روزنامة الأسبوع

 

الإثنين
يُمثِّل «الجَّيش»، باعتباره المؤسسة الأكثر منعة وتنظيماً وسط مؤسَّسات مجتمعاتنا التي تعاني من الهشاشة والفوضى، بعضاً من الطُّبوغرافيا المجتمعيَّة؛ كما يُعتبر «ضبَّاطه»، الذين يعكسون الذِّهنيَّة العلويَّة القائدة له، «جزءاً» من فئة «الانتلجينسيا» الاجتماعيَّة العريضة؛ وهو «الجُّزء» الذي يشكِّل، للدِّقَّة، «شريحة الانتلجينسيا العسكريَّة» المكوَّنة من «أقسام» مختلفة تحدِّد خياراتها الغالبة، في نهاية المطاف، خيارات عموم «الجَّيش». لذا، وبالرُّغم من علاقات التَّراتبيَّة القائمة على شرط «الضَّبط والرَّبط » التقليديَّين داخل هذه «الشَّريحة» نفسها، من جهة، ومن جهة أخرى بينها وبين فئة «صفَّ الضُّبَّاط والجُّنود» الذين يشكِّلون عموم «الجَّيش»، فإن مِن الخطل التَّعاطي معها، ومن ثمَّ مع عموم «الجَّيش»، ككيان يتَّسم بـ «الوحدة» المطلقة، استناداً، فحسب، إلى واقع «الاستتباع العسكري» هذا، وتجاهُل أثر الصِّراع الاجتماعي بين «المصالح الطبقيَّة» المتباينة، وانعكاساته على هذه «الشَّريحة»، بوضعيَّتها القياديَّة العلويَّة، علماً بأن هذه «المصالح» لا تتحدَّد بانتماء أفرادها «العضوي» إلى «طبقات» مصطرعة، بل بحسب تأثير ونفوذ الفكر الاجتماعي عليها، تماماً كما هو حال «الانتلجينسيا المدنيَّة».
وهكذا، ليس راجحاً أن «تتوحَّد»، تحت كلِّ الظروف، خيارات «الأقسام» المختلفة المكوِّنة لهذه «الشَّريحة»، ومن ثمَّ خيارات «الجَّيش» الذي تقوده، حيث أن هذه الخيارات تترتَّب، في الواقع، بحسب انحيازات الفكر الاجتماعي «الطبقيَّة» المتباينة، رغم أن بوصلتها غالباً ما تتَّجه، في بلد كالسُّودان، للتَّعبير عن مصالح البرجوازيَّة الصَّغيرة.
مع ذلك، ودون إغفال هذا الواقع، فإن «الجَّيش» يُعتبر، من جهة الاختصاص «المهني»، هو الأكثر ارتباطاً بالمسألة الوطنيَّة. فواجبه الأساسي هو حماية الوطن، شعباً وأرضاً، والدِّفاع عن استقلال الدَّولة وسيادتها، في مواجهة أيِّ عدوان خارجي، حيث من غير المنظور، أصلاً، أن يقوم بهذا الواجب أيُّ كيان مؤسَّسي سواه. لذا، بقدر ما تعمل «الأقسام» الخاضعة، من «الشَّريحة» القياديَّة العلويَّة في «الجَّيش»، لتأثيرات فكر «طبقيٍّ» رجعي، على جعله يذهل عن «مهنيَّته الوطنيَّة»، وصرفه، من ثمَّ، عن واجبه الأساسي،، ودفعه للتَّداخل في استراتيجيَّات الصِّراع الاجتماعي، انحيازاً لخصوم الشَّعب من الشُّموليِّين، أعداء الدِّيموقراطيَّة والحريَّات، وتمكيناً لهم، بقوَّته المادِّيَّة الاستثنائيَّة، من السُّلطة السِّياسيَّة في البلاد، فإن المحتوم، في هذه الحالة، أن ينزلق، وبشكل دراماتيكي، من بين أحضان الجَّماهير، ومحبَّتها، وفخرها، إلى موضع غضبها، وسخطها، ونقمتها، كخائن لتطلُّعاتها، ومدمِّر لطموحاتها، ومجهض لآمالها. والعكس صحيح تماماً، حيث لا يندر أن تتقدَّم، في ذات الوقت، من بين صفوف نفس هذه «الشَّريحة»، لكن بتأثير ونفوذ الفكر الاجتماعي الدِّيموقراطي، «أقسام» أخرى تتخذ جانب الشَّعب، فتصادم هذه الاتِّجاهات المعادية له، وتسعى لاستعادة «الجَّيش» إلى «مهنيَّته الوطنيَّة»، باذلة في سبيل ذلك من التَّضحيات ما لا يقلُّ مهره عن المهج والأرواح. وهكذا، بقدر ما يحسن «الجَّيش» إلى «مهنيَّته» هذه، خصوصاً في ساحات الوغى، أثناء حرب عادلة، بقدر ما يقابل الوطن، بكلِّ قواه السِّياسيَّة، وطاقاته الإبداعيَّة، ومكوِّناته المجتمعيَّة، هذه «المهنيَّة»، بأسمى آيات التَّقدير والعرفان، مترجَمة إلى أتمِّ الاستعداد لتوفير كلِّ الظروف والمعينات المادِّيَّة والمعنويَّة، لتمكينه من ذلك، ولو بالتَّقطيع من الجِّلد .. دون منٍّ ولا أذى!
فقط من هذه الزَّاوية، ومن هذه الزَّاوية وحدها، بعيداً عن أيِّ شعارات صبيانيَّة، أو أيِّ «مرض يساريَّة طفولي»، بالمصطلح اللينيني، يجدر تقدير assessment أداء «الجِّيوش»، واتِّخاذ المواقف منها.

الثُّلاثاء
سبق أن أشرنا، نظريَّاً، إلى أن من شأن التَّعامُل السَّطحي مع شعار «السِّلميَّة»، على نبله، أن يغري بالثَّورة والثُّوَّار أعداءهما من أهل «العنف الهمجي المنفلت»! ومن ثمَّ نادينا بمجابهة مثل هذا «العنف الهمجي»، القائم على «قانون القوَّة» المادِّيَّة البحتة، بما ينبغي أن يكافئه من «عنف ثوري» منظَّم يستند إلى «قوَّة القانون» المفعَّل بعدالة لصالح الثَّورة والثُّوَّار.
واليوم ها دوننا نموذج حي لما ذهبنا إليه في ذلك الطرح النَّظري. فعلى خلفيَّة اكتشاف وجود مئات الجثث لمجهولي هويَّة في مشرحة «مستشفى التَّميُّز الأكاديمي»، بمنطقة الامتداد بجنوب الخرطوم، وقد تحللت بسبب التَّكدُّس وانقطاع الكهرباء عن الثَّلاجات، تصدَّت للأمر لجان المقاومة، وبعض الأجسام المطلبيَّة والمهنيَّة، تطالب بضرورة التَّحقيق الجَّنائي، ومحاسبة من يثبت تورُّطه، كما تطالب بنشر صور وهويَّات الجَّثامين، وأيَّة معلومات تتيح لذويهم الاستدلال عليهم. وفي سبيل تنظيم ومتابعة هذه المطالبة عقدت اللجان والأجسام المذكورة اجتماعاً تنسيقيَّاً بنادي الامتداد، مربَّع/4، أمام المشرحة. فهل ثمَّة ما هو أكثر «سلميَّة» من مطالبة كهذه، ومن اجتماع كهذا؟! للإجابة دعونا ننظر في الكيفيَّة التي تعامل بها معهما أعداء الثَّورة من أهل «العنف الهمجي المنفلت». تجمَّع رتل من عناصر النِّظام البائد، والجَّبهة الإسلاميَّة، والأمن الشَّعبي، وغيرهم من الفلول المدعومة بقوَّات من الشُّرطة، وحرس المستشفى، وغيرهم، مِمَّن تمَّ رصد علاقات تربط بينهم وبين بعض أعضاء مجلس أمنائها، وداهموا الاجتماع «السِّلمي» غير المحروس بأيَّة قوَّة «مادِّيَّة»، وأعملوا في الحضور ضرباً استهدف الوجوه والأطراف، وخلَّف إصابات متفاوتة، بعضها بليغ، وفي غاية الخطورة، حيث ما تزال تجري معالجته، بحسب بيان «رابطة الأطباء الاشتراكيِّين ـ راش» الذي نشرت ملخَّصاً له هذه الصَّحيفة، ومصادر أخرى ورقيَّة وإليكترونيَّة! فهل تذكرون نموذج عمال المناجم في جنوب أفريقيا، عام 2012م، والذين كانوا قد اعتصموا «سلميَّاً» للمطالبة بزيادة أجورهم، فاستدعى الملاك الشُّرطة، و«أمروهم» بإطلاق الرصاص عليهم، مِمَّا أوقع عشرات القتلى، ومئات المصابين؟!
والآن، وبإزاء نموذج «مشرحة الامتداد» الصَّارخ وحده، دَعْ ما لا حصر له من النَّماذج الأخرى، هل، ترانا، نحتاج لأن نؤكِّد، مجدَّداً، على ضرورة أن «يحرس» الثُّوَّار «سلميَّتهم» بتدابير «العنف الثَّوري المنظَّم»، في مواجهة «العنف الهمجي المنفلت»؟!

الأربعاء
تمرُّ بنا، هذا العام الحادي والعشـرين بعد الألفـين، الذِّكـرى الثَّمانون لرحـيل معاوية نور (1909م -1941م)، أيقونة الاستنارة الباكرة في بلادنا، كما أطلق عليه عبد العزيز حسين الصَّاوي الذي، كعادته، لم يفوِّت فرصة الانتباه لأهميَّة هذا المفكِّر، ومن ثمَّ ضرورة الاحتفال بالمناسبة، فنبَّهنا، والحقُّ معه، عبر صحف ووسائط عدَّة، إلى أنه ليس ثمَّة ما هو أنسب من أحد أيَّام فترتنا الانتقاليَّة الحرجة الحاليَّة، لإحياء ذكراه، مقترحاً بعض أبسط ما يمكن فعله على هذا الصَّعيد، كعقد ندوة إسفيريَّة حوله، مثلاً، أو تخصيص جانب من دروس الأدب والفلسفة في الكليَّات الجَّامعيَّة للتَّعريف به، كمفكِّر فذٍّ تبحَّر في فكر الغرب، وفلسفته، وثقافته، وآدابه، لا بمحض الانكفاء على أسطحه الخارجيَّة الملساء، دون تعمُّق يستجلي أهمَّ ميزاته ومخاطره البارزة، وإنَّما بتناولها من منظور نقدي يعين على دعم استدامة الدِّيموقراطيَّة، وترسيخ العوامل المفضية إليها في العقل والوجدان الجمعيَّين.
لم يكتف الصَّاوي بطرح الاقتراح مجرَّداً، بل سلط إضاءة قويَّة على «الجوهرة العبقريَّة الملقبة بمعاويه نور»، قائلاً إنه «ينهض كنموذج لا يضاهي سودانيَّا، وربَّما حتي مصريَّا، أو عربيَّا، في التَّعامل الإيجابي مع منتجات العقل البشري المعرفيَّة والثَّقافيَّة من خلال أحدث خلاصاتها الهاضمة لما سبقها من منجزات الإنسانيَّة». ولكي يقدِّم تعريفاً باهتمامات هذا المفكِّر، يقتطف الصَّاوي من مقال لمعاوية بعنوان «الاستعمار والحضارة»، ضمن كتابه «قصص وخواطر»، تلخيصه لأحد مؤلفات الكاتب الإنجليزي ليونارد وولف بنفس العنوان. وغالباً ما كان اهتمام معاوية بوولف نابعاً من عضويَّة الأخير في الجَّمعيَّة الفابيَّة، وحزب العمَّال، وانتمائه لمجموعة بلومزبري Bloomsbury، وهي منطقة في لندن نُسبت إليها هذه المجموعة التي شملت شخصيَّات مثل رَسْل، وإليوت، وكينز، واعتُبرت مكوِّناً أساسيَّاً في حركة الحداثة البريطانيَّة أوائل القرن الماضي، كما وأنه زوج الرِّوائيَّة الشَّهيرة فيرجينيا وولف. وفي المقال تعرَّض معاوية، برؤية نقديَّة، للحضارة الأوربيَّه في جانبها الاستعماري، كما أورد بعض التَّعليقات الموضوعيَّة، مع مقدِّمة حول مذهب النَّقد الأدبي المسمَّى الإنسانيَّة الجَّديدة New Humanism، بكلِّ ما يقوم عليه هذا المذهب من أبعاد ثقافيَّه وسياسيَّة. واستناداً إلى ذلك يرى الصَّاوي أن «تعامُل معاوية مع الثَّقافة الغربيَّة يخلو من عُقد الدُّونيَّة، إذ تتجلَّي فيه قدرة استيعابيَّة هائلة، بمدى موسوعي يشمل حتي فنون الرَّقص التَّعبيري، والموسيقي الكلاسيكيَّة».
ندعم اقتراح الصَّاوي بلا حدود؛ ولو كان اتِّحاد الكتَّاب في كامل لياقته القديمة لأمكننا تصوُّر تصدِّيه لوضع المشروع موضع التَّنفيذ، لكن الأمل في القيام بهذه المهمَّة يبقى، الآن، معقوداً، إمَّا بـ «مركز الدِّراسات السُّودانيَّة»، أو «مركز الخاتم عدلان للاستنارة».

الخميس
حسناً فعل د. نصر الدِّين عبد الباري، وزير العدل، ببيانه الذي خلخل أعمدة المؤامرة الدَّنيئة المسمَّاة «مشروع قانون جهاز الأمن الدَّاخلي»، مؤكِّداً أنه «لم يصدر من وزارته»، كما أن «الحكومـة الانتقالية ملتزمـة بديموقراطيَّة العمليَّة التَّشريعيَّة التي تقتضي المشاركة الشَّعبيَّة .. وأنها لا يمكن أن تجيز مشروعَ قانونٍ يتعارض مع حقوق الإنسان وحريَّاته الأساسيَّة، أو مبادئ الدِّيموقراطيَّة»!
ليس مهمَّاً، بعد هذا التَّصريح المفصح، أن نعرف، أو لا نعرف، أسماء مكوِّنات الجِّهة التي عمدت إلى وضع هذا «المشروع» الشَّائه، أو اسم الشَّخصيَّة العسكريَّة «المفردة» التي «قيل» إنها رابضة خلفه، طالما أننا متيقِّنون، تماماً، من كونه صدر، في حقيقته، تعبيراً عن رغائب «اللجنة الأمنيَّة» للنِّظام البائد، ولو مجازاً! مثلما نحن متيقِّنون من أنه لن يجوز على الثُّوَّار، كون انحيازاته واضحة إلى حدِّ «الفضيحة»! ولعلَّ أبلغ تعبير عن ذلك قول ياسر عرمان إنه «أشبه ما يكون بأن البشير قد كتبه من سجنه»!
من جهة أخرى جاء «المشروع» تأكيداً إضافيَّاً للانقسام الضَّارب في عمق نخاع الوَهْم الذي يطلق عليه «شراكة الثَّورة»، فـ «الشَّراكة» لا تتحقَّق إن كان أحد «الشَّريكين» قد أرغم عليها إرغاماً! والنتيجة هذا الانقسام النَّكد الذي ما ينفكُّ يُثبت، يوماً بعد يوم، أنه الحائل الأساسي دون إنجاز مهام الفترة الانتقاليَّة، علماً بأنه يستحيل، من غير استكمال هذه المهام، إرساء أيِّ أُساس للتَّحوُّل الدِّيموقراطي المنشود.
أبرز عوار هذا «المشروع» أنه، في حقيقته، تعزيز للاتِّجاه الذي ظللنا ننبِّه إليه، ونحذِّر منه، المرَّة تلو المرَّة، والرَّامي، في نهاية المطاف، لتصوير نظام الحكم في بلادنا، على الأقل خلال الفترة الانتقاليَّة، بأنه «رئاسي» على قمَّته «رئيس جمهوريَّة» بدلاً مِن كونه «برلماني» على قمته «رئيس وزراء»، رغم أن هذا الأخير هو قرار ثورة ديسمبر الذي عكسته «الوثيقة الدُّستوريَّة»، تعبيراً عن الرَّغبة الشَّعبيَّة في العودة إلى خيارنا الوطني منذ فجر الاستقلال، اتِّساقاً مع أحد أهمِّ عناصر واقعنا السِّياسي، وهو عنصر التَّنوُّع والتَّعدُّد الذي يسِمُ، بطابعه الوجودي، مناحي الحياة كلها في بلادنا. هذا، بطبيعة الحال، فضلاً عن العوار النَّاشب في مختلف جوانب «المشروع» الأخرى، كصدوره، مثلاً، باسم «المجلس التَّشريعي المؤقَّت»، علماً بأنه لا وجود لمثل هذا المجلس، بل ولا موقع له، أصلاً، من إعراب «الوثيقة الدُّستوريَّة» الحاكمة للفترة الانتقاليَّة، تماماً كقرينه «مجلس الشُّركاء» الذي سبقه في قائمة «التَّجاوزات» الفظَّة، وقرينته الأخرى التي «اخترعها» كاتب «المشروع» باسم «القيادة العليا لمجلس السَّيادة»، وما إلى ذلك.
في هذا الإطار، وعلى كثـرة ما يمكـن إيراده من ملاحظات، فإننا نقتصر على ثلاث أساسيَّات كالآتي:
الملاحظة الأولى: أن «المشروع» يلتفُّ على هذا الخيار الوطني، من ناحيةٍ أولى، بمنحه سلطة تأسيس «الجِّهاز الجَّديد»، بتوصية من وزير الدَّاخليَّة، لرئيس «مجلس السَّيادة»، الذي هو رأس المكوِّن العسكري، بعيداً عن سلطة «رئيس الوزراء»! ثمَّ من ناحيةٍ أخرى باستتباعه هذا «الجِّهاز»، والسُّلطة الخاصَّة بتحديد فئات منسوبيه، لهذا الوزير نفسه! لكن العوار ما يلبث أن يتبدَّى واضحاً، هنا، بمجرَّد أن نعلم أن هذا الوزير تابع، فعليَّاً، في «الشَّراكة» المزعومة، خلال الفترة الإنتقاليَّة، للجِّهة التي تعيِّنه، والتي هي المكوِّن العسكري في «مجلس السَّيادة»، مِمَّا يعني، منطقيَّاً، استتباع «الجِّهاز»، بدوره، لهذا المكوِّن! فلئن استند منطق هذا التَّشريع، في الوضع الدُّستوري البائد، إلى أن «الجِّهاز» كان تابعاً لقمَّة النِّظام «الرِّئاسي» الذي هو «رئيس الجُّمهوريَّة»، فسلطات هذا الأخير قد آلت، بموجب «الوثيقة الدُّستوريَّة»، إلى قمَّة «النِّظام البرلماني» الذي هو «رئيس الوزراء»، فليس صحيحاً، إذن، اعتبار «المكوِّن العسكري» في «مجلس السَّيادة»، أو حتَّى «مجلس السَّيادة»، مجتمعاً، بمثابة «رئيس الجُّمهوريَّة»، وفق فهم خاطئ نلاحظ الإصرار عليه في ممارسات هذا «المجلس»، وبالأخص «رئيسه»!
الملاحظة الثَّانية: أن «المشروع» يعتبر «الجِّهاز»، بحسب تقليد خاطئ متَّبع، «قوَّة عسكريَّة»، بينما ينبغي أن يُعامل كـ «جهاز مدني»، مثله، في ذلك مثل «الشُّرطة» التي ينبغي أن تُعامل، هي الأخرى، كـ «جهاز مدني»، فيُستتبع كلاهما لوالي الولاية، ثمَّ لـ «رئيس الوزراء». كما أن «المشروع» يضع ما يسمِّيه، وفق هذا الفهم الخاطئ، «قوَّة الجِّهاز»، تحت ما يسمِّيه، أيضاً، «القيادة العليا» لـ «مجلس السَّيادة»! وفي ذلك تجاوز فظ من جهتين: ففضلاً عمَّا أشرنا إليه من ضرورة اعتبار «الجهاز» كياناً «عسكريَّاً»، فإن هيكل «مجلس السَّيادة» نفسه لا يشمل، دستوريَّاً، ما يُعرف بـ «القيادة العليا»، إضافة إلى ما سقنا بعاليه من أنه لا المجلس ولا رئيسه يعتبر «رئيساً للجُّمهوريَّة». وإلى ذلك نرى ضرورة أن تتغيَّر المسمَّيات العسكريَّة لمراتب «ضبَّاط الجِّهاز» إلى مسمَّيات مدنيَّة، وأن يُعهد بتعيينهم، بما في ذلك المدير ونائبه، إلى رئيس الوزراء، وأن تكون لـ «مجلس السَّيادة»، فقط، سلطة المصادقة على هذا التَّعيين.
الملاحظة الثَّالثة: أن «المشروع» يعيد إنتاج أسوأ ما كان يتمتَّع به «جهاز أمن» النِّظام البائد من سلطة اعتقال الأشخاص تحفُّظيَّاً، أو ما يُعرف، أيضاً، بـ «الاعتقال الإداري»، علماً بأن حجم السُّوء الذي لحق، منذ زمن طويل، بسمعة هذا النَّوع من الممارسة السُّلطويَّة، لا يترك أضيق مجال لتبريره، بل إنه أضحى، في شرعة الحركة الوطنيَّة الدِّيموقراطيَّة، منذ زمن طويل، ومن ثمَّ في شرعة الثَّورة والثُّوَّار، مرفوضاً، نهائيَّاً، وبأقصى درجات الحزم. وليس أدل على ذلك من أن حزب المؤتمر البائد نفسه لم يحاول حتَّى الدِّفاع عنه، من خلال شراكته في وضع دستور 2005م، حيث جاءت المادة/1/151 منه لتحصر واجب «الجِّهاز»، فقط، في جمع المعلومات، وتحليلها، وتقديم النُّصح بشأنها لأجهزة الدَّولة المعنيَّة.
لذا، فإن أقلَّ ما يمكن أن توصف به محاولة استعادة نفس السُّلطة القديمة، الآن، لـ «جهاز أمن» ما بعد ديسمبر 2018م، هو أنها لا تمثِّل غير خيانة قميئة لأهداف الثَّورة، ولتضحيات الثُّوار!

الجُّمعة
صدِّق أو لا تصدِّق؛ في روزنامة 25 فبراير 2007م «نعم 2007م!»، خلال «الفترة الانتقاليَّة 2005م ــ 2011م» التي أعقبت «اتِّفاق السَّلام الشَّامل CPA»، أوردتُّ خبراً فحواه أن ثلاثمائة ألف مفصول من الخدمة المدنيَّة والعسكريَّة، لأسباب سياسيَّة، أو بدعوى الصَّالح «العام!»، أو لإلغاء الوظيفة، أو لدواعي الخصخصة، أو إعادة الهيكلة، أو ما إلى ذلك، هدّدوا، في اليوم السَّابق، بتسليم جنسيَّاتهم إلى الأمم المتَّحدة، حالَ اعتراض الجِّهات الأمنيَّة اعتصامهم السِّلمي المزمع تنفيذه أمام القصر الجُّمهوري منتصف نهار 27 فبراير، لتسليم رئاسة الجُّمهوريَّة مذكرة تطالب بإصدار قرار سياسي بإلغاء قرارات فصلهم، وردِّ اعتبارهم مادِّيَّاً ومعنويَّاً؛ كما هدَّدوا، هم وأسرهم، بمقاطعة التِّعداد السُّكاني الذي كان مقرَّراً إجراؤه، آنذاك، وهاجموا قيادات اتِّحاد العمال، والنقابات القائمة، وقتها، كونها محض «روافد للمؤتمر الوطني مهمَّتها الدِّفاع عن النِّظام، وليس عن حقوق العاملين»! وإلى ذلك هاجم المعتصمون القرار الحكومي بإلغاء «الفصل للصالح العام»، وذلك بإلغاء المادة/50 من «قانون الخدمة المدنيَّة»، قبل معالجة الأضرار النَّاجمة عن تطبيقها عليهم، منوِّهين إلى أن قرار الإلغاء ما صدر إلا لتأمين الموالين للنِّظام في الخدمة (الصحافة ـ أخبار اليوم؛ 25 فبراير 2007م).
بعد أن أوردت ذلك الخبر ذيَّلته بتعليق فحواه أنه ناقوس يدقُّ للغافلين عن استحقاقات «العدالة الانتقاليَّة»، إذ بدون أداء هذه الاستحقاقات فإن «الفترة الانتقاليَّة» ستنتهي، دون أن نكون قد «انتقلنا» لغير .. الأسوأ!
كانت تلك الرُّوزنامة قبل أربعة عشر سنة، في عزِّ العهد البائد! أما الآن فإننا نكتفي باستعادتها .. دونما حاجة لإضافة أيِّ تعليق جديد!

السَّبت
أصابت محكمة الاستئناف، تماماً، بقرارها القاضي بإلغاء الحكم الصَّادر بشطب الاتِّهام في مواجهة عثمان يوسف كبر، نائب الرَّئيس المخلوع، حيث أنه، وبرغم اعترافه باستلام مال عام، وتحويله لحسابه الخاص، وعجزه عن توضيح أوجه صرفه، مِمَّا يشكِّل بيِّنة مبدئيَّة كان ينبغي أن توجِّه إليه محكمة الموضوع بموجبها، كموظف عام، تهماً محدَّدة بخيانة الأمانة، فضلاً عن تهم بالفساد، وغسيل الأموال، والثَّراء الحرام والمشبوه، فإنها، بدلاً من ذلك كله، غضَّت الطرف عن اعترافه، بل وزادت ضـغثاً على إبالة، بأن أصـدرت، لا تلوي على شئ، حكمها، لا فضَّ فوها، ببراءته، قولاً واحداً!
صحيح أنه ليس من سلطة محكمة الاستئناف تجاوز «الفصل الموضوعي» في الأحكام المستأنفة أمامها، إلى «المحاسبة الإداريَّة» للقضاة الأدنى على أخطائهم. غير أن رئاسة القضاء، من جانبها، ليست مظنونة في إغلاق عينيها عن بعض الأخطاء التي قد تبلغ من الفظاظة حدَّ التَّجاوز الخشن لمجرَّد الاختلاف المشروع حول التَّقديرات القضائيَّة، إلى ما يثير الشُّكوك، بجدِّيَّة، في دوافع هذه الأخطاء، فلا يُكتفى، إزاءها، عندئذٍ، بمجرَّد «الفصل الموضوعي» في الاستئنافات والطعون، مع الإغضاء التَّام عن مثل هذه الشُّكوك، أخذاً في الاعتبار بالحساسيَّة الاستثنائيَّة التي تكتنف سيرة جهاز شفَّاف كالقضاء!

الأحد
السَّيِّدة نوال جحا، زوجة البروفيسير محمَّد الأمين التُّوم، وزير التَّربية والتَّعليم السَّابق، إمرأة تتمتَّع بقدر كبير من الذَّكاء، والحصافة، وخفَّة الظِّل. وفي التَّكريم الذي نظَّمه له مركز الخاتم عدلان للاستنارة، أرادت أن تضرب مثلاً على شغفه بالبحث، وتأليف الكتب، ووضع الأوراق العلميَّة، فروت أنه، عندما أراد خطبتها، كان خارج البلاد، فبعث إلى والدها بـ «رسالة» من خمس صفحات ذيَّلها بـ .. ثبت مراجع!

***

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.