سأقصر كلامي على الإعلام الإلكتروني فقط ، وذلك لسببين :
الأول هو أن معظم مطالعاتي للإعلام السوداني هو عبر الصحف الإلكترونية ، وغالبا ما أقرأ عناوين الصحف الورقية من نفس المصدر ، لذلك لا أدعي معرفة بالإعلام الورقي معرفة تمكنني من الحكم عليه أو له .
ثانيا : في زماننا هذا تراجع دور الإعلام الورقي لحد كبير ، وهذا ليس خاصا بالسودان ولكنها ظاهرة فرضتها الطفرة التقنية العالمية ، فزمان المثقف أو الموظف الذي يرجع إلى بيته متأبطا كيس الخضار أو الرغيف أو بطيخة بيديه وواضعا تحت ابطه صحيفته المفضلة قد انتهي بنهاية عصر وبداية عصر .
ولعل هناك أسبابا أخرى منها تسارع الأحداث التي أصبحت لا تحتمل انتظار الطباعة في اليوم التالي .
وقد لعبت الصحف الإلكترونية دورا بارزا في صناعة الرأى العام السوداني في الفترة الماضية ولازالت ، ولها نصيب معتبر في توجيه كثير من الناس لما يجري في البلاد وللعباد .
بل إن الصحف الإلكترونية كانت هي النافذة الوحيدة التي تمتعت بكامل الحرية في عهد الدكتاتورية الإنقاذية ، وقد تعرضت في سبيل ذلك للكثير من أساليب اسكات صوتها من تهكير وهجوم فيروسي ، بل خصص النظام المباد كتيبة إلكترونية مهمتها الأولى الرد على الصحف الإلكترونية بمختلف الوسائل بما فيها التهكير وضرب مواقعها ومنصاتها .
لقد كانت هذه الصحف هي الرئة التي يتنفس من خلالها الناس ، ويجدون فيها ما لا يمكن أن يخطه قلم في أي صحيفة في الداخل .
الآن وبعد قيام الثورة ، كان الواجب أن تستمر هذه الصحف بنفس شعارات الحرية التي توشحت بها من قبل .
فهل لازالت هذه الصحف تعمل بنفس شعاراتها ، في عكس آراء الناس ونشرها ولو كانت مخالفة لخط القائمين على أمرها سياسيا وأيدلوجيا .
الحقيقة أن هناك صحفا ظلت على العهد بها ، لم تغير من سياستها تجاه من يخالفهم الرأي وظلت تنشر الرأى والرأى المضاد ، دون أن تحجب شيئا .
وهذا هو المفهوم الصحيح للديمقراطية والحرية .
كلامي هذا لا ينطبق على صحف الأحزاب الإلكترونية فهي مسيسة وتسير في اتجاه واحد لا تغيره ، ولا أحد يلزمها بنشر ما لا يتوافق مع سياسة الحزب أو الجماعة . ولو أن الأمل والمفترض أن تفتح هذه الصحف كغيرها مجالا للرأى الآخر ، ولكن يبدو أننا لم نصل لهذه الدرجة من الوعى السياسي ولا النضج الديمقراطي . خاصة من الجيل الجديد من الشباب الذين لا يقلون تعصبا عن الفكر الذي حاربوه طويلا في عهد الإنقاذ .
فالصحف التي أعنيها هي الصحف التي ادعت ولازالت بأنها صحف محايدة ومستقلة ، صحيح أنه لا يوجد حياد مطلق ، ولا حرية كاملة ، ولكن دعنا ننظر للأمر من منظور مختلف وهو ما بدأت به هذه الصحف من سياسة تؤكد فيها على الأقل احترامها لكل الآراء سواء اتفق معها القائمون على أمر الصحيفة معها أو اختلفوا .
لقد تعود معظم قراء هذه الصحف على حياديتها ونشر الآراء المختلفة فيها ، وبعضها يوفر فرصا للتعليق على الأخبار والمقالات .
انحرفت بعض هذه الصحف مع بداية الثورة وأصبحت صحفا حزبية بالمعنى الضيق للحزبية ، وشكا كثير من القراء من حجب آرائهم وحتى تعليقاتهم ، ففدت بهذا زخما إعلاميا كان يميزها .
وليت ماتنشره يستحق فعلا أن تفرد له الصفحات وتحجب من أجله أخرى ، ولكنه لا يرقي في كثير من الأحيان إلى مصاف ما يجب أن ينشر ، واقتصر بعضها على كتاب بعينهم ، لا تكاد تخلو صحيفة من مقال لهم أو تعليق ، ومع توالي الكتابة من هؤلاء في كل شيء وعن كل شيء أصبحت لدى القارئ حساسية من كثرة " الطلة " التي كما قال أهلنا " تمسخ خلق الله " .
ولعل أي إعلامي مبتدئ يعلم أن معظم نجاح أي صحيفة يكمن في تنوعها وفي تعدد مصادر نشرها ، وفي طرحها للرأي والرأي الآخر .
لا يمنعني هذا من الإشادة ببعض الصحف التي ظلت على العهد بها ، تقدم للقارئ مادة إعلامية حافلة بما يفيد وغنية بما يجده فيها من مختلف الآراء والأفكار .
ما نريده من صحفنا الإلكترونية أن تكون مفتوحة على كل الأفكار والآراء دون تحيز ولا محاباة ، وفي ذلك يكمن سر النجاح والإنتشار .
ويحتاج الأمر لفهم معنى الديمقراطية والحرية ، خاصة لهؤلاء الذين يقومون بأمر الصحف من الشباب الذين يجب أن يعرفوا معنى التحول الديمقراطي بمفهوم صحيح .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.