علم الجهل وهندسة التجهيل .. بقلم: د. الشفيع خضر سعيد
ومؤخرا، تفشت عندنا في السودان ظواهر غريبة وعجيبة، من نوع مخاطبة الحكام للشعب بلغة مستهجنة، تصل حد شتمه ومعايرته بأنه كان من زمرة «الشحادين» قبل أن يتولوا هم الحكم وينقذوه، وأن من حسنات حكمهم أن الشعب صار يأكل «البتزا»!!، وهو خطاب لا حقيقة فيه إلا السفه ورَدَاءةَ الخُلُقِ، ويعكس درجة الإبتزال التي وصل إليها الخطاب السياسي في البلد. وكذلك تفشت ظاهرة «الفشخرة» والتباهي بإكتناز الثروات، حتى ولو كانت مسروقة من المال العام، وظاهرة إحتقار القانون من قبل المسؤولين وخلصائهم…، إلى غير ذلك من الظواهر التي تعبر فعلا، وبالملموس، عن عشعشة الجهل والجهالة في البلد.
في بدايات القرن العشرين، برز ما يعرف بغسيل الدماغ، أي إدخال المعلومات إليه على نحو غير محسوس في الوعي الجماعي، من خلال أجهزة الثقافة والأعلام بقصد التضليل. ولأجل الاستئثار بالمعرفة، بإعتبارها تضاهي القوة العسكرية وقوة المال، تأسس، في الأوساط الأكاديمية والسياسية، مجال «إدارة الإدراك»، والذي تُعرّفه وزارة الدفاع الأمريكية بأنه نشر أو حذف أي معلومة بغرض التأثير على تفكير الجمهور والحصول على نتائج لصالح أصحاب المصالح. ولأن النشر والحذف يتطلّبان أساليب دقيقة ومعرفة تامة بعلم النفس والسلوك والإدراك، قام الباحث روبرت بروكتور من جامعة ستانفورد الأمريكية، في تسعينيات القرن الماضي بصياغة ما يُعرف بعلم الجهل (اجنوتولوجي Agnotology)، وهو العلم الذي يدرس صناعة ونشر الجهل بطرق علمية رصينة، ووفق إستراتيجيات تهدف في النهاية إلى التحكم في الشعوب!!
No comments.
