مراجعة كتاب
الحرب الأهلية في جنوب السودان: العنف والتمرد وفشل صنع السلام
تأليف: جون يانغ - دار زد (Zed Books) للنشر لندن (2019) – 245 صفحة من القطع الصغيرة
تقديم و نقد: استيفن أمين ارنو – كلية العلاقات الدولية الجامعة الامريكية العالمية بافريقيا- نيروبي
توطئة
تكمن اهمية هذ الكتاب، في تناوله قضية محورية ذات ابعاد جيوسياسية للسودان و جنوب السودان؛ في ظل الصعود المتنامي لوساطة دول منفردة و التدخل في النزاعات الداخلية لجيرانهم. معظم نقاد الدور الافريقي والوكالة الافريقية لصناعة السلام، يتسألون عن جدوى تدخل الجيران و توسطهم في نزاع داخلي لدولة جارة؛ اهي محمدة ام استراتيجية جديدة لخدمة المصالح الخارجية للوسيط؟ فالمعروف ان المنظمات الاقليمية مثل الايقاد تعاني كثيراً كي تقوم بدورها في صناعة السلام؛ كما هو مطروح في هذا السفر و لا يزال زعماء الايقاد يستجدون تفويضهم من الاتحاد الافريقي الذي بدوره يستقي تفويضاً من الفصل الثامن من ميثاق الأمم المتحدة، مما ينبئ بأن صناعة السلام في القارة لا يزال خاضعا لسيطرة النفوذ الخارجي. فصعود الدول الاعضاء لأخذ مسؤلية الوساطة في نزاعات جاراتها دون اشراك لآخرين في الوساطة هو تطور لافت؛ و لا يمكن فهم مثل تلك الظاهرة و المساهمات في مثل تلك العمليات دون التطرق لكتاب جون يانغ؛ الذي يناقش وساطة السودان لنزاع جنوب السودان. فمن المعروف أن أحد الاسباب التي اعطت المنظمات الاقليمية مجال لصناعة السلام؛ هو التقلص البائن لدور قوات حفظ السلام الاممية بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، و انحسار مد الحروب الدولية و بزوغ الصراعات الداخلية بافريقيا؛ في ظل فتور دولي عكف عن التدخل في صنع و حفظ وبناء السلام بالقارة؛ هذا الدور المتنامي هو احد ركائز هذا السفر الهام.
مقدمة
منذ النقلة الايدولوجية لاحداث ما بعد الحرب الباردة بسقوط نظام القطبين العالميين و فيما بعد بروز الارهاب العابر للقوميات و ما تبعه من احداث الحادي عشر من سبتمبر؛ اصبحت قضايا النزاع و السلام مرتبطة بمنهج آحادي ليبرالي يعمل علي تصنيف المجموعات المتناحرة علي امزجة الأنظمة الغربية؛ حيث لعبت الولايات المتحدة و حلفائها دورا كبيرا في دعم مجموعات بعينها؛ بينما ضيقت الخناق علي البعض و خصوصا المجموعات التي تناهض سلطة حلفائها بالمنطقة؛ كما كان الحال في العراق و انجولا و الصومال. فصنفت بعض هذه التنظيمات كمجموعات ارهابية لدورها في تبني الارهاب السياسي و الذي اضر بوضع مواطني تلك البلدان. و من ضمن تطورات صعود النظام الدولي الجديد و انتصار الاجندة النيوليبرالية ابتدعت الدول الغربية ثورات هزت اركان اعتي الديكتاتوريات، حيث مكنت مجموعات شعبية لها ميول ليبرالية لتنسم السلطة في كثير من الدول النامية؛ واستحدثت برامجا كبيرة تمثل السياسة الخارجية للدول العظمي تجاه البلدان النامية. على سبيل المثال هناك سياسة لافريقيا الجديدة (New Policy for Africa) و الشرق الأوسط الجديد (New Middle East) و اصبحت مثل هذه السياسات تلازم مرحلة ما بعد الحرب الباردة و ما بعد الحادي عشر من سبتمبر (11\9)؛ التي ساهمت بدورها في انحسار دور حركات الكفاح المسلح التي لم تعد تتمتع بالزخم الاقليمي و الدولي. و لكن افضت هذه السياسات و البرامج الى خروج الكثير من حركات التمرد من بلدان تواجه اوضاعا سياسية معقدة و ظهور مجموعات ارهابية في بلدان آخري؛ بينما برزت مجموعات آخري تطالب بالانعتاق والتحرر ممتطية المنهج الديمقراطي الليبرالي الغربي بتبنيها سياسات النظام العالمي الجديد الذي يسعي لتغيير الخارطة الجيوسياسية لبعض الدول الاستراتيجية في شرق اوروبا و الشرق الاوسط وافريقيا خصوصا منطقة الساحل.
يأتي كتاب الدكتور جون يانغ في هذه الفترة المهمة من تأريخ انتصار المنهج الليبرالي العالمي و تطور الاوضاع السياسية بمنطقة الساحل؛ المتاخم لدولتي السودان و جنوب السودان بوضعهما الجيوسياسي في الحيز المعروف بمنطقة القرن الافريقي الذي يمتاز بوضع جيو استراتيجي يلاقي اهتمام دولي كبير تتقاطع فيه المصالح بين افريقيا و الخليج العربي و الغرب؛ و له استراتجيات امنية مستحدثة من ضمنها القرصنة الحديثة و سلامة الملاحة البحرية بالبحر الأحمر و مضيق باب المندب و الارهاب العابر للقارات حيث توجد مجموعات ارهابية متمكنة تشكل قلقاً أمنياً للولايات المتحدة و حلفائها بالمنطقة. اصبحت المنطقة امتداد طبيعي لمنطقة الساحل حيث الجريمة المنظمة و العابرة للحدود مثل الهجرة الغير شرعية لأوربا و الارتزاق في المليشيات العابرة للدول و الارهاب؛ خصوصاً بروز مجموعات مثل بوكو حرام بتشاد و النيجر و الكاميرون و نيجريا؛ ومجموعات آخري مثل انصار الدين بمالي و السيليكا (Seleka) (الساطور بلغة السونجي بافريقيا الوسطي) و آخرين. فالسودان و جنوب السودان يقعان في تخوم منطقة ملتهبة لها تأثيرات جمة علي قضايا السلام و النزاع؛ شائكة في التعقيد وعالية الحساسية وذات ابعاد محلية و اقليمية و دولية.
ملخص الكتاب
يمثل سفر جون يانغ نقدا ثاقبا وتقييما شاملا لعمليات صنع السلام الليبرالي (Liberal Peace) والعالمية الليبرالية (Liberal Internationalism) و دورهما في افريقيا في حقبة ما بعد الحرب الباردة. تقوم الدراسة على تقييم عمليات صنع السلام في جنوب السودان، بدحض نظرية الحداثة (modernity) و السلام الليبرالي حيث يرفض الكاتب افتراضات نظرية الحداثة التي ربطت الاشكاليات السياسية في افريقيا و الدول النامية بقضايا داخلية مثل الفساد، هشاشة الانظمة و ضعف القيادة السياسية؛ معللاً ذلك باسباب رئيسة تمثلت في تدخل قوي خارجية تسببت في تأزيم الاوضاع بتسليط حلول دون الخوض في الجذور الاساسية. كما ان لتلك القوي الخارجية مساهمات في صنع سلام فاشل في جنوب السودان ومن قبله السودان.
يحتوي الكتاب على ثمانية فصول، تعرض الخطوط العريضة للفرص الضائعة في حل مشكلة السودان؛ بدءاً من الإمبراطورية التركية المصرية (Turco-Egyptian) و التي ساهمت في ضم جنوب السودان إلى اقتصاد الرق العالمي. اما البريطانين الذين جاءوا إلى السودان للانتقام لموت غردون باشا، انشأوا إدارات مهملة بالمنطقة انتهت بدمج جنوب السودان في اقتصاد ونظام حكم وطني غير متكافئ قبيل نيل الاستقلال؛ ليضعوا لبنات اساسية لديمومة الصراع المسلح بالسودان. فبعد جولتين من الحرب الأهلية ، مكّن اتفاق السلام الشامل (CPA) من ولادة جنوب السودان المستقل بتوفير خياران للحل الدائم؛ اختصرا في ضمانة حق تقرير المصير لصنع دولة بجنوب السودان اوالتحول الديمقراطي (ص 10).
مكنت اتفاقية السلام الشامل الحركة الشعبية و الجيش الشعبي لتحرير السودان (SPLM / A) كحزب حاكم في جنوب السودان؛ دون اعتبار للمكونات السياسية الأخري. فاستغلت الحركة الشعبية هذا الوضع للهيمنة و خلق وحدة سياسية ضحلة مروجة لاستقلال جنوب السودان دون الالتزام باستحقاقات التحول الديمقراطي و بناء نظام سياسي متين. فتم التخلي عن أجندة التغيير و التحول الديمقراطي خصوصاً البرامج السياسية لدولة جنوب السودان المستقل. وبهذا يطرح الكاتب حجته الاساسية منتقداً الحركة الشعبية ومن خلفها الإدارة الأمريكية في التسبب في الوضع السياسي الهش بالمنطقة و تسببهما في الصراع المستعر؛ مستمداً عدة براهين ليؤكد أن استقلال جنوب السودان هو السبب الجذري للصراع و الوضع المزرئ بجنوب السودان بتأطيره استبداد تحت نير الحركة الشعبية لتحرير السودان (65ص).
ذهب الكاتب الى تعليق الفشل السياسي في استقلال جنوب السودان والدعم الأمريكي الغير مقيد و المضر علي حسب طرحه؛ معتبراً ان قيام دولة جنوب السودان المستقل هي احد اهم انجازات الادارات الامريكية المتعاقبة و هذا هو سبب احتفاء المسؤولون الأمريكان بصناعة دولة جنوب السودان كأهم انجازات السياسة الخارجية الامريكية؛ حيث لخص الكاتب سفر كامل يتحدث عن "دور القابلة الامريكية" لضمان ميلاد دولة جنوب السودان. فخلص الي رسم دورمجموعة ضغط مستقلة - تطلق على نفسها اسم "المجلس" ـ ذات التأثير المطلق علي السياسات الامريكية لضمان تحقيق قيام دولة جنوب السودان المستقل. فاصبح للمجلس تأثيراً مباشراً على ثلاث إدارات امريكية (كلينتون وبوش وأوباما) ليرسم المجلس صورا باهية للحركة الشعبية لتحرير السودان و جعلها شبيهة بالآباء المؤسسين للولايات المتحدة. واستند ذلك اللوبي على سابقة الرئيس ريغان عندما اشار الي "المجاهدين الأفغان على أنهم يقومون بنفس دور الآباء المؤسسون الامريكان بافغانيستان" (189-90).
هناك عوامل آخري طرحها الكاتب و لها دور هام في السياسة الامريكية تجاه السودان منها مصالح الولايات المتحدة في افريقيا و سعيها الكؤود لدمج الدول الأفريقية التي وقعت ضحية الحرب الباردة. وهنالك عامل آخر هو الحرب على الإرهاب الذي غير نظرة الولايات المتحدة تجاه الدول الفقيرة والهشة والمتأثرة بالصراعات في إفريقيا؛ حيث تعتبر الاداراة الامريكية الصراعات و الهشاشة التنموية في إفريقيا مهددا لأمن الولايات المتحدة، ومن الغالب ان تصبح تلك الدول الهشة ملاذاً للجماعات الإرهابية.
وقد وضعت الولايات المتجدة الامريكية استراتيجياتها لمجابهة الارهاب ببناء السلام؛ وذلك بغية دمج هذه الدول في النظام الليبرالي الجديد، آخذين منهج السلام الليبرالي لانشاء انظمة جديدة تساهم في عمليات الانتقال الديمقراطي الليبرالي بتقاسم السلطة كأفضل وسيلة لوقف العنف. ينتقد الكتاب هذا النهج بحجة أنه لا توجد ادلة تؤكد أن تقاسم السلطة يوقف العنف (ص115)؛ مستصحباً تجربة جنوب السودان في هذ الصدد، ليقول أن الواقع يثبت أنه من "الوهم بناء دولة ديمقراطية ليبرالية على أرض جنوب السودان القاسية" (ص187).
من خلال تطرقه لقضايا الوكالة الأفريقية (African agency) في عمليات السلام ، يطرح الكتاب إشكاليات جمة بخصوص الوكالة الافريقية، التي اصبحت محصورة في شعارات مثل "الحلول الأفريقية للمشكلات الأفريقية"؛ هذه الشعارات لا تمثل الا أدوات لخدمة المصالح الغربية في الدول الضعيفة. بينما تقوم الكتل الاقليمية بالتدخل في حيزها الجغرافي وشؤون جيرانها لتقوض السيادة الوطنية من خلال عمليات السلام ، مما يخلق تبعيات جديدة "لتضمن أن مناوئيها لن يتسنموا قيادة الدولة" (ص37). هذا هو الحال عندما تدعم اي من دول الجوار احدى الجهات المتنازعة كجزء من التوازنات الاقليمية و لخدمة سياستها الخارجية فيما يتعلق بجاراتها.
فالهيئة الحكومية الدولية للتنمية (IGAD) والتي توسطت في اتفاقية السلام الشامل في السودان (CPA) واتفاقية حل النزاع في جنوب السودان (ARCSS) تعد مثالاً للدور الاقليمي المتنامي و الذي يعمل في إطار المنظومة الليبرالية الدولية (International liberalism). فكانت عملية وساطة الايقاد في سلام جنوب السودان ARCSS بمثابة الفرصة لتلك الدول لكي تخدم مصالحها و سياساتها الخارجية أكثر من حل مشاكل جنوب السودان. اتاح منبر الايقاد لسلام جنوب السودان فرصة ومنصة للدول الاعضاء لخدمة مصالحها بجنوب السودان بطريقة منظمة دون مخاطر الانزلاق في صراعات بين الدول الاعضاء كما كان الحال في التدخل الاقليمي بجمهورية الكونغو الديمقراطية (ص213).
في تشريحه لعملية صنع السلام الفاشل بجنوب السودان حدد الكتاب عددًا من الأسباب:
أولاً أدى اندفاع دول الإيقاد لتولي الوساطة إلى الفشل في فهم جذور الصراع والفشل في تحديد الاطراف الرئيسية. فوقعت الوساطة في فخ التأويلات لقبول الرواية المتداولة التي تفترض أن الصراع أثني بين الدينكا والنوير و بين مشار وكير. و من خلال هذا التحليل الخاطئ خلصت الوساطة أن الصراع القائم هو صراع نخبوي بامتياز و بامكان حله بتقاسم السلطة والعقوبات الفردية. وقد أدى ذلك إلى إخراج الأسباب الجذرية للصراع من جدول أعمال مفاوضات السلام و لم يتطرق الوسطاء للأسباب الرئيسية التي ادت لتمرد مجموعات النوير بالقوات النظامية انتقاماً لمقتل ذويهم بجوبا في 15 ديسمبر 2013.
ثانيًا، أدى فشل "إلايقاد" في ادراك اطراف النزاع فسارعوا بتأييد و تنصيب الدكتور مشار قائداً للتمرد على الرغم من "[توليه] تمردًا لم يكن هو جزءا منه او تأسيسه" (ص87). وقد شكل ذلك تحديات خطيرة لعملية صنع السلام في غياب تام لقادة التمرد الحقيقيين من العملية السلمية. و في الفصل الذي يناقش تشكيل الحركة الشعبية لتحرير السودان في المعارضة، يعتقد الكاتب أن المجموعة المتمردة هي تحالف فضفاض دون توافق في الاهداف الاساسيةن شملت لوردات حرب و مليشيلت قبلية و جنرالات سابقين بقوة دفاع جنوب السودان.
اما بخصوص العوامل الخارجية التي اضرت بعملية صنع السلام ، كان للولايات المتحدة دوراً كبيراً و تأثيراً سلبياً في مجري التفاوض؛ فلقد استخدمت الولايات المتحدة نفوذها على الوسطاء لدفع سياساتها و مصالحها بجنوب السودان. و من الامثلة تفعيل حق الفيتو لرفض مشروع قرار أممي يسعي الي حظر الأسلحة على جنوب السودان. وكذلك صمتت الولايات المتحدة لسبب غير مفهوم في إدانة تدخل أوغندا نيابة عن طرف واحد في الصراع الجنوبي؛ معللاً ان سياسة الولايات المتحدة تجاه جنوب السودان تستند على "إعطاء فرصة للحرب" من خلال "منح [الرئيس] سلفا فرصة" (ص166). و شملت التدخلات السلبية للولايات المتحدة نفي الدكتور مشار و تقييد حركته في المنطقة ووضعه قيد الإقامة الجبرية بجنوب افريقيا. كل هذا تم بالاستعانة بالنفوذ الامريكي في المنطقة؛ حيث ارغمت الادارة الامريكية حكومة السودان في لعب دورا بناءاً بوعد قيادته برفع العقوبات وشطب اسم السودان من قائمة الدول الراعية للإرهاب؛ اضافة الى وعود بتعليق محتمل لامر اتهام الرئيس السوداني السابق عمر البشير من الملاحقة الجنائية من قبل محكمة الجنائيات الدولية. فطلبت الولايات المتحدة من الرئيس السوداني السابق التعاون في عدد من المسارات بما فيها الامتناع عن إمداد الحركة الشعبية لتحرير السودان بالمعارضة بالسلاح ووقف اطلاق النار بدارفور و المنطقتين و ارساء دعائم التحول الديمقراطي بالسودان باتاحة الحريات و صون حقوق الانسان و الاقليات (173-4).
فبالرغم من التدخلات الخارجية يخلص الكاتب ، ان اهم أسباب انهيار صنع السلام في جنوب السودان ليست مسؤولية الولايات المتحدة بمفردها. بل ان احد الاسباب الرئيسية هو غياب المسؤلية الوطنية لتبني الاتفاقية و امتلاك بنودها؛ و ظهر ذلك جليا في الخروقات المتكررة لبنود الاتفاق حتي قبل الشروع في تنفيذه. من ضمن الخروقات زيادة عدد الولايات من العدد المتفق عليه (من عشرة الي ثماني و عشرين ولاية)، ومسائل تجميع القوات ونشرها بمقربة من معسكرات المتحاربين. توقع الدكتور مشار علي الاتفاقية باديس ابابا بينما رفض الرئيس كير التوقيع علىها لم يكن عن قناعة وانما لإحراج الحكومة (ص134) في اشارة الى فشل الاتفاق قبل تنفيذه.
اختتم الكتاب بمناقشة آفاق صناعة السلام في المستقبل؛ متطرقاً الي دور السودان في قيادة الوساطة ومنبر الحوار الوطني وآفاق "إعطاء فرصة للحرب" إلى حد كبير. يقول الكاتب ان و ساطة السودان لسلام جنوب السودان يأتي في اطارخدمة سياسة السودان الخارجية لحشد الدعم الدولي في وضع اقتصادي خانق فعكف الوسطاء الي ارغام المفاوضين للقبول بالمقترحات المفصلة سابقاً و الضغط علي الاطراف دون اعطاء فرصة للتفاوض المباشر (ص 205-207). فاصبحت جهود السلام دون جدوي بما في ذلك آفاق "وصاية" الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة علي جنوب السودان. فبالرغم من أن جميع المقترحات المطروحة ترتكز على مبادئ السلام الليبرالي ، إلا أن فرض الوصاية علي جنوب السودان تحت إشراف الأمم المتحدة له فرصاً كبيرة في التنفيذ؛ نظرا لموقف الأمم المتحدة المساند لحماية السيادة الأفريقية بينما يعارض الاتحاد الأفريقي مشاريع بناء الدولة والأمة بقيادة الغرب.
الخاتمة
يعد الكتاب مساهمة ممتازة في تقييم عمليات حفظ السلام بعد الحرب الباردة وما بعد 11 سبتمبر في إفريقيا. بينما يشكك في جوهر الوكالة الأفريقية الناشئة ، والتعقيدات المتأصلة وكيفية تفاعل الجهود الأفريقية مع المصالح الخارجية في القارة. فتقييمنا الشخصي يؤكد أن الخطاب السياسي و الممارسة الافريقية في قضايا السلام لا تزال بعيدة من تأصيل فلسفة السلام الأفريقي (Pax-Africana) لأنها تفي فقط بمعياري الجنسية والولاية القضائية علي قضايا السلام بالقارة ــ فغالبا ما تتم عمليات السلام في إفريقيا بوساطة افريقية ، لكن مدى تأثير الوسطاء الأفارقة و سيطرتهم علي العملية و مخرجاتها لا تزال حبيسة السياسات الغربية و المصالح الخارجية في المنطقة. فبينما هناك تطور لافت في صناعة السلام بمنطقة القرن الافريقي حيث يتداخل البعد الأفريقي المستمد من الباكس افريكانا (pax-Africana) مع الدور البارز لدول منطقة الخليج العربي و اسهامتهم في الشق الافريقي من خلال التحالف الأمني لدول الشرق الأوسط كما يسميها اليكس دي وال (Alex de Waal). هذه التطورات لافتة حيث الدور المتعاظم لدول الخليج كضامنين لاتفاقيات سابقة بافريقيا في الصومال و اهتماها بقضايا القرن الافريقي و دورها في سلام الدوحة بدارفور و مؤخراً الوجود الخليجي البارز في سلام جوبا. من المؤسف و بالرغم من تنامي الوكالة الإقليمية كما هو الحال مع الايقاد و الايكاواس (ECOWAS) ، تنتهي عمليات السلام بخدمة المصالح الاقليمية الخاصة كما كان بجنوب السودان.
آخيراً و بالرغم من مقترح الكاتب و استدلاله بالحلول المحلية نجد ان هذا الطرح يتعارض مع دفعه لوضع جنوب السودان تحت وصاية الأمم المتحدة. لقد و جدت طرح الكاتب الذي يعتبراستقلال جنوب السودان السبب الجذري للصراع (ص65) غير موفق علي الاطلاق فبالرغم من دفع قوى خارجية مثل الولايات المتحدة بآلياتها الدبلوماسية و مركزها الرائد باتجاه استقلال جنوب السودان؛ فهذا لن يلغي خمسون عاما من نضال شعب جنوب السودان في تحقيق استقلاله الذي حتماً تم بوكالة محلية. إنها حقيقة لا يمكن دحضها فدور شعب جنوب السودان في تحقيق الاستقلال لا يمكن اختزاله في حزب او مجموعة او جهة خارجية. حتي الحركة الشعبية لتحرير السودان التي لم تنتصر في الحرب مثل الآخرين في المنطقة، مثل حركة المقاومة الوطنية في أوغندا (NRM) أو الجبهة الشعبية الثورية الديمقراطية الإثيوبية (EPRDF) والجبهة الشعبية لتحرير إريتريا (EPLF) كما تطرق لها الكاتب فأن دورالحركة الشعبية في قيادة استقلال جنوب السودان اتي من قناعة شعب جنوب السودان بالانفصال. لقد تغيير الخطاب السياسي بعد تمرد الناصر و الذي تبني طرع الانفصال فقام د. جون قرنق بتغيير المنفستو ضمنياً من خلال مؤتمر اسمرا للقضايا المصيرية (1995) و من بعدها ادرج مبداء تقرير المصير في اعلان للمبادئ (1996) و التي ضمنت رسميا في اتفاق مشاكوس الاطاري (2002). فمن غير المنطقي للكاتب ان يربط تحقيق مطلب الاستقلال بالحركة الشعبية لتحرير السودان. الانفصال كاستحقاق شعبوي يتعارض مع منفيستو الحركة الشعبية لتحرير السودان حيث نادت الحركة بسودان علماني ديمقراطي موحد بينما طالب شعب الجنوب بمختلف توجهاته السياسية بالاستقلال.
أخيرًا ، يفتح هذا الكتاب الشيق نقاشاً جاداً حول كيفية حماية الوكالة الافريقية في صنع السلام و تحصين الحلول الافريقية من التأثيرات الخارجية. هذا الكتاب يثري مكتبة دراسات السلام و هو مفيد للباحثين وصانعي سياسات السلام، الذين في بحث مضني عن أسباب فشل صناعةالسلام بافريقيا. فبالمقارنة مع تحفة دوغلاس جونسون في سفره "الأسباب الجذرية للحرب الاهلية في السودان" يأخذ سفر يانغ مكانة رفيعة بتشريحه "الأسباب الجذرية لفشل صنع السلام في السودان" وسيظل مرجعاً رئيسياً لقضايا السلام بالسودان و جنوب السودان.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.