بسم الله الرحمن الرحيم
رحيل الخيرين
"جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وازواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب".
ما أوسع الحزن وأضيق الكلمات وأعجز البيان لمن ملأ الحزن عليه أقطار نفسي ولفه بغلالة من التوجع والأسى وهو يودع أحبابا كانوا بالأمس القريب ملأ سمع الدنيا وبصرها فنادتهم الأقدار لميقاتها فذهبوا ونفوسهم راضية.
ليس الذي يجري من العين ماءها * ولكنها نفسي تذوب وتقطر

في سموم سماء الجائحة اللعينة حلق القدر بأجنحة داكنة السواد لينتزع من بيننا رهطا من خيار كرام في قسوة، وإن الله يفعل ما يريد.
هذا وقد بدأ برحيل ذلك التقي النقي العابد الذاكر آناء الليل وأطراف النهار، الذي كان من أوثق الناس صلة بربه واصفاهم روحا وأبلغهم دعاءً، ذلكم كبير الأسرة الشيخ مجذوب عبد المحمود العربي صاحب الوجه المشرق الصبوح، تعلوه دوما ابتسامة مضيئة وعليه سمات الرضا والقبول.
تلاه في رحلة الصعود إلى دار الخلود شقيقه الدكتور بابكر عبد المحمود، أخي وصديقي ورفيق العمر في دروب الحياة، كان بابكر اكثر الناس لأهله مودة وصفاءً، وكله فيض إنساني دافق في نهر الحياة خيرا وعوناً، غاب عن السودان سنينا عددا في بلاد المهجر، ثم عاد كما ذهب بخصاله الحميدة وسجاياه الكريمة ولم تخصم منه الغربة شيئاً، فرحمة الله تغشاه في عليائه سكينةً واماناً.
ولم نستفق من هذا الهول والفقد حتى لحق بهم شقيقهم الآخر الدكتور علي عبد المحمودن ولا نقول إلا "حسبنا الله ونعم الوكيل"، وكأنما هم على موعد للسفر والتلاقي في دار الخلود.
أخي وصديقي وحبيبي علي هو قمر آل العربي، هو شجرة وارفة الظلال غنية الثمار، هو نفس صافية نقية لا تعرف الحقد أو الضغينة كلها سماحة وغفران مملوؤة بالحب والخير والفضيلة.
عايشته بحساب المعاني والسنين دهورا من اللحظات والذكريات التي لا تنسى، يغذيها بكريم أخلاقه، واشهد أني عرفته واصلا للرحم مكرما للضيف ومعينا على نوائب الدهر، وسيبقى فقدي فيه جرحا نازفا وعميقا، ستبقى ذكراه عالقةً في فؤادي ووجداني ما دمت حيا.
هذه زمرة اخيار من بذرة كريمة، فوالدهم الشيخ الوقور الرجل الصالح عبد المحمود الحاج عربي من بقية النفر الابرار الذين مشوا على هذه الأرض هونا ونادتهم الحياة بلسان المحبة والرضا، فهو منارة للهدى والتقى وصاحب سيرة حسنة بين الناس.
ومن هذه النشأة الكريمة خرجت هذه الكوكبة من الأبناء الطيبين الذين ساروا على نهج وهدي والدهم الكريم.
هذا وقد سبقهم شقيقهم عمر عبد المحمود الذي غادر في هدوء عرف به طوال حياته، كان إنسانا هادئ الطبع ساكن النفس عن قناعة وزهد وفلسفة يرى من خلالها أن هذه الحياة ماهي إلا دار عبور إلى دار خلود، فرحمة الله عليه.
كما كان من الراحلين قبلهم صهرهم بن عمتهم أستاذ الأجيال بابكر احمد خلف الله حافظ الانساب وراوي التاريخ مرتل القرآن ومنشد الشعر، وهو مثقف مشمول بالمعرفة، لبق الحديث عامر المجلس يتدفق ادبا وتواضعا وحياءً، فرحمة الله تغطيه بعين الرضا والمغفرة.
لقد تعرضت الأسرة إلى امتحان عسير ونحن إن شاء الله من الصابرين.
هذا وتواصلت رحلة السفر بوفاة السيدة علية إبراهيم احمد عبد الله، تلك سيدة من صالحات النساء، تمثلت كل ما كان عليه والداها، عمنا السيد إبراهيم وعمتنا الجليلة السيدة سكينة، من الكرم والمروءة والتجرد ونكران الذات في تفان وصبر لا يعرف الكلل أو الملل في خدمة الآخرين، وكل ذلك بتمام الرضا والبشر والترحاب.
سيبقى اسم علية خالداً كأيقونة مشعة بالخير والرحمة وكريم أفعالها، فلها رحمة واسعة وقبول حسن من العلي القدير.
أخيرا غادرنا أيضا خالنا العزيز عوض خطاب، الرجل سمح الطباع المتوكل على ربه دوما القانع بما حباه الله به من خير عميم في اخلاقه وسماته الحسنة في القول والفعل، لقد كان الرائد الذي لا يكذب أهله، وقد تحمل ويلات المرض في ثبات ويقين، فرحمة الله عليه.
هكذا يعجز قلمي ويجف مدادي ولا يسعني إلا أن أقول "إنا لله وإنا إليه راجعون".
اللهم ارحم هذه الكوكبة من الاخيار واغفر لها وتولها بعنايتك في من توليت من عبادك الصالحين واحشرهم في زمرة الأنبياء والصالحين جزاء وفاقاً وعطاء دون حساب، اللهم اجرنا في مصيبتنا، اللهم لا تفتنا بعدهم ولا تحرمنا أجرهم.
خالص عزائي وحار مواساتي إلى اخواني دكتور محمد ودكتور عبد المنعم والطاهر وإسماعيل ودكتور هشام وإلى اخواني احمد ومحمد إبراهيم وأسرة خالنا عوض خطاب وبقية النفر الكريم من الأهل والأقارب والله يتولانا جميعا برحمته ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
حسن تاج السر
لندن، ابريل 2021

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.