زفرات حرى


3-3
إذا كان باقان قد هدَّد بتحطيم الدولة السودانية حال عدم تحقُّق مطلوبات مشروع السودان الجديد المتمثلة فيما سمّاه بالعدالة والمساواة وفق رؤيتهم لإعادة هيكلة السودان بما يؤدي إلى تمكين الحركة من حكم السودان شمالاً وجنوباً فإن عرمان كما ذكرنا في مقال الأمس هدّد كذلك بمصير رواندا في حالة عدم تحقيق ذلك الحلم الذي طالما منّوا به أنفسهم في تلك الأيام الخوالي قبل مصرع قرنق، ولا يخفى على القراء الكرام أنه لا يأتي ذكر رواندا إلا مرتبطاً بمذابح التوتسي والهوتو التي حصدت ملايين الأرواح لذلك فإن كلا الرجلين يهددان ويتوعدان الشمال بحرب طاحنة إذا لم تتم الاستجابة لمطلب الجنسية المزدوجة وينسى الرجلان وقيادات الحركة الأخرى خاصة من أولاد قرنق أن تجربة الشراكة مع الحركة الشعبية خلال الفترة الانتقالية بما في ذلك الكيد والتآمر السياسي داخل السودان وخارجه وخاصة أحداث الإثنين الأسود التي أعقبت مصرع قرنق لم تُبقِ لأي شمالي وطني ذرة رغبة في الترحيب بالوجود الجنوبي حال الانفصال الذي اختاره الجنوبيون بمحض إرادتهم وبعد أن فرضت الحركة تقرير المصير على جميع القوى السياسية الشمالية.
بربكم كيف يتسنى لشمالي أن يرحب بالجنسية المزدوجة ويستبقي في داره وبين أطفاله قنبلة موقوتة لم تُخفِ الحركة في يوم من الأيام عزمها على تفجيرها في الجسد الشمالي حتى بعد أن قرر أهلُها بكامل قواهم العقلية من خلال استفتاء مشهود نزعها ونقلها خارج أرض الشمال في إطار قرار إنشاء دولتهم المستقلة، كيف والحركة الشعبية تشنُّ الحرب على الشمال وتؤلِّب أمريكا والعالم عليه بل تؤلِّب وتحرِّض وتصنع التمرد على سلطان الدولة في دارفور وفي غيرها منذ داود بولاد مروراً بحركة «تحرير» السودان بجناحيها مناوي وعبد الواحد محمد نور ثم حركة خليل إبراهيم بل وتتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية على الرئيس السوداني (الشمالي) رغم تقلدها منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية بل توليها ثلث حكومة الشمال؟!
إن (رواندا) عرمان و(تحطيم) باقان ما كانا يحتاجان إلى تعضيد لكن هل نطمئن إلى ما يمكن أن يفجأنا به أو يفجعنا المؤتمر الوطني الذي تحكي سيرتُه أنه مستعد لكل شيء؟
حدثوني بالله عليكم ما الداعي للاستفتاء أصلاً وما هو الفرق بين الوحدة والانفصال إذا كان الانفصال يتيح الجنسية المزدوجة؟! أليس الانفصال هو انفصال الشعب الذي يستفتى؟! ثم ماذا سيكون قد حدث أصلاً إذا كان الانفصال يعني أن تُتاح للشعبين المنفصلين البقاء في ذات الرقعة الجغرافية القديمة شمالاً وجنوباً؟!
إن ما دعا شعبي الجنوب والشمال إلى تقرير المصير ومن ثم الانفصال هو مسيرة الحرب المتطاولة والتشاكس المستمر والصراع الدامي والعداء المستحكِم بين الشعبين اللذين ظلا في عزلة اجتماعية بعضهما عن بعض منذ ما قبل الاستقلال وهل أدلّ على ذلك من تقرير أحداث توريت التي تفجّرت في أغسطس 5591م والذي أصدرته لجنة قضائية في ذلك الزمان برئاسة قاضٍ أجنبي اسمه توفيق قطران؟.. يقول التقرير: (إن عوامل التوحُّد بين الشماليين والجنوبيين قليلة جداً)، ثم يقول: (إن الجنوبيين لأسباب تاريخية يعتبرون الشماليين أعداءهم التقليديين)!!
بربكم هل تغيرت هذه النظرة بعد أكثر من خمسين عاماً أم ظلت كما هي مما تجسد في مثال صارخ لا أظن أنه جاء بالصدفة ذلك أن أحداث الإثنين الأسود التي اندلعت في الخرطوم جرت في أغسطس 5002م أي بعد نصف قرن لا يزيد ولا ينقص فما هو الفرق بين توريت والإثنين الأسود غير أن الأولى حدثت في أحراش الجنوب بينما حدثت الثانية في قلب الخرطوم الأمر الذي يكشف بجلاء أن الأيام والسنين لم تزد المشكلة إلا تأجُّجاً واشتعالاً وتمدُّداً وتشعُّباً؟!
بدون أدنى حياء تجد القوم يعقدون المقارنة بين حفنة شماليين يعيشون في الجنوب وملايين الجنوبيين الذين يعيشون في الشمال ويشكِّلون عبئاً اقتصادياً من خلال التعليم والعلاج والمساكن والوظائف التي تشتد حاجة (العطالة) من أبناء الشمال إليها كما يشكلون عبئاً اجتماعياً من خلال الاختلاف الهائل في العادات والتقاليد والسلوك وتجد أحد زعمائهم يستفزنا بالبترول الذي يقول إنه (جزية) نفرضها عليهم بالرغم من أنه كان سيكون مطموراً تحت الأرض لعشرات السنين لولا هِمّة من أخرجوه من سطوة استعمار الشركات الأمريكية، ويقول قائلهم (مارتن ماجوت ياك) السكرتير القومي للتنظيمات الجماهيرية والفئوية بالحركة الشعبية: (إن الانفصال قادم ولن نعطي الشمال جالون بنزين واحد) وعندما يقول د. كمال عبيد وزير الإعلام كلاماً مشابهاً حول الجنوبيين في الشمال حال الانفصال تقوم الدنيا ولا تقعد ففي مفهومهم الذي مُردوا عليه أن القلم مرفوع عن تصرفاتهم وأقوالهم أما الشمال فإن قدره أن يلوذ بالصمت البليد والصبر غير الجميل وهل أغراهم بنا وسلّطهم علينا إلا صمتُنا وصبرُنا المتطاول على اتهاماتهم وابتزازهم وهل جعلهم لا يشبعون ولا يرتوون إلا تدلُيلنا إياهم؟