لم يكن مستغربا تلك الفتوي التي دفعت بها هيئة علماء السودان في مواجهة القانون الذي اجازه مجلس الوزراء والخاص بالنظام المصرفي المزدوج. ويقر ذلك القانون (نافذتين) للتعامل المصرفي ،نافذة للمعاملات ذات الصيغة الاسلامية ونافذة اخري سماها ذلك القانون (تقليدية) وهي تختص بمعاملات الفائدة والتي بموجبها يتم ربط العمل المصرفي بشرايين الاقتصاد العالمي والاندماج في المؤسسات المالية العالمية وما تقتضيه ضرورة هيكلة العمل المصرفي وخروجه من تلك العزلة التي وسمت الآداء المصرفي لعدة سنوات .
جاءت تلك الفتوي المصادمة علي لسان رئيس الهيئة قائلا (كثير من الناس يقعون في المخالفات بإغواء الشياطين، وان الربا من شأنه فتح حرب مع الله في الحياة الدنيا وعقاب الآخرة، طالبا تجنب التعامل الربوي حتي لا ينال السودان غضب من الله ).
وبعيدا عن الجدل الفقهي ،فان هذه الهيئة ننعي عليها غربتها عن هموم الانسان السوداني وقضاياه،
فتاريخها (السياسي) الذي انتهجته هو الذي يحكم علي أنشطتها ،ويكشف حقيقة ذلك التمترس في خندق أنظمة الاستبداد التي تنتعش في مناخاتها .
ففي عام 1984 أفتي مجلس الاقتصاد الشرعي وهو احد أذرع تلك الهيئة بجواز جدولة فوائد الديون الربوية ، وهي تبحث عن مخرج للازمة الاقتصادية الخانقةالتي يعيشها النظام المايوي وهو يتسربل بقوانين سبتمبر (الاسلامية )التي لم يمض علي اقرارها عام حتي دخلت في تناقضاتها المميتة .
وفي ديسمبر من العام 2002 وعندما احتدم الجدل حول القروض الربوية الخاصة بسد مروي افتي مستشار البشير وهو احد دهاقنة هذه الهيئةبالاباحةبموجب (فقه الضرورة) باجازة قبول تلك القروض حتي في حالة اتسامها بشبهة الربا .
وفي حالة اخري فقد استمات شيوخ تلك الهيئة في الدفاع عن القرض العماني البالغ 106 مليون دولار والخاص بسد مروي ، وحينما اشتد الجدل تمت الموافقة علي ذلك القرض وبالأغلبية في برلمان المخلوع ولم تخرج الهيئة لتفتي ب(التحريم ) ولكنها لاذت بالصمت ولم نشهد استقالات جماعيةلاعضاء تلك الهيئة الذين يمثلون الأذرع الشرعية لكل مجالس ادارات تلك البنوك المسماة ( إسلامية ).
ولكن ذهنية الهيئة ذات البعد الواحد الذي يتمثل في كلمة ( حرام) كانت معطلة تماما في مسيراتها الطويلة في مواجهة الطغاة وهي خاضعة ذليلة
امام بطش السلطان ونزواته ، وأدارت ظهرها عن عذاب الناس وويلاتهم عملا بتلك الحكمة الهندية (لم آر ، ولم اسمع ولم أتكلم ) علي مدي طول ازمنة المذابح وسفك الدم الحرام في ميادين الحروب الأهلية التي انتهجها النظام،هذا ان لم يكن في ان تضع قدراتها وفتاويها من اجل التحشيد تحت مظلة الحروب الجهادية والتبشير بالجنة والغواية المشروعة .
أين لافتة (التحريم) التي تلوح بها الحركة من مجزرة شهداء رمضان ، وشهداء العيلفون من طلاب الإلزامية ، وشهداء بورتسودان و كجبار وذلك الدم المسفوح في جبال النوبة ودارفور والنيل الأزرق .
لقد اكتفت الهيئة بذلك ( العشاء الاخير )مع المخلوع وهي تتلمظ عطاياه وهباته المليونية ، ثم أطلقت فتوتها ب (حرمة الخروج علي الحاكم ) حتي لو أدي ذلك لابادة ثلث الشعب من اجل السلطان والعرش ولا حرمة في ذلك.
أين لافتة ( التحريم ) في مواجهة مرتكبي مجزرة رمضان في ساحات الاعتصام ومجزرة فض الاعتصام .
يبدو ان تلك الهيئة ماهي الا اداة من أدوات التمكين ولعلها الأداة الناجزة لانها تتعلق بالروح والوعي الذي تعمل علي تغييبه ،وهي تمهد الطريق للطغاة تحت غطاء ديني استمدته من طبيعة تكوينها وذلك المدلول (علماء) الذي يمنحها قوة خارقة تقتحم بها ميادين الاقتصاد ،والاجتماع،والسياسة،بل كل تفاصيل الحياة وهي تحمل وصفتها شديدةالانشطار(حرام).
إذن فان الهيئة تري نفسها في منجاة (من إغواء الشياطين) وهي في فتواها تلك تنزع لصفد الشياطين
من إغواء الشعب السوداني كما تدعي ،ولكنها ماذا تقول في سقوط بعض من قياداتها صرعي إغواء الشياطين حينما استبدلوا آخرتهم بدنياهم نظير ملايين الدولارات كهبات ودعم من السلطان الجائر ،وأصبحوا طريدي العدالة في دول خلف البحار هربا ان تطالهم العدالة، دون ان يحرك ذلك شعرة في جسد الهيئة
التي تنام وتصحو علي فورمانات (التحريم )في مواجهة الأخر .
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.