تُعْتَبَرُ المدن أكثر الأماكن جذباً للاستثمارات، وبالتالي تصبح هي المحرك الرئيسي للنمو في العالم، وتولد غالبية الناتج المحلي الإجمالي العالمي. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من نصف سكان العالم يعيشون الآن في المدن والمناطق الحضرية. إلا أن هذه المجتمعات والمدن تفرض عدداً من التحديات أمام الحكومات والمجتمع ومطوري الوعي البيئي، على حد سواء، لتحقيق أهداف المدن المستدامة. غير أنه مع تزايد نسبة التوسع في المدن، يتنامى أيضاً الالتزام العالمي بجعل ذلك التوسع سليما. ويعد هدف المدن المستدامة هو البند الحادي عشر من أهداف الامم المتحدة للتنمية المستدامة 2030م.
ويعني نموذج مكونات الاستدامة في المدن أن تلك "المدينة المستدامة" ينبغي أن تكون قادرة على إطعام نفسها مع اعتماد ضئيل على المناطق الريفية المحيطة بها، وأن تزود نفسها من مصادر الطاقة المتجددة، وقادرة على أن تربط بين الهدف الحادي عشر للأمم المتحدة للتنمية المستدامة لخلق مدن ومجتمعات مستدامة، وبين الهدف الثاني عشر الخاص بالاستهلاك والإنتاج المسؤول، وذلك لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام عبر تغيير الطرق التي تنتج بها السلع والموارد، والطريقة التي تتخلص بها من النفايات السامة والملوثات. كما يعتمد الأمر، بقدر مماثل من الأهمية، على تشجيع الصناعات والأعمال التجارية والمستهلكين على تقليل النفايات وإعادة تدويرها، وكذلك ترشيد أنماط استهلاك للوصول لاستدامة أكبر. وهذه تقاس من خلال عدد من المؤشرات تشمل زمن حصول المواطن على دعم سكني/مؤشر الخدمات الالكترونية/ نسبة النفايات البلدية المعالجة من إجمالي النفايات المنتجة/ مؤشر البنية التحتية مثل وسائل النقل وخطوط الكهرباء والاتصالات، ومؤشرات جودة الهواء وجودة النقل الجوي والبحري والبري ومؤشر الإسهام في الطاقة النظيفة.
لا توجد في الغالب مدينتان على الشاكلة نفسها. غير أن المدن تتشابه في سرعة توسعها وتمدد حجمها، واتساع فجوات دخول سكانها، وتهالك طرقها وجسورها، ومرافق صرفها الصحي، وتفاقم التلوث بها، وتهالك مبانيها. وكل تلك مؤشرات تدل على أن الضغط السكاني أعلى من مستوى الخدمات. وتسعى جميع المدن إلى تحقيق تطوير مستقبل مستدام مزدهر، مع تباين كيفية تنفيذ المدن لمحاولاتها للوصول إلى الاستدامة.
وبحسب تقرير صدر عن الامم المتحدة عام 2015م للتنمية المستدامة في المنطقة العربية، نجد أن المنطقة العربية حققت نسبة نمو بلغت 2.5%. وأفاد التقرير عند الإشارة لقياس نسبة التحضر إلى انخفاض نسبتها في السودان إلى 33%، بالمقارنة مع نسبة تطور يصل إلى 99 % في قطر و44 % مصر مثلاً. ويعيش حوالي 28% من إجمالي المنطقة العربية في أحياء فقيرة ومناطق غير مخططة (عشوائيات). ويتطلب ذلك الوضع أن تجِدّ الحكومات في جعل المدن آمنة ومستدامة مع تحسين بيئة الأحياء الفقيرة والمستوطنات غير الرسمية. كما يتطلب علاج ذلك الوضع الاستثمار في وسائل النقل العام، وخلق مساحات فسيحة عامة لمنع التلوث البيئي.
ومعلوم أن الخرطوم مدينة قديمة تم إنشاءها في عام 1821م، وأصبحت عاصمة للسودان في 1885م، ويُقدر عدد سكانها الآن بحوالي ربع سكان أجمالي السكان في السوان البالغ عددهم 43 مليون نسمة (لا يوجد إحصاء رسمي دقيق منشور).
وتواجه مدينة الخرطوم عددا من التحديات وأهما هو عدم وجود استراتيجية قومية للتنمية العمرانية. وتهدف هذه الاستراتيجية إلى اعتماد سياسة عمرانية تراعي الزيادة في عدد السكان وإحتياجاتهم من الخدمات، وإعداد خطط تنموية لكل أجزائها الثلاثة (الخرطوم – الخرطوم بحري- أمدرمان)، حيث تعاني مدنها الثلاثة من اكتظاظ سكاني بسبب الهجرة من الريف إليها، متلازما مع ضعف الإمكانيات المالية، وعدم قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، وتدهور البنية التحتية للمدينة. ويعتبر بند النفايات من أهم مقاييس التدهور الخدمي في هذه المدينة، والذي يُعد لدى مدن أخرى ميزة، إذ تحولت عملية التخلص من النفايات والملوثات في كثير من المدن من عبء مادي إلى مصدر مادي، وأحد أهم موارد المدن ضمن الاستراتيجية التنمية التي تعدها المدن وفق فترة زمنية تعدلها وفق التطور المقاس. وعادة ما تُسْنَدُ لإدارة متخصصة (إدارة النفايات) وفق برنامج الاستراتيجية الذي يهدف إلى تقليل عدد مكبات النفايات وإستهداف معالجة النفايات الصلبة بإعادة تدويرها، وغيرها من أمور فنية أخرى. كذلك يجب أن تُحكم إدارة النفايات بقانون اتحادي، حيث لا يجوز أن يدار مثل هذا المورد دون حاكمية، إذ أن الإهمال فيه قد يؤدي إلى حدوث كوارث بيئية وصحية عديدة.
ويُعد ملف إدارة النفايات شأن قومي تتشارك فيه عدد من الهيئات في الدولة، حيث تقيم مشاريعا لتحويل النفايات إلى طاقة بعد إعداد مرحلة التدوير، وتتحول النفايات إلى محطة أو محطات قادرة على توليد كمية من الكهرباء تكفي لسد احتياجات كثير من المرافق السكنية والخدمية. ويحدث هذا بالتالي خفضا للبصمة البيئية (التي تُعرف بأنها قياس طلب البشر على الطبيعة. ويستخدم مؤشر البصمة البيئية لقياس متطلبات الانسان بما تنتجه الطبيعة). كما يسهم هذا الاستخدام في الحد من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون، وتقليل الانبعاثات التي تنجم عن دفن النفايات، وتوفير مساحة الأراضي المهدرة في مكب النفايات، فضلاً عن حماية البيئة من الغازات المنبعث من مكبات النفايات.
وتهتم المدن المستدامة بمعالجة المخلفات العضوية الناتجة عن أسواق الخضروات والفواكه والمطاعم والفنادق وشركات توريد الأغذية ومخلفات المنازل، حيث يعد ذلك من مدخولات إنتاج لصناعة الأسمدة العضوية، التي يتم إستخدامها في الزراعة محلياً (لإستدامة مدن خضراء) ويمكن تصديرها أيضاً. وعلى هذا النسق تتم إدارة النفايات الالكترونية والنفايات الطبية، وغيرها.
إن إدارة مورد النفايات شأنه شان الموارد المهمة التي تحتاج إلى كادر بشري بعدد كافٍ ليكون منشأة مستدامة ويوفر بيئة عمل صحية. ويعد مورد النفايات من الموارد الناضبة، حيث تراجعت كثير من المدن المتحضرة في إنتاجها من النفايات، رغم تزايد عدد السكان وذلك بسبب قوة التشريعات وحملات التوعية والتثقيف حول الحفاظ على البيئة، بعدم هدر الطعام والاستخدام الأمثل للمخلفات المنزلية والتجارية وزيادة المواد القابلة لإعادة التدوير في النفايات المنزلية، والتقليل من الكميات التي يتم طمرها تحت الأرض.
وتعد التشريعات التي تنظم إدارة النفايات ودور التوعية في تحديد الطرق الأفضل للتعامل مع النفايات واستغلالها من أهم الخطوات التي تحتاجها مدينة الخرطوم لبدء التغيير الى مدينة مستدامة، وهذه خطوة أساسية لمواجهة تحديات الاستدامة المرتبطة بانتشار التحضر وتنامي الاستهلاك. كذلك يجب فرض ضوابط قانونية تحكم سلوكيات الأفراد والشركات العاملة والخاصة تجاه التعامل مع النفايات من وضعها في المكان المخصص أو في تدويرها. كذلك تنبغي زيادة حملات التوعية التي تستهدف شرائح المجتمع المختلفة لحثهم على الإدارة المثلى لنفاياتهم المنزلية، وعلى الوعي بـ "الشراء الرشيد" الذي يدفع المواطنين لشراء ما يلزمهم فقط، دون إسراف يفضي في النهاية إلى زيادة حجم نفاياتهم.
ويجب أن تبدأ الدولة في الاستثمار في (النفايات) كمورد، بدءًا من دعــم قاعــدة للبيانــات الإلكترونيــة الوطنيــة للنفايــات، حتى الوصول لتحويل النفايات إلى طاقة، كمقاربة مبتكرة في مجال الطاقة والحلول البيئية. وينشغل العالم الآن بتوظيف أفضل العقول والتكنولوجيا في صناعة الطاقة والحلول البيئية، حيث تسهم تلك الحلول في الحفاظ على مواردنا الطبيعية بشكل متوازن للأجيال القادمة. ويتطلب تحقيق أهداف التنمية المستدامة دوما شراكة ذكية بين الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمواطنين على حد سواء.

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.