أي محاسب مبتدئ يستطيع أن (يبصم بالعشرة) على أن الإنقاذ ولمدى ثلاثين عاماً منذ انقلابها وحتى أحالها شهداء الثورة إلى المزبلة العمومية لم تشهد حركة المال العام فيها (إجراء حسابي واحد من غير تزوير)..! ومن المعلوم للكافة أن أي إنقاذي أو (مرسال للإنقاذي) كان يأتي إلى بنك السودان المركزي أو خزينة أي هيئة أو مؤسسة عامة ويأمر الصراف بتعليمات شفوية أو قطعة وريقة بخط اليد من ثلاث كلمات بنقل الأموال إلى (ضهرية السيارة)…ِ! وكانت هذه هي الممارسة السائدة والمعهودة من المخلوع ونوابه ووزرائه وقادة المؤتمر الوطني (والحركة إياها) ومن هم دونهم من الزعانف.. حتى إننا عثرنا ذات يوم في وكالة سونا للأنباء (والله العظيم المعبود بالحق) على خطاب بتوقيع الطيب مصطفى يؤشر فيه بـ (5 آلاف إسترليني) منحة شهرية للمجاهد (فلان الفلاني) ويقول في تبريرها إن الحياة في لندن صعبة كما تعلمون ونوصي بمنحه كيت وكيت..! وهذا الذي يسميه الخال العنقالي بالمجاهد (أفندي هادئ المظهر) ليس عليه سيماء جهاد ولا يرتدي درعاً ولا (لأمة حرب).. وهو من أبناء حركتهم (ومعروف لدينا) وكان يشغل بجانب مهمته في لندن (براتبها) وظيفة صورية باعتباره مراسلاً لوكالة سونا…. وبغير مزايدة أطالب بأن يخطئني في ما قلت الطيب مصطفي أو الرجل الآخر؛ وهو موجود وشغل مناصب عدة أكاديمية وصحفية.. وأنا في الانتظار على أحر من الجمر..!!
طبعاً هذا مثال متواضع للتعامل بالمال العام.. وريقة صغيرة أو تعليمات شفوية يصرف بها الإنقاذي المليارات.. ولذا تجدهم يقولون لكل من يتحدث عن الفساد: (عندك وثائق..؟!).. ولكن مناسبة هذا الحديث أن محكمة الاستئناف شطبت قرار محكمة الموضوع التي برأت (عثمان يوسف كبر) نائب الرئيس المخلوع (ولا يعدم الحق نصيراً)..!! وكان الناس قد وضعوا أياديهم على رؤوسهم من الدهشة ولسان حالهم يقول هل هذا معقول.. براءة رغم كل هذه المخالفات الجسيمة..!! وطبعاً نحن لا نريد التعليق على قرار محكمة الموضوع.. ولكن لنا الحق والحرية في (إبداء الدهشة) وإذا لم يكن ذلك الحق وارداً في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، فأنا أطالب منذ الآن بإدراج (الحق في الاندهاش) ضمن مصفوفة الحقوق..لأن فساد الإنقاذ لم يسبقها إليه أنسٌ ولا جان..!
كيف نفد نائب المخلوع من كل هذه الجرائم والجرائر في محكمة الموضوع..؟! هذا علمه عند الله والقاضي ولا تعليق.. لكن محكمة الاستئناف التي ألغت قرار قاضي الموضوع بشطب الاتهام ضده أشارت إلى أن الاتهام يتعلق بخيانة الأمانة بواسطة موظف عام ومخالفة قانوني الثراء الحرام وغسل الأموال وقانون مكافحة الفساد…. وقال قضاة الاستئناف أن محكمة الموضوع أخطأت لأن المتهم أقرّ أمامها باستلامه مالاً عاماً وتحويله إلي حسابه الخاص ولم يوضّح أوجه صرفه.. وكان عليها توجيه اتهام تحت المادة الصحيحة لوضوح الإدانة في مادتين بالقانون الجنائي والثراء الحرام..!
لماذا (حدس ما حدس)..لا تفسير.. ولكن على النائب العام وهيئة ادعائه (تكريب القضايا) قبل الدفع بها إلى القضاء.. وجرائم الإنقاذ واضحة وفاضحة ولا تحتاج إلى (كيمستري).. وقضية نائب المخلوع رغم ما فيها من هوائل هي من أخف قضايا الانتهاكات المالية بالمقارنة مع جرائم الإنقاذ الكبرى ولكنها تكشف عن الهلهلة في نسج الأجهزة العدلية و(البطء الحلزوني) وضعف أولويات برمجة القضايا في ديوان النائب العام والانشغال برضاعة (صغار المعزى) بدلاً من هبر الأفيال ودهس الديناصورات.. ولا يزال التغافل عن إصلاح الأجهزة العدلية والشرطية والنيابية والقضائية هو (آفة الآفات).. وواجب الساعة أن يتم الإصلاح فوراً.. ولا تقل لي إن (الكاوبويات) يقولون لا يمكن تغيير الحصان خلال عبور النهر .. ثورة ديسمبر تستطيع..!!