(41)
اوضحنا بعض من أوجه ازمة سلطة الانتقال وأسباب فشلها؛ في الجزء الرابع من هذا المقال؛ ولعل الفشل الذي نلحظ مرده في الأساس؛ إلى بنية النخبة السودانية؛ المنقسمة الى: “نخبة شعبوية” ترى في الجماهير المؤشر الوحيد، لما يجب القيام به وما لا يجب القيام به؛ ونخبة "عاجية" ترى الأشياء من علو ابراجها المترفة، وما الجماهير بالنسبة لها إلا قوة ميكانيكية؛ تحتاجها فقط ساعة الانتخاب والخطاب، لذا لا تعير أمر الاتصال بها؛ أو التواجد بينها؛ أي اهتمام. هذا الانقسام فيما يبدو له علاقة وثيقة بفشل مراحل الانتقال؛ التي مرت على السودان عقب ثوراته الشعبية؛ فعلى الرغم من عظم تلك الثورات الثلاث؛ إلا أن سلطات انتقالها جميعها؛ -بما فيها السلطة الحالية -؛ قد اتسمت بالمناكفة السياسية؛ وكثرة الحديث دون إنجازاً يذكر. لتظل حالة (الترترة السياسية)؛ قائمة على حالها؛ وتظل السلطة والمجتمع يدوران حول نفسيهما؛ في فلكين مختلفين؛ ولا مخرج في اعتقادي؛ من فخ هذه (الترترة التاريخية)؛ إلا بثورة ثقافية تقضي على اعتقاد البعض بامتلاكه حصريا للحقيقة؛ وعدم اعترافه بان الأخر؛ شريك أصيل له في الوصول إلى هذه الحقيقة.
(42)
من المخزي أن لا تعي النخبة السودانية؛ بعد كل هذه التجارب؛ أن الثورة في أبسط معانيها؛ تعني إحداث تغييرات جذرية، عميقة في جميع البنى التي تقوم عليها الدولة، -سياسية؛ واجتماعية؛ واقتصادية؛ وثقافية-فالثورة هي تصور حالم وطموح؛ لما يجب أن تكون عليه حياة الشعب بعد التغيير. هذا المفهوم، يمنح عامة الشعب -على الأقل – أملا، في مستقبل أفضل وأكثر عدلا؛ ويعمق فهم المواطن السوداني البسيط؛ في الشروط التي يجب أن توفرها؛ في أي حزب سياسي؛ لكي يوصف بالثورية وتوصف قياداته بالوطنية المخلصة.
(43)
الثورة ليست عملا ظرفيا عشوائيا، بل هي عملية معقدة؛ تبدأ بشعور الجماهير بالمهانة، فتسعى للتعبير عن سخطها بالتمرد على الوضع القائم؛ الذي كان من قبل مقبولا أو على الأقل محتملا، فسلب الجماهير حقوقها يقودها للتمرد؛ ولا يمكننا الحديث عن الثورة؛ بمعزل عن الدوافع الاقتصادية، والازمات المعيشية؛ فأغلب الثورات تاريخيا تمحورت؛ حول مطالب اقتصادية ومعيشية؛ يتم التعبير عنها في نهاية المطاف؛ سياسيا بالعنف الثوري؛ بعد فشل الحوار والمساومة؛ بين الجماهير الساخطة؛ والسلطة القائمة؛ التي تدير مقاليد الأمور.
(44)
لقد رأينا كيف كانت الثورة الروسية العظمى؛ تعبيرا عن إرادة؛ طبقة البروليتاريا المفقرة؛ والصاعدة بقوة؛ في وجه نظام الاقطاع المتفسخ، وكيف كانت الثورة الفرنسية؛ حركة تنوير؛ تعبر عن إرادة البرجوازية؛ الناهضة؛ في وجه سلطة الكنيسة؛ وصكوك غفرانها؛ واستغلالها البشع للدين؛ من أجل سرقة وافقار الطبقات الاجتماعية الضعيفة؛ وبهذا الفهم والاستعراض التاريخي؛ نصل الى نتيجة مفادها أن الثورة؛ لا تعبر عن تناقضات سطحية؛ بل تناقضات عميقة؛ تعتمل في باطن المجتمعات البشرية؛ تتغذى على مشاعر السخط؛ والشعور بعدم الرضى؛ لدى فئات اجتماعية عديدة؛ على رأسها تلك الطبقات المسحوقة والمعدمة منها؛ ونصل أيضا إلى إن؛ جوهر الصراع من اجل التغيير؛ أسه واساسه طبقي.
(45)
تستغل النخبة عادة مشاعر السخط الجماهيري؛ على الوضع القائم؛ وتبدأ في التخطيط والتفكير في الثورة؛ مترقبة لحظة نضج شرطيها؛ الذاتي والموضوعي؛ لتدير دفتها وتدفع الجماهير للتمرد والثورة؛ ويتفاوت ما تصيبه الثورات من توفيق ونجاح؛ من ثورة لأخرى؛ فالثورات الأكثر حظا؛ تتوفر لها قيادات؛ من النخب المبدئية المخلصة؛ وهذه في الغالب تصيب نجاحا؛ يعبر بها مستنقع الفوضى والردة؛ لمرافئ التغيير الجذري؛ الذي يحقق أهدافها وشعاراتها؛ أما الثورات الأقل حظا؛ فتتصدر قيادتها نخب انتهازية؛ غير نزيهة؛ مما يقود لانتكاستها؛ وخلق واقعاً جديداً؛ قد لا يقل بؤسا؛ عن الواقع؛ الذي ثأرت عليه الجماهير.
(46)
لهذا ففشل الثورة من أخطر الأحداث؛ التي يمكن أن تمر بشعب ما؛ فقد يؤدي الفشل؛ لانهيار الدولة بأكملها، وإن بقيت كدولة؛ فأنها دون ريب؛ ستكون دولة ضعيفة؛ بسبب ضعف جبهتها الداخلية؛ الشيء الذي غالبا ما يقود لفقدانها السيادة؛ فضعفها يغري الدول الكبرى وجيرانها؛ للتفكير في التغول عليها والاستيلاء على أراضيها؛ وثرواتها الطبيعية؛ لهذا يقال أن أنصاف الثورات؛ تخلق واقعا أشد ارباكا وتعقيدا؛ من واقع نظم الاستبداد المنتفض عليها؛ ومن هذا المنطلق؛ ولكي لا تقع الثورة؛ في فخ الفشل؛ لابد أن تتوفر لقياداتها؛ رؤية وبرنامج متفق عليه؛ وأن تملك القيادات؛ مشروعا سياسيا رشيدا؛ فهل تنطبق هذه الشروط على الواقع الوطني الراهن؟ وهل انتفاضة 19 ديسمبر 2018م قد بلغت كمال رشد الثورة ام هي نصف ثورة؛ بمقياس ما توفر من شروط ومعطيات؟؟.
لقد
(47)
وقعت غالبية النخبة السياسية السودانية؛ باكرا في مفارقة اجادة المعارضة، واتخذتها وظيفة ومبررا لوجودها، حتى غدت لا تجيد غيرها؛ فالتجارب الماضية حتى اليوم؛ اثبتت انها من أفشل نخب المنطقة وهي في الحكم؛ لقد عاشت النخبة السودانية؛ في سرداب المعارضة لعقود طويلة؛ دون أن تبذل جهداً في تطوير رؤى بديلة، واكتفت بالنقد والاعتراض؛ وتشويه صورة بعضها البعض، فلم تبذل سوى جهد المقل؛ في صياغة برامج لم تستطع انزالها للجماهير؛ فكان مصيرها اضابير المكتبات الحزبية وأرشيفها، مثال لذلك: ميثاق (التجمع الوطني الديمقراطي)؛ ومشروعي (البديل الديمقراطي)؛ و(الفجر الجديد)؛ الذي لم تعلم كنهها سوى النذر القليل من الجماهير؛ وحتى القيادات الموقعة عليها؛ لم تلتزم بما وقعت عليه؛ لقد أخفقت جميع النخبة الحزبية؛ في صناعة رجال دولة بالمعنى الحقيقي، لذلك حين اسقطت الجماهير النظم البائدة؛ في الثورتين الماضيتين؛ والثورة الحالية؛ تكونت سلطات انتقالية؛ من أفراد لا يملكون الخبرة؛ ولا التجربة؛ ولا المهارات المطلوبة؛ وضعوا في مناصب حساسة؛ ففشلوا في تنفيذ أي برامج اسعافية؛ ترفع المعاناة عن كاهل الجماهير؛ دع عنك أمر إخراج الدولة والمجتمع من حالة الركود؛ والشروع في وضع برامج نهضوية شاملة.
(48)
المفارقة المحزنة التي تعلقم مذاق المواطن السوداني؛ وتكاد تسقطه اليوم في جب اليأس؛ هي أن الشعب بجميع مكوناته؛ قد كان ناقم على أوضاعه، تحت حكم نظام الحركة الإسلامية؛ وكان على أهبة الاستعداد؛ لتقديم كافة التضحيات؛ للتخلص من كابوسه؛ وقد ضحى بالفعل بحياة أبنائه؛ من أجل التغيير، بينما النخبة مسترخية؛ ولم تكن على قدر المسؤولية لقيادته؛ عندما خرجت الجماهير بإرادتها للشوارع، وقد شهد العالم بأنها قد خرجت بالملايين، ولكن النخب لم تكن جاهزة، ولا مستعدة للقيادة، لذلك نراها انشغلت بالمشاكسات؛ ومعارك طواحين الهواء؛ بعد سقوط رأس النظام القديم مباشرة؛ وبالغنائم، والحصول على النصيب الأكبر من كعكة السلطة الانتقالية؛ بعد ذلك، إن الصراع المخجل؛ الذي اندلع بين مَن تصدروا دون جهد نضالي يذكر؛ صدارة المشهد السياسي؛ قد انحصر وتمحور فقط؛ حول المناصب والمكاسب الحزبية؛ والشخصية الضيقة؛ رغم علم الجميع؛ بأن الفترة الانتقالية؛ مرحلة بالغة الهشاشة؛ لا تحتمل رعونة هذه المشاكسات؛ ومحدودة الأجل لا تحتمل اضاعت الوقت سُدًى؛ ثم أن أجندة برنامجها قد حددها مسبقا؛ ميثاق تحالف (قوى الحرية والتغيير).
(49)
ما نراه اليوم من ممارسات سياسية رعناء؛ لا تمت بصلة لثورة 19 ديسمبر المجيدة؛ ولا علاقة لها بشعاراتها وأهدافها؛ ولا بدماء شهدائها الابرار؛ الذين سقطوا بجسارة من اجل إحداث تغيير ثوري حقيقي؛ خانته وتأمرت عليه النخب الانتهازية؛ وهذه الخيانة كـ(دبر العنز)؛ واضحة غير مستورة؛ يفضحها التسويف ومحاولات الالتفاف على قيام المجلس التشريعي؛ الذي يعتبر استحقاق أساسي من استحقاقات الثورة؛ وضمانة حقيقية لتحقيق أهدافها وإنجاح فترتها الانتقالية.
(50)
إن الالتفاف على استحقاق المجلس التشريعي؛ بخلق مجلس مدجن لشركاء المرحلة الانتقالية؛ يتحكم في قراراته المكون العسكري؛ لهو عين الخيانة للثورة ولأهدافها ولدماء شهدائها؛ والتحجج بعملية السلام وجعلها مبررا لتعطيل قيام المجلس التشريعي؛ ما هو إلا لعب ساذج على الذقون؛ وحيلة خرقاء تفضح تفاهة وضحالة فكر مروجيها؛ وعلى العكس من هذا المبرر الفطير؛ فأن قيام المجلس التشريعي؛ وتوسيع قاعدة المشاركة في السلطة؛ يعتبر صمام الأمان الحقيقي؛ لأي تحول سلمي ديمقراطي.
يتبع

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////////////////////