(1)
روي عن الرسول صلى الله عليه وسلم (لا يزال فيكم سبعة بهم تنصرون وبهم تمطرون وبهم ترزقون حتى يأتي أمر الله)، وهم اهل الخير والبركة واصفياء الله، وجاء في تفسير ابن كثير لقوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ۚ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (الرعد41)، حدثنا أحمد بن إسحاق قال: حدثنا أبو أحمد قال: حدثنا طلحة بن عمرو, عن عطاء, عن ابن عباس قال: ذهابُ علمائها وفقهائِها وخيار أهلِها.. وهذه ايام الرحيل للعلماء والفقهاء والأخيار وأهل الإصطفاء والنقاء، وهم كثر من الأخفياء، و أمامهم شيخنا الزبير أحمد الحسن..
غمامة من الحزن تكسو الوجوه وإحساس بالفقد للوطن والقضية والمروءة والنصح الصادع والشجاعة دون هياب..
لم يكن الشيخ الزبير مجرد أمين عام للحركة الإسلامية، وإنما كان تمثل وتجسيد لمعنى (الداعية) لله، في سلوكه المهذب البسيط المتواضع ، وفى إجتهاده المثابر، وفى علمه الموصول، وفى ورعه وتقاه، وفى إخلاصه لقضيته ووطنه..
تولي الحركة في أصعب المراحل وعبر بها عاديات الأحداث دون صخب، وورد بها في رحاب العطاء دون تخاذل، بعزم وإرادة وحسن تدبير، يجمع شتات المواقف ويؤلف بين القلوب ويوادد بين إخوانه وبين الحركات الإسلامية في العالم وبين قطاعات مجتمعية واسعة..
رحل الشيخ الزبير، في نهار الجمعة ١٨ رمضان ١٤٤٢هجرية، بعد أن شاهد حركة الإسلام تعود أكثر تماسكاً وأوسع إنتشاراً واجود أداءً، لقد كسب رهان موقفه حين قال (نموت في السجون ولا نلقى الله بدم امرئ واحد)، رحل بضمير مرتاح وقلب منشرح ونفس رضية لله..
وسيلقي بإذن الله أجر الصابرين، فقد كانت حياته مثالاً للتفاني والبذل، دون ضجر، من سجن لآخر ومن كبد إلى نصب، يسعى لله بكل ذرة في كيانه، قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ ۚ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ ۗ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ ۗ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ (الزمر 10)..
كان عفيف النفس وكريم الخصال، لا يرضي الدنية في دينه ولا يعرف الهوان في أمره، وكل ذلك مع رضا تام وبشاشة وطلاقة، فهو من جيل اختبر الحادثات، لا تهزه المواقف ولا تزحزحه الرياح الهوج، فمن كان قلبه بالثريا لا تهمه عثرات الطريق..

(2)
إن رحيل الشيخ الزبير، وفى هذا المنعطف من تاريخ قضيتنا ووطننا يمثل بعثاً جديداً ومنطلقاً جديداً، نجدد فيه العهد والميثاق، ونتوحد فيه ضد منظومة حكومية وسياسية وعسكرية متوحشة ومغبونة وتفتقر المبدأ، تستهدف إختطاف الوطن بقيمه وأرضه وثرواته وموارده، نكون راس الرمح لأمتنا وشعبنا، وكلما سقط شهيد، كان للرحلة زاداً ومنارة للقاصدين..
رحم الله الشهيد الشيخ الزبير، فقد اعجزني عزاءه.. ولكن حسبنا هذه المواكب التي وقعت بالحضور في مقام الإرتقاء والصعود للمعارج العلية بإذن الله، فقد كان حشد مهيباً، عبر عن محبة وإلتفاف وبعث برسائل شتى :
اولاً : هذا حشد يمثل أطياف المجتمع، فقد جاءت كل التيارات الإسلامية والوطنية وقيادات المجتمع والقوى السياسية الحية، وغابت الحكومة وأحزاب اليسار..
وثانياً: هو حشد للقطاعات كافة، للشيوخ وللشباب، فهو يمثل عمق الحركة الإسلامية بمكوناتها وإرتباطها الوجداني ورسوخ قاعدتها..
وثالثاً : فإن روح الشهيد الزبير ستلاحق ظالميه، حيثما حلوا، غصة في حلوقهم وعار في سجلهم المملؤ بالظلم والإستبداد والتعسف.
ورابعاً: هو تعاهد جديد وتعاقد، بأن الراية ستبقى عالية بإذن الله..
تقبل الله الشهيد الشيخ الزبير أحمد الحسن في الصالحين، وعند الله تجتمع الخصوم.. وحسبنا الله ونعم الوكيل..

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.