كان يمكن أن يُؤمِن المفاوض السوداني حول السد الأثيوبي لنفسه موقفاً قوياً ومتقدماً لو أنه تمسك بحقه في الأخطار المسبق Prior notification الذي يكفله له القانون الدولي للمياه، قبل أن تشرع إثيوبيا في تشييد سدها الضخم على النيل الأزرق. فقد كان يمكن أن يعطيه ذلك الحق ليس فقط إمكانية الحصول على البيانات، وإنما ضمان عدم الإضرار به وبأمنه المائي . غير أنه آثر الركض بعينين معصوبتين وراء تعظيم الفوائد التي تخيّلها من السد، وبنى عليها كل استراتيجيته التفاوضية. فلما أسقط ذلك الحق المباح دولياً، راح يبحث في دهاليز التفاوض عما ظل يسميه وزير الري ب (تبادل المعلومات) وفق اتفاق ملزم.. فقد أكد في خلال لقائه التلفزيوني في برنامج المشهد، أن السودان إذا لم يحصل على المعلومات الواردة من إثيوبيا حول تدفقات المياه من السد، فلن يعرف كمية المياه الواردة لخزان الروصيرص مما يزيد عليه المخاطر. وبالتالي لن يعرف كيف يستفيد من هذه المياه في التخطيط الزراعي للمشاريع الزراعية الكبري كالجزيرة والرهد والسوكي. هذا الكلام واضحٌ ولا لَبس فيه. ويقرر بشكل أكثر وضوحاً أن من يحتاج حقيقةً للمعلومات هو الجانب السودانى. غير أن هنالك سؤال يفرض نفسه وهو ماهي المعلومات التي تحتاجها إثيوبيا من السودان بالمقابل في عملية (تبادل المعلومات؟!).
الواضح أن إثيوبيا التي تقع في أعلى النهر Up stream لا تحتاج لمعلومات حول مياهٍ خرجت من خزانها ودخلت الأراضي السودانية للإستفادة منها في الري والتوليد الكهرمائي أو أي استخدامات أخرى وهذا أمر طبيعي .... معنى ذلك أنه لا تُوجد قاعدة منطقية لفكرة (التبادل). وأن إستخدام هذه الكلمة مدفوع برغبة تحيك في النفس ولا تتطابق مع الواقع، ومنفية سلفاً بحكم التفريط في حق الإخطار المسبق.
مهما يكن من شيئ، وبالنظر لمدلول كلمة (تبادل Exchang ) التي تتم في الأصل بين طرفين كل منهما يحتاج للمعلومات بذات الأهمية والمقدار لا تنطبق على إثيوبيا بحكم انها تقع في أعلى النهر و لا تحتاج أن (تتبادل) معلومات مع السودان، وإنما يحتاج السودان الواقع في أسفل النهر Down stream لإثيوبيا كي تمده بالمعلومات لأهميتها حسب تصريح الوزير في الاستخدامات سالفة الذكر.
خلاصة القول أن حديث الوزير حول (تبادل معلومات) غير وارد وغير سليم، لأن التبادل يتطلب قدراً من التساوي في الأهمية بالضرورة للطرفين. غير أن الوارد والسليم هو أن السودان يحتاج لمعلومات، وهذه المعلومات ضرورية له. عليه فإنه يتوقع من إثيوبيا أن تمده بها. لذلك فإن مسألة( تبادل المعلومات) الذي يُوحِي بأن الجانبين يحتاجان لبعضهما البعض غير قائم. فالحقيقة المُرة والمُحزنة تؤكد أن هنالك طرفٌ واحدٌ فقط هو الذي يحتاج للمعلومات.
فالتوصيف الصحيح والمنطقي هو أن السودان في حالة انتظار وترقب لأن تمده إثيوبيا بالمعلومات حتى يعرف كيف يستفيد من وارد المياه، وفي هذه الحالة فإن كلمة تبادل تنتفي، وتبرز كلمة تغذية بالمعلومات والمعروف أن التغذية بالمعلومات تكون رأسياً، أي من أعلى الي أسفل. بينما التبادل هو علاقة أفقية بين ندين متساويين في القدرة والرغبة. عليه... وطالما صار السودان هو الراغب والمحتاج للمعلومات، فسيكون لزاماً عليه أن يختار واحداً من خيارين، إما أن ينتظر "كرم" إثيوبيا ان تعطيه المعلومات وبدون اتفاق ملزم " كمنحة". أو يدفع ثمنها باعتبارها خدمة تسهل عليه عمليات التخطيط للإستفادة من المياه في مشاريعه الحيوية. والخيار الأخير فيما يبدو هو ما ترمي إليه إثيوبيا من خلال سلوكها المراوغ في أنها تريد أن تصل لنقطة التحكم الكامل في منبع المياه، وكلما يتصل بها من بيانات ومعلومات، وأنها تدرك مدى حاجة السودان لتلك المعلومات، خاصة وأن مشاريع السودان الرئيسة تعتمد على مدى انسياب المعلومات من جانبها. أما المعلومات الواردة من الجانب السوداني حول المياه في بحيرة الروصيرص، فلا تفيد إثيوبيا في شيئ ولا تملك عند استلامها إلا أن تَرُد بذات الصيغة المتعالية التي درج على إستخدامها المسؤولون الكبار عندما يستلمون تقريراً من مرؤوسيهم عن طريق البريد الإلكتروني بالقول Well recieved.
د.محمد عبد الحميد
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.