وأُخذت الأسلحة والذخائر والسيارات وكل ما يمكن حمله. لم تسلم حتى الأبواب والنوافذ وأغطية المناهِل، بل جرى تفكيك العربات المدرعة ونهب أجزائها. ولم يعد الجيش إلى الموقع إلا بعد ثلاثة أيام.
تحولت المنطقة إلى سوق مفتوح للسلاح، في مشهد مبكر لانهيار هيبة الدولة وغياب أجهزتها الأمنية.
sudanelrasheed@gmail.com
