الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان-شمال: تقويم المسار من الاتجاه الضار (1 من 2) .. بقلم: الدكتور عمر مصطفى شركيان
في آذار (مارس) 2017م تقدَّم القائد عبد العزيز آدم الحلو باستقالة إلى مجلس التحرير الإقليمي في جبال النُّوبة – تناولت فيما تناولت – تغييب المؤسَّسيَّة، وغشاوة القرارات المصيريَّة، وفقدان المصداقيَّة، وعدم الرجوع إلى القاعدة والتفاوض باسمها، والقبول بسقف دنيا في هذا التفاوض. إذ أنَّ ما جاء في الاستقالة إيَّاها يعتبر من العناصر العضويَّة في أي تنظيم سياسي يهدف إلى بناء الهيكل التنظيمي والحراك السياسي والكفاح المسلَّح، وكذلك يسعى إلى تحديد أهداف التنظيم السياسيَّة ووسائل تحقيقها. وحين ظهرت الحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان في أيار (مايو) 1983م أخرجت للشَّعب السُّوداني المنيفستو وأذاعته في النَّاس، وذلك بعد شهرين فقط، أي في 31 تموز (يوليو)، حيث حدَّدت فيه الجذور التأريخيَّة للمسألة السُّودانيَّة، وجذور حركات التحرير في المناطق المتخلِّفة في السُّودان، وتكلَّمت عن الأنيايا، واتفاقيَّة أديس أبابا للسَّلام، والتفكيك والخرق السياسي لاتفاقيَّة أديس أبابا والأزمة السياسيَّة اللاحقة، والتفكيك والخرق العسكري لاتفاقيَّة أديس أبابا والأزمة العسكريَّة التي تلت، وتأسيس وأهداف الحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان، وإستراتيجيَّة تحويل وتوجيه الحركة الجنوبيَّة، ثمَّ أشارت الحركة في المنيفستو إيَّاه إلى الأعداء والأصدقاء الحقيقيين والمحتملين للحركة الشعبيَّة والجيش الشَّعبي لتحرير السُّودان. وبعدئذٍ ختمت الحركة المنيفستو بالخلاصة وتطلُّعات المستقبل. وقد أقدم كل من القائد عبد العزيز آدم الحلو والدكتور أحمد عبد الرحمن سعيد في تشرين الثاني (نوفمبر) 2002م على ترجمة المنيفستو من الإنكليزيَّة إلى العربيَّة، واستهلا الترجمة العربيَّة بتقديم حتى تعم الفائدة، وبخاصة للذين لا يقرأون اللغة الإنكليزيَّة.
يا تُرى ماذا جرى بعد هذا الانفجار العظيم أو الطامة الكبرى؟ فبدلاً من بذل قصارى الجهد للالتقاء بالقائد الحلو ومعالجة القضايا مثار الاختلاف سافر القائدان عقار وعرمان إلى جبال النُّوبة، وذلك في استغياب لنائب الرئيس آنذاك – القائد الحلو – وعقدا اجتماعات وأصدرا بيانات وقرارات بما فيها تشكيل إدارات مدنيَّة جديدة في حين أنَّ هناك إدارات ومنظمَّات طوعيَّة موجودة أصلاً وتعمل على قُدم وساق، وبصورة مرضيَّة. كان هذا المنحى بمثابة تعقيد الأمور بدلاً من حلها، وبخاصة الأسلوب الموارب الذي استخدم في التعاطي مع الأزمة، والذي يعفُّ لساننا عن ذكره أو ترديده. ثمَّ كان هذا التجاهل التام لنائب رئيس الحركة هو الاستفزاز بعينه، ولا ريب في أنَّه لم يكن يرضي نائب الرئيس فحسب، بل لم يرضاه النُّوبة في جبال النُّوبة، وفي ربوع السُّودان، وفي أصقاع العالم الخارجي وأقاصي الدنيا. وإذا كان النُّوبة – في الماضي والحاضر والمستقبل – لم يكن ليرضون حتى بشيوخهم الذين أتوا بهم أن يفرضوا عليهم الوصايا من علٍ؛ ولم يستكينوا لجبروت وحملات التركيَّة-المصريَّة الاسترقاقيَّة (1821-186م)، ولم ينصاعوا للمهديَّة (1882-1898م)؛ ولم ينكسروا أمام الحكم الثنائي البريطاني-المصري (1898-1956م)، إلا بعد أن استأسد عليهم جنوداً من حامية شندي وبقايا الحملة التي قضت على ثورة السلطان علي دينار في دارفور، واستعانوا بالآلة الحربيَّة والطائرات؛ ثمَّ لم يقبلوا باستمرار ولاية إسماعيل خميس جلاب (2005-2007م)، ولا نيابة دانيال كودي أنجلو (2007-2009م)، فكيف ظنَّ القائدان عقار وعرمان أنَّهما بمقدورهما أن يفرضا على النُّوبة ما لا يرضونه. وشعب النُّوبة منذ أمدٍ بعيد امتلك حريَّة القرار وناصية القول، وإنَّا – والحمد لله – لفخورون بذلك، عسى أن يزدهم الله في ذلك قوة وتماسكاً.
No comments.
