يمثل انتقال السكان للعيش في المدن من أكبر تحديات دول العالم، إذ أنه يشكل الكثير من المصاعب والضغوطات على المدن تشمل زيادة استهلاك الطاقة، وازدحام المرور، ونقص الغذاء وتلوث المياه، وما يرتبط به من قضايا صحية، وأمنية. ويتبع كل كذلك فوارق اجتماعية، وازدياد في حالات الفقر والبطالة. وتسعى الحكومات للتقليل من هذه الظاهرة عن طريق استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتحسين نوعية الحياة الأكثر استدامة لمواطنيها، وتلبي في ذات الوقت احتياجات الأجيال الحالية والقادمة اقتصاديا واجتماعيا وبيئيا، فيما يعرف بالشمول المالي الرقمي.

وتسهم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في تحقيق أهداف الأمم المتحدة السبعة عشر للتنمية المستدامة، وأهما الهدف الحادي عشر الذي يهدف إلى تحقيق المدن والمجتمعات المستدامة.
كذلك أظهرت أزمة تفشي جائحة كرونا المستجد الأهمية الكبيرة للرقمنة بحسبانها وسيلة فعالة لضمان استمرارية أنشطة الأعمال وأهمية الإسراع للتحول الرقمي.
ويتمتع الآن نصف سكان العالم تقريباً بإمكانية النفاذ إلى الإنترنت واستخداماته. غير أن النصف الآخر لا يستطيع ذلك لأسباب معلومة. كما توجد هناك فجوات رقمية متفاوتة بين البلدان والمجتمعات المختلفة. وتتباين كذلك الفجوات الرقمية بين التصنيفات السكانية المختلفة بحسب النوع والسن والإعاقة والوضع الاجتماعي والاقتصادي وغير ذلك.
وتحتاج البنية الاساسية الرقمية في الدول الاقل نمواً إلى دعم الإصلاحات الرئيسية للسياسات اللازمة لتوفير البيئة الملائمة للتحولات الرقمية، حتى تستطيع توفير الخدمات الجيدة وميسورة التكلفة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات.
ويتطلب تحقيق الشمول المالي الرقمي بيئة تنظيمية وسياسية مواتية، أي استراتيجية تراقب تطور الإصلاحات المطلوبة وتأثيرها، لإحداث ابتكارات توسع من امكانية الوصول إلى الخدمات المالية المتوافقة مع الإجراءات واللوائح التنظيمية لتوفير الخدمات المالية الرقمية بصورة آمنة. ويساهم انتشار أجهزة الهواتف المحمولة في الحصول على الخدمات المالية لشريحة كبيرة من السكان وبتكلفة أقل، مما يجعل طريقة فتح حساب مصرفي للمستفيد مثلاً ميسورا ومتاحا على مدار اليوم. ولا يتطلب الأمر سوى أن يكون للشخص وثائق هوية رقمية، وأن تكون وسائل التحقق منها متاحةً ومنخفضة التكلفة.
وتُعد التطورات التقنية المتسارعة التي يشهدها العالم من أحد أسباب رغبة الدول في تحقيق ما يُسمى بالحكومات الإلكترونية وسعيها لتقديم الخدمات الحكومية الكترونياً. لذا يعد موضوع الهوية الرقمية بنداً أساسياً لتحقيق التحولات الرقمية المتسارعة وانتشار الخدمات المالية الرقمية، هذا فضلا عن المزايا الأخرى التي تتحقق على المستوى المجتمعي أو على مستوى الدولة، مثل ممارسة كافة الانشطة المالية داخل نطاق القطاع الرسمي للدول وليس خارجه. كذلك تعزز عملية التحول من الهوية التقليدية إلى الرقمية من أهم أنظمة الهوية والتي تعد حقا من حقوق الانسان، ومن أهداف التنمية المستدامة لعام 2030م هو الهدف التاسع والهدف السادس عشر لتوفير هوية قانونية للجميع.
وتقوم المؤسسات المالية الرسمية (خاصة المصارف) عند فتح الحسابات للعملاء وإنشاء علاقة عمل معهم بإجراءات لتحديد هوية العميل والتحقق منها، وتقوم بها بشكل متجدد، فيما يعرف بقاعدة "أعرف عميلك" (أو اختصارا باللغة الانجليزيةKYC ). وهذه تعتبر الآن عملية الزامية، وغدت أداة من أهم أدوات مكافحة الجرائم المالية على الصعيد الدولي والمحلي، خاصة أن المؤسسات المالية تعتبر أهم القنوات المستهدفة في انتشار القضايا المتعلقة بالفساد وتمويل الإرهاب وغسل الأموال. وتطبق قاعدة معرفة هوية العملاء عن طريق الوثائق الورقية الرسمية، واستكمال التوقيع اليدوي وذلك فيما يعرف في المصطلح المصرفي (وجها لوجه). غير أن الصيرفة الإلكترونية بدأت تغير من وجه التعامل المادي إلى تعامل افتراضي عبر الانترنت فيما يعرف بقاعدة (أعرف عميلك إلكترونيًا)، من خلال استخدام الهويات الرقمية المعتمدة، والتعرف على الوجه والتحقق من الهوية عبر الإنترنت. (وهذه تعرف اختصارا بـE-KYC)، هي عملية غير ورقية تتم عن طريق استخراج البيانات الرقمية الصادرة عن الحكومة الرقمية.
إن ممارسة الانشطة المالية داخل القطاع الرسمي تتطلب التوازن بين أهداف مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وأهداف الشمول المالي، من خلال إنشاء نظام لإجراءات معرفة العميل الرقمي. ويتم ذلك من خلال تطوير منهجية إدارة المخاطر الرقمية بالمصارف وتطوير نظم أمن المعلومات، وأن تضمن المخاطر السيبرانية (أي كل ما يتعلق بالشبكات الإلكترونية الحاسوبية) داخل الاستراتيجيات والسياسات المصارف.
وينبغي أن توفر نظم الحكومة الالكترونية حلولاً تقنية مختلفة يمكن أن تسهم في إحداث تطورات في مجال التقنيات المالية المطلوب لفحص الهوية والتحقق منها لتحسين جودة وموثوقية بيانات العملاء. ويتم ذلك من خلال إتاحة الدولة لمشاركة المعلومات الرقمية التي وفرتها للهوية الرقمية، وذلك لتشكل الحد الأدنى لقبول العناية الواجبة تجاه العملاء خاصة في المصارف من خلال رقمنة العمليات الخاصة بقواعد "اعرف عميلك الكترونياً".
ويعتبر السودان من الدول التي أحرزت تقدما معقولا على المستوى الإقليمي في رقمنة الهوية لمواطنيها، وتعد هي خطوة أولى في مشروع الحكومة الإلكترونية، والتي تحتاج إلى بنية تحتية متينة للتقنية والاتصالات الإلكترونية. وهذه هي من أهم الركائز المحفزة التي يجب توفرها في الحكومة الالكترونية.
كذلك يجب على الدولة توفير البنية التحتية الفعالة والميسورة التكلفة لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات المقترنة بالبيئة التنظيمية والتي تتيح للشركات والحكومات المشاركة في الاقتصاد الرقمي. والجدير بالذكر أن الاستثمار في البيئة التكنلوجية يعتبر أحد الوسائل التي يمكن أن تُخرج الدول التي تعاني من مشاكل تنموية بطريقة أسرع من الوسائل التقليدية الأخرى، وذلك بما تحققه من نتائج ايجابية في وقت أوجز. ويعتبر هذا المشروع من الأصول الأساسية في الاقتصاد الرقمي وتحقيق نظام الشمول المالي.
غير أن حكومة السودان لم تستثمر في قطاع الاتصالات بصورة كبيرة حتى الآن، وانعكس ذلك على ضعف البنية التحتية لمشروع الحكومة الالكترونية. كذلك ليس لدى الحكومة استراتيجية لمشروع الحكومة الإلكترونية حتى تستطيع أن تسهم في تحقيق إنجازات مخططة بصورة زمنية، ومن أهما تطوير الخدمات المالية، وتمكين جميع المواطنين من التعامل مع الخدمات المالية عن بعد وبأمان من خلال قنوات رقمية. غير أنه يحمد لخدمات التحصيل الجمركي أنها تمكنت من رقمنة دفعياتها بصورة موحدة.
ولازال قطاع المصارف السودانية – للأسف - يعاني من ضعف التعامل عن بعد لكثير من المعاملات عبر الإنترنت والخدمات الإلكترونية رغم وجود قانون للمعاملات الالكترونية صدر عام2007م، من أجل دعم إطار الهوية الرقمية والتعاملات الالكترونية من التعرف الرقمي والتوقيع الالكتروني ، وصحة الصكوك والمستندات الالكترونية وغيرها ، وبذلك يكون القانون قد وضع واعتمد إطار يعالج المخاطر أو المخاوف المرتبطة باستخدام كافة التعاملات الالكترونية وتحفظ الحقوق والسرية في التعامل الآمن .ولإستكمال الاستفادة من الاطار القانوني للمعاملات الالكترونية ، يجب على المؤسسات المصرفية وغيرها ربط أنظمتها التقنية مع سجلات الأحوال المدنية والجوزات، بإعتبارها هي الجهة الحكومية التي أصدرت الوثائق الرسمية للمواطنين وتتم الطابقة الالكترونية بصورة آنيه للهويه الرقمية للمتعاملين مع هذه المؤسسات وأهمها المصارف ، ويمكن للبنك المركزي دعم هذه المعاملات باللوائح التراخيص الداعمة للإنتقال الى معرفة العميل الالكترونياً ، بإعتباره المشرف والمراقب على نشاطات المصارف والقطاعات المالية الاخرى.
وتوفر التطورات الحديثة في مجال التقنيات المالية الحديثة حلولاً تقنية مختلفة، لكثير من المعاملات المصرفية مثل التحويلات المالية وعمليات الدفع الإلكتروني المختلفة. ويمكن لتلك الحلول أن تسهم في جعل جميع المعاملات المالية تتم عبر القنوات الرسمية للدولة، وتمكن كذلك العملاء الحالين والمتوقعين من الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل القروض والحسابات المصرفية وأجهزة الصراف الآلي. كذلك توفر تلك الحلول وسائل أكثر شمولاً وكفاءةً للمدفوعات والتحويلات عبر الحدود لكل من الأفراد والشركات على حد سواء. ويعتبر دور الحكومة أساسيًا في سن تدابير لتسهيل تسجيل الهوية القانونية الرقمية لأفراد المجتمع، بمواكبة التطورات المتسارعة في تقنيات نظم الدفع والبنية التحتية المالية.
لا شك في أن المصارف السودانية تحتاج الآن لتطبيق نموذج حوكمة قوي لإدارة الهوية الرقمية وإجراءات العناية الواجبة تجاه العملاء لكي يوازن بين هدف مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وبين أهداف الشمول المالي، إذ أن عدم القدرة على إثبات هوية العميل بدقة لايعوق الشمول المالي فحسب، بل قد يؤدي إلى الإقصاء والتمييز بين أفراد المجتمع.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.