تيارات الفكر و أثرها في مشروع النهضة في السودان ” 5 – 6″ : السودان الأمة التي لم تتخلق بعد .. بقلم: زين العابدين صالح عبد الرحمن
و في البحث عن أرضية مشتركة، لكي تؤسس لقاعدة تاريخية جامعة لمجموعات التنوع في السودان، كانت رؤية الأكاديمين السودانيين تختلف عن أطروحات السياسيين، فمثلا في كتاب ” دراسات في الوحدة الوطنية في السودان الصادر من جامعة الخرطوم كتب يوسف فضل مبحثا بعنوان “مفهوم الأمة السودانية منظور تاريخي” يقول ( كانت إنجازات كوش و فرعيها نبتا و مروي دليلا علي مقدرة السودانيين في خلق نظم سياسية متطورة ” بين سنة 750 ق م و 350م” لا تقل في رقيها عن مثيلاتها في مصر و الشرق الأدنى. و منذ ذلك التاريخ المبكر و الذي بدأ بقيام حضارة كرمة وضعت اللبنات الأولي في تاريخ الأمة السودانية. و كان العهد النبتي و المروي هو نواة الوحدة القومية السودانية التي اخذت تتسع في اتجاه جنوبي جامعة للأطراف، جاذبة لها حتى عمت سائر البلاد. و لعل في انتقال العواصم من البركل إلي البجراوية، ثم قيام فرص و دنقلا و سوبا و بعدها قري و سنار ثم تقلي و الفاشر كمحاور لهذا التطور ما يدل علي مراحل نمو هذه الأمة. فقيام كوش دخلت الأمة السودانية التاريخ من أوسع أبوابه) و الفرق واضح بين اللغة الأكاديمية و الأيدلوجية. فالدكتور يوسف فضل يوضح مراحل التطور التاريخي في السودان باعتبار هذا التطور، هو الذي يؤسس لأرضية تاريخية مشتركة، دون أن يشكل إدانة أو إتهام لأية مجموعة، و في ذات الوقت يفتح مسارات للحوار بين تيارات الفكر المختلفة في البلاد، حينما يقول الدكتور فضل في ذات المبحث ( فالسودان شعب هجين لم تكتمل له عناصر الوحدة الوطنية و التجانس العرقي في كل أجزائه بعد كما يتسم بتعدد الثقافات و السودان بصورته الراهنة محصلة عوامل حضارية كثيرة. فجل أبنائه مسلمين دينا، و عربا ثقافة و اسلوب حياة، و هجنا أفارقة تكوينا و وجودا) و هذا الحديث يقودنا إلي ثورة 1924م التي فجرت أسئلة الهوية، رغم إن علي عبد اللطيف و رفاقه لم يكن لديهم الإحساس بالتمايز أو الدونية، لذلك كانت ثورتهم داعية لوحدة وادي النيل، لكن الهوية تمت إثارتها من قبل الآخرين الذين نعتوا هؤلاء بأنهم من قاع المجتمع، و ليس لهم قبائل معروفة تسند ظهرهم. كتب أحمد خير المحامي ص 20 في كتابه “كفاح جيل” يقول ” أجتمع نفر في أمدرمان و حرروا مذكرة إلي الحاكم العام يستنكرون فيها حركة 1924، و يؤكدون أنها لا تحظي بتأييد القيادة الرشيدة، و الرجال المسئولين في البلاد، و لا سند لها إلا بين الرعاع و الغوغاء) لذلك سمتهم كوريتا “المنبتين” و لكن إذا رجعنا إلي التاريخ القديم للسودان الذي كان يدعو إليه الدكتور قرنق تصبح هذه القيادة الرشيدة التي حررت المذكرة هم أيضا منبتين، باعتبار أنهم جاءوا من مواطنهم الأصلية و تزاوجوا مع أهل المنطقة ” النوبيين” و غيرهم من أهل الزرقة و أصبحوا يحملون صفات أو ” عنصر غير نقي” إذا ما هو الفرق بين هؤلاء و أولئك، غير الثروات التي كتنزوها إذا كان مصدرها الاستعمار أو غيره. و الغريب إن أبناء هذه القيادات الرشيدة في الصراع السياسي سكتوا عن رفع رايات التهميش، بل تدثروا بها و تحالفوا مع بنادقها، دون أن يستنكروا ما حدث تاريخيا من خطاب سياسي يحمل كبرياء مجروحا، و الاستنكار و النقد ليس قيمة سالبة إنما تعني المراجعة، و معرفة العوامل التي أثرت سلبا و أعاقت مشروع النهضة السودانية، فالفشل ليس وليد لحظة، أنما جاء عبر تراكمات، أهملت النخب المثقفة السودانية إخضاعها للدراسة النقدية، كما إن المنتوج في الساحة السياسية من أفكار يكاد يكون معدوما، و في الساحة الثقافية أغلبه معطون بالأيدلوجية، منفر و ليس جاذبا للحوار بين التيارات المختلفة، إذا كيف تستطيع نخب سياسية مفلسة فكريا أن تصنع مشروعا نهضويا.
No comments.
