*أولاً: آخر نص كُتب على الإطلاق باللغة والخط المروي:
آخر نص مؤرخ يمكن قراءته بالخط المروي هو “نقش فرس REM 0124” من معبد كلابشة. كُتب حوالي سنة 450-500م وهو نقش جنائزي قصير يخص شخصاً اسمه “فرس” ذُكر أنه ابن الملك خاراخن. أهمية هذا النقش أنه يمثل الشاهد الأخير على استخدام الكتابة المروية قبل أن تختفي تماماً مع تحول ممالك النوبة للمسيحية بعد 550م، حيث حلت اللغة القبطية واليونانية محل المروية في الكتابة. اللغة في نقش فرس تظهر عليها علامات التدهور والضعف مقارنة بالنصوص المروية الكلاسيكية.
*ثانياً: نقش الملك خارامادويه:
يقع هذا النقش على الجدار الجنوبي لمعبد ماندوليس في كلابشة ويعود لحوالي 410-420م.
يبدأ بلقب الملك Qore Kharamadoye qore Blhm أي “الملك خارامادويه ملك البلميين”.
النقش طويل نسبياً ومكتوب بلغة مروية كلاسيكية سليمة من الناحية النحوية والإملائية، ويظهر فيه الملك وهو يطلب من الإله ماندوليس والإلهة إيزيس أن ينصراه ويحميا عرشه.
من ناحية الخط والنحت، النقش دقيق وجميل فنياً ويدل على أن المملكة البلمية كانت في أوج قوتها السياسية والثقافية وقت كتابته.
المصادر البيزنطية مثل بردية ليدن تذكر اسم “خارامادويه” كملك للبلميين في تلك الفترة.
*ثالثاً: نقش الملك كراكن (خاراخن):
يقع هذا النقش على الجدار الشمالي لمعبد ماندوليس في كلابشة ويؤرخ بحوالي 450م.
يبدأ بـ Wle Kharakhen qore Blhm أي “الملك خاراخن ملك البلميين”.
النقش أقصر من نقش خارامادويه وصيغته دعائية وكأنه توقيع وليس نصا ملكيا، ويذكر فيه خاراخن أنه “ابن برا كدكي” أي ابن الكنداكة.
اللغة المروية هنا متأخرة وتظهر عليها أخطاء واضحة واختصارات، مثل كتابة “kore” بدلاً من “qore” الصحيحة. هذا التدهور اللغوي يدل على أن الكتبة لم يعودوا متمكنين من المروية كما كان أسلافهم.
تاريخياً، يأتي خاراخن في مرحلة متأخرة كانت فيها مملكة النوباتيين المسيحيين تتقدم جنوباً على حساب البلميين.
رابعاً: خلاف العلماء – لماذا يرجح أغلبهم أن نقش خاراخن هو الأخير؟
يرى جمهور العلماء اليوم مثل Hintze وRilly وTorok أن نقش خاراخن هو آخر نقش ملكي بلمي، وذلك لأربعة أدلة علمية قوية.
الدليل الأول أثري طبقي: نقش خاراخن محفور على طبقة ردم تغطي جزءاً من نقش خارامادويه، والقاعدة في علم الآثار أن النقش الأعلى هو الأحدث زمنياً.
الدليل الثاني لغوي:
تدهور اللغة والأخطاء الإملائية في نص خاراخن تدل على مرحلة احتضار الكتابة المروية، بينما نص خارامادويه سليم، ومن الطبيعي أن النصوص الرديئة تأتي في النهاية لا في البداية.
الدليل الثالث:
وجود نقش جنائزي “نقش فرس REM 0124” يذكر أن صاحبه ابن الملك خاراخن، وهذا يثبت أن خاراخن حكم، ثم مات، ثم كُتب نقش لابنه، فلا بد أن خاراخن أسبق من ابنه وأحدث من خارامادويه.
الدليل الرابع تاريخي:
رسالة الملك أبورني ملك البلميين المكتوبة بالقبطية سنة 450م تعاصره، وبعد هذا التاريخ تختفي الإشارات لمملكة البلميين كدولة.
*خامساً: الرأي المخالف – لماذا قال بعضهم أن خارامادويه هو الأخير؟
ذهبت الباحثة Inge Hofmann في السبعينيات إلى أن نقش خارامادويه هو الأخير.
حجتها الأساسية كانت “الجودة الفنية”، فالنقش أطول وأجمل وأدق، وافترضت أن الدول تنتج أفضل نقوشها في نهايتها كمحاولة أخيرة لإثبات الوجود. كما استندت إلى أن اسم خارامادويه مذكور في البرديات اليونانية بينما خاراخن غير مذكور خارج النقوش المروية.
هذا الرأي رُفض حديثاً بعد اكتشاف نقش “فرس ابن خاراخن” الذي حسم الترتيب الزمني. كما أثبت Claude Rilly أن جودة النقش ليست معياراً للتأريخ، فالدول المنهارة عادة تنتج نقوشاً رديئة بسبب هروب الكتبة المهرة وانهيار المؤسسات.
*الخلاصة:
آخر نص مروي مطلقاً هو نقش فرس حوالي 500م. وآخر نقش ملكي بلمي هو نقش خاراخن حوالي 450م بإجماع معظم الباحثين.
والتعليل العلمي يعتمد على الدليل الطبقي الأثري، ودليل تدهور اللغة، ودليل النقوش اللاحقة، ودليل التزامن مع الوثائق القبطية المؤرخة.
*المصادر:
- Eide, T. et al. Fontes Historiae Nubiorum Vol. III. Bergen, 1998. REM 0094, REM 0134.
- Rilly, Claude. La langue du royaume de Meroe. Paris, 2007. p. 12-15.
- Torok, Laszlo. The Kingdom of Kush. Brill, 1997. p. 481-483.
- Dijkstra, J.H.F. Philae and the End of Ancient Egyptian Religion. Peeters, 2008. p. 298.
amnaaira3@gmail.com
Amna Aira
