6 فبراير 2021

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الحلقة (2)

رحيل منصور: فقد عظيم في زمن مرير!

كان منصور جدَّ سعيدٍ بثورة الشباب في ديسمبر 2018، ولكن خاب ظنه فيما أفضت إليه من وثيقة دُستوريَّة ومُؤسساتٍ لإدارة عمليَّة الانتقال، وما يعتري المشهد السياسي عموماً من ربكة وارتباك. فما زالت مسحة من الحُزن تُخيِّم عليه، تنعكسُ على صوته وتكسي نبرة حديثه، في رسائله الصوتيَّة. في أحد هذه التسجيلات، 13 فبراير 2020، قال لي: «يا واثق إزيَّك! كُنتُ أتمنى أن تكون معنا في الظروف اللي نحنا فيها دي! مش عشان تتعذب، لكن عشان نستفيد من أفكارك النيِّرة! إن شاء الله أشوفك في لندن. شكراً». وفي 11 فبراير، نشرتُ مقالاً نوَّهتُ فيه أنه لا تثريب على طلب رئيس الوُزراء لاستخدام بعثةٍ سياسيَّة خاصَّة، ويتسق تماماً مع دور الأمم المتحدة والآليات التي تستخدمها لحفظ السَّلام والأمن الدوليين! ولا يصِحُّ النَّيْلَ من رئيس الوُزراء ودمغه بالعَمَالة والخيانة الوطنيَّة جرَّاء طلبٍ مشروع ومطروق في تجارب أخرى، ولو كان مثيراً للجَّدَل. ودأباً على تواصُلي مع منصور، بعثتُ له - كالعادة - بالمقال القصير راجياً تعقيباته، فأطلعَتهُ عليه سامية طمبل وقرأتهُ له، فأرسَلَ لي تسجيلاً صوتياً في 17 فبراير 2020، قال فيه: «يا صديقي، كيف الحال! هذه أفكار رائعة كشأننا دائما مع أفكارك. إن شاء الله لما استطيع أن أجلس وأكتب، عندي كلمات كثيرة أود أن أنقلها إليك. شكرا». كان منصور يرغبُ في السَّفر إلى لندن مرَّة أخرى بعد تعرُّضه لانتكاسة صحيَّة في ذلك الوقت، ممَّا دفعه للتفكير في مراجعة طبيبه الخاص، على أن نلتقي في القاهرة في طريق عودته إلى الخُرطوم. فأرسَلَ لي تسجيلاً آخر بهذا المعني في مطلع مارس، وكان صوتُهُ خفيضاً ومُرهَقاً، ذكر فيه: «إزيَّك يا صديقي العزيز، إن شاء الله كويس. كنا نتمنى تكون معانا هنا لكن الظروف لا تأتي بما تشتهي السُّفُن. تحياتي للأسرة، وأتمنى، مش أتمنى، في الواقع أنا راجع للدكتور بتاعي لمُدَّة شهرين، وإذا أنت لسَّه حتكون في القاهرة نتلاقي يعني. شكراً». وبالطبع، لم نلتقِ، إذ لم تسعفه صحَّته للسَّفر إلى لندن أو القاهرة كما كان يبتغي، وظلَّ يتلقى العلاج بالخُرطوم حتى قدَّر الله أن يختاره إلى جواره في الثاني والعشرين من أبريل 2020.

عبَّر منصور عن حُرقته وضَجَرِه مما جرى ويجري من أحداث، واختياره للكتاب جليساً والنبات صديقاً، وتصدَّر سأمه وحُزنه الأسطُر الأولى، الفصل الأوَّل من الجُزء الأوَّل، لآخر إصداراته “شذرات” في سبتمبر 2018. تحت عنوان: “الكاتب والكتاب”، كتب د. منصور: «في أُخرَيَات أيامي أوقفتُ جُلَّ وقتي على الحياة مع النبات وللكتاب بعد أن عَلَّمتني العُلقى المُمتدَّة بالأناسي أنهم – إلا من عصم ربي – أكثر مخلوقات الله خباثيَّة. النبات هو الكائن الحي الوحيد الذي لا يُفارق منشأه، كما هو أكثر مخلوقات الله وفاءً لصاحبه. أمَّا الكتاب، كما وصفه الجاحظ في “الحيوان”، (فهو الجَّليس الذي لا يُطريك، والصَّديق الذي لا يقليك، والرَّفيق الذي لا يَملُّلك، والجَّار الذي لا يستبطئك). النبات والكتاب لا يعزلان الملاء عمَّن يُحب، فبين الناس من يشاركك حُب الزَّرع، وفلاحة الأرض، ورعاية كل نتوج يُنبته الله نباناً حسناً. أمَّا الكتاب فلا يُخفي المرء عن الناس، لأنَّ دُنيا الكتب هي دُنيا الناس. لهذا أضحت مكتبتي هي الصَّومعة التي لا تصيبني فيها خفة من النوم حتى أضحيتُ مِسهاراً لا يخشى غوائل السَّهر، كما تحوَّلَتْ إلى ساحة مُغلقة للتفكير فيما قرأتُ لفتراتٍ تطولُ أو تقصُر».

إنَّ رحيل منصور عن دُنيانا لَفَقْدٌ كبير في زمنٍ مرير. وكما حَرَمَتني الأقدار من لقائه، أبت جائحة الكورونا إلا أن تحول دوني لإلقاء نظرة أخيرة عليه، كما وَقَفَتْ في طريق أهله وصحبه في داخل وخارج السُّودان لإعداد تشييعٍ مهيبٍ ومراسم للدَّفن رسميَّة وشعبيَّة. ومع ذلك، طلبتُ من الصديق المشترك محمَّد منعم منصور أن يرسم لي صورة معبِّرة عن مشهد حُضُور التشييع. فوصف محمَّد ساعة التشييع: «حُزنٌ كثيف أشبه بضبابٍ نزل علي المدينة. شيَّعته الأسرة، شيب وشباب وسيدات، أولاد الحي، وناس جامع الماجديَّة، وثلة من أولاد أمدرمان. بينما ناس آخرون كسروا الحظر وسعوا من أركان العاصمة، وأبناء أصدقائه، وبعض تلاميذه في الخارجيَّة، سكرتيرين ومساعدي بحوث. كان هناك ملازمه لسنين، محمد بوش، وممرضه الخاص، ومعارف اجتمعوا في باحة شرفي. كان الجميع يعزي بعضهم البعض حتى لا تكاد تعرف الأهل والأقارب من المعارف والمريدين. بعد الصَّلاة تقدَّم الجميع بالعنقريب نحو مقبرة الأسرة، وعابدين درمة وشباب شرفي حول القبر، إلى أن أنزله أبناء شقيقه في ثوان لودَّ اللَّحد. دُفن بينما أبناء السمَّانيَّة يمدحون وشيخ أحمد الطيب قريب الله حاضر والأهل يدعون له بالمغفرة والرحمة. فاتحة تقرأ والإخلاص تُتلى إحدى عشر مرَّة. ورقد هانئاً بجوار السيدة سارة الصاوي والدته».

عاش حياته بالطُّول والعَرض، وبَلَغَ الشُموخ والسُّمُو، وخَدَمَ بلاده بصدقٍ، وأنجز بتفوُّق أي مهمَّة، وطنيَّة أم إقليميَّة أو دوليَّة، كُلِّف بها، ووضع بصمته على كُلِّ موقع تسنَّمه. كان منصور متعدد الكفاءات ومُتنوِّع المواهب، فعَمِلَ دبلوماسياً واشتغل في مجال القانون، سواءً في الوظيفة العامَّة أو الخاصة في المُحاماة، كما اقتحم ميدان الصحافة. نزفت أقلام، أصدقاء منصور وطلَّابه ومُحبوه ومريدوه، حُزناً على فقده ونعوه بكلماتٍ دامعة، ونعتوه بما اكتسبه في حياته من مهاراتٍ وقُدُراتٍ وما أضافه من قيمة للمجتمع السِّياسي والفكري. فوصوفوه بالمُفكِّر الفذ والكاتب المُبهر والدبلوماسي ورجُلُ الدولة القدير والموظف الأممي والمُؤرِّخ السياسي الصَّادق، ونجم القلم ونبراس الوعي، وفوق ذلك كله المُناضل من أجل العدالة الاجتماعيَّة وتحقيق السَّلام الشامل. ويكفي منصور أنه مهتماً ومهموماً بالتوثيق الدقيق، يتجلى في رفده المكتبة السُّودانيَّة بذخيرةٍ من الكتابات الثرة، آخرها ما أشرتُ إليه أعلاه، كتابٌ من أربعة أجزاء في 1700 صفحة، والذي تمَّ نشره قبل وفاته بعامٍ ونصف فقط، فالكتاب بمثابة توثيق لسيرته الذاتيَّة.

لن أُجاري أو أُباري من كتبوا مقالاتٍ مُعبِّرة في رثاء الرَّاحل، أوفت وكفَّت في استعراض مسيرته الزَّاخرة بالإسهامات النوعيَّة في المجالات المهنيَّة والسياسيَّة كافةً. جمعتني بمنصور القضيَّة والفكرة.. قضيَّة السَّلام، وفكرة السُّودان المُوحَّد على أسُسٍ جديدة، في علاقة متينة امتدَّت لأربعة وثلاثين عاماً سرنا خلالها سوياً تحت مظلة الحركة الشعبيَّة لتحرير السُّودان، أتاحت لنا التعرُّف عن قُربٍ على زعيم الحركة الرَّاحل د. جون قرنق دي مابيور، ودعمه في قضيَّته العادلة. وحتى في أعقاب رحيله، شاركتُ مع منصور في مجلس التحرير القومي للحركة الشعبيَّة، كما اشتركتُ معه في العديد من النشاطات ذات الصلة في أديس أبابا ونيروبي والقاهرة وأسمرا، وفي الخُرطوم منذ أن عُدنا إليها مع وفد مقدِّمة الحركة في مطلع أبريل 2005. بالطبع، كان ذلك أول لقاءٍ لي مع منصور في الخُرطوم بعد قُرابة العشرين عاماً منذ أن تعارَفنا في أديس أبابا، كما سيأتي روايته لاحقاً. في يونيو 2011، قبل إعلان الانفصال رسمياً وتأسيس جنوب السُّودان لجُمهُوريَّته المُستقلة، أعددتُ، بتكليفٍ من بنك التنمية الأفريقي، دراسة استكشافيَّة للاتجاهات الرئيسة وخصائص الاقتصاد السياسي لجنوب السُّودان، وتقديم تحليل سياسي لعملية الانتقال عقب فك الارتباط مع شمال السُّودان، وتحديد التحديات الهائلة للسَّلام المستدام وبناء الدولة الجديدة. مكثتُ في جوبا لمدة شهرٍ لعمل بحثٍ ميداني وسلَّمتُ التقرير النهائي للدراسة لإدارة البنك في 18 أغسطس 2011، ومنذ ذلك الحين، انقطع تواصُلي مع الجنوب، إلا لماماً. أمَّا منصور، فلم تنقطع علاقاته مع قيادات دولة الجنوب، وظلَّ على تواصُلٍ معها، بل وقام بعدَّة زيارات وديَّة إلى جوبا التي حطت فيها رحلتُهُ الأخيرة قبل ثلاثة عشر أسبوعاً من مفارقته الحياة.
أتناول في هذه السلسلة من المقالات هذه العلاقة الممتدَّة مع منصور، لأكثر من ثلاثة عُقُود، وأتوقفُ عند كُلِّ المحطات التي مَرَرْنا بها في سياق مواقفنا المُشتركة من قضايا البلاد، وعلاقتنا مع الحركة الشعبيَّة وزعيمها الرَّاحل، وأستعرض فيه ما صادفنا خلال هذه المدَّة من مصاعب وطرائف، وما وطدته هذه الأيام بيننا من صداقة. فمقالي هذا ليس برثاءٍ لعزيزٍ وصديقٍ فارق دُنيانا فحسْب، إنما أيضاً هُو بمثابة توثيق لحياتي أنا، نصف عمري بالضبط، في صُحبة رجُلٍ فذ، فريدَ عَصْرِهِ ونسيجٌ وحدَهُ!