(1)
في مثل يوم ٢٢ أبريل قبل ٦٥ عاماً انبذر تيراب المؤسسة الديمقراطية الأعلى كعباً في بلادنا وهي النقابة. وبينما تندلق الكتابات مستحقة عن مؤتمر الخريجين في دقائق تكوينه ومنعرجاته ومآثره وكادره وأنديته وخيباته يكاد يجف الحديث عن النقابة التي هي أوسع مؤسسة ديمقراطية أوت إليها جمهرة شعبنا والكادحون منهم بوجه أخص. فلم تبلغ عضوية مؤتمر الخريجين أكثر من الألفين في أحسن أحواله بينما كان جمهور نقابة عمال السكة الحديد وحدها فوق العشرين ألف. فأنظر الغزارة وسوء التوزيع في قول برنارد شو. في كتابتنا عن الحركة الوطنية "حوص" زاغ عن الوطنية العمالية مرة واحدة ليتكاثف عند وطنية الخريجين. وقد نظرت في هذا الحوص في كتابي "حركة وطنية أم حركات وطنية: ما أهمله التاريخ عن جنوب السودان". ويصدر كمقال في الإنجليزية في كتاب عن الاشتراكية الأفريقية هذا العام.

كان يوم 22-4-1946 يوماً حزيناً أطبق بالوجوم على مدينة عطبرة. فقبل صفارة الفطور بربع ساعة أطلق ميرغني فرج، الحداد بورشة العمرة بعطبرة، صرخة جريحة دامية تردد صداها في جنبات الورشة التي كان العمل توقف فيها لتناول وجبة الفطور.كان عبد الحميد قد سحب قطعة حديد ثقيلة من الفرن الحامي لموضع ماكينة المرزبة لتقطيعها. وضع الحديدة على السندان وأمسك بالمقابض. وبدأ عبد الرحيم الدابي تشغيل ماكينة المرزبة للتقطيع. وأختل التوازن بين فرج والدابي فطاحت المقابض بالحداد في الهواء فصرخ تلك الصرخة التي اندمجت بصفارة الفطور.
تمدد فرج شبه الجثة على أرضية الورشة. وأسرع بعض العمال نحو فرج يرددون الشهادة بينما اخذ بعضهم يضرب التلفون يستحث الإسعاف. وتجارى آخرون نحو ورشة الحملة الميكانيكية لانتداب عربة لحمل فرج إلى المستشفى. ولم توفق كل تلك المساعي. ولكنهم وجدوا عربة تخص أسرة الإبس، معلم المقهى المعروف بالمدينة، فأخذت فرج إلى المستشفى غير أن روحه فاضت في الطريق. ونفضت المدينة يدها عن فطورها وكل شاغل آخر. وهرعت إلى المستشفى، ثم إلى المقابر عند حلة القلعة في أعلى المدينة لستر الجنازة في نحو الواحدة ظهراً.
ساء المدينة والعمال موت مواطن وزميل بإهمال مفضوح. فلم يكن عن كثب منهم طبيب يستدعونه، ولا إسعافاً ينتظرونه لحمله إلى المستشفى. ولم يظهر بينهم مسؤول للتعزية أو التلطيف طوال المحنة. وكان أكثر من حزت الحادثة في نفوسهم هم طلاب فصل الأستاذ أحمد مجذوب بدار خريجي المدارس الصناعية (الدار) ومن بينهم الأستاذ على محمد بشير الذي تخرج من مدرسة الصنائع في 1943 وعمره 17 عاماً، وعمل في ورشة العمرة حيناً ثم ورشة المرمة. وتَكَون هذا الفصل في سياق إحياء أدبي وسياسي أثمر عن نشاط حركة مؤتمر الخريجين في المدينة. وربما عاد إلى أيام ندوة الشيخ الطيب السراجً بها التي أمها شيوخ الخريجين بالمدينة وشبابهم. فقد طلب أحمد مجذوب في 1945 من أسرة الدار أن تأذن له بتدريس أعضائها اللغة العربية وآدابها لحصتين في الأسبوع. وكان يدرسهم النحو مستنداً على آي القرآن الكريم وأبيات من شعر العرب من حكم المتنبي وابن تمام، ويطلعهم على مقالات من نثر العربية انتخبه لهم. وعلمهم الخطابة التي ستعين اكثرهم حين أصبح من قادة الحركة النقابية. وامتدت دروس أحمد المجذوب حتى سبتمبر 1946.
كان لفصل أحمد مجذوب حصة في مساء موت الحداد. وتأجلت لغياب أكثرهم عنها. وكان ممن حضروا أربعة هم حسن حمد مسمار، ومحمد عبد الرحمن الملك، واسماعيل بشار، وعلى محمد بشير. وكان الحادث أرخى بظله الحزين على جلستهم. وجاء زميلهم في الفصل صادق عثمان متأخراً وصاح قبل أن يجلس معهم: "يا أخوانا إحنا باكر لازم نكسر الورش". ودار نقاش أعقل بعد ذلك حول ما ينبغي لهم عمله. فأقترح على محمد بشير أن يرفع العمال شكوى لمدير السكة الحديد. وكان التفكير في ذلك ممكناً لأن نشاط مؤتمر الخريجين قد بث وعياً بالحقوق وإرادة السودانيين. وانصرف رفاق الفصل من النادي وبقي صادق الذي تداول الأمر مع الفاضل آدم ومحي الدين زمراوي ومحمد على الكنزي ممن جاءوا من بعد. واتفق الرأي بينهم أن ترفع المذكرة للمدير لجنة ممثلة لكل الورش.
واتفقوا بأنهم بحاجة إلى شخص متقدم في الوظيفة والعمر لييسر للجنة الحديث مع المسؤول. ففاضلوا بين السيد سليمان موسي والسيد عوض هلال وكلاهما كومندة بورشته. ووافق سليمان موسى (الحملة) وزار الدار في مساء اليوم التالي. فلما عرضوا عليه أن يجلس على كرس وثير تأبى وتواضع واختار مقعداً من سائر الكراسي. وتحرك صادق وبعض زملائه في الورش واختاروا لجنة من 13 شخصاً وفيها سليمان موسى. وتكونت من الزين مرحوم (المرمة)، أحمد حسن خطاب (القيزنجية)، عاصم الصافي (العمرة)، محمد أحمد حمد (النحاسين)، قسم الله صباح الخير (المخارط)، عبد القادر سالم (العمليات)، محمد عبيدي بردويل (البرادين)، محمد الحسن خلف الله (الحدادين)، الطيب حسن (المسبك)، عبدالدائم فضل (العربات)، سيد أحمد الصاوي (النجارين)، محمد محجوب عبد الله (الكهرباء). ونكمل في المرة القادمة.

 

الحول الخامس والسبعين لميلاد النقابة: مصرع الحداد ميرغني فرج بورشة العمرة بعطبرة (٢-٢) .. بقلم: د. عبد الله على إبراهيم

في مثل يوم ٢٢ أبريل قبل ٦٥ عاماً انبذر تيراب المؤسسة الديمقراطية الأعلى كعباً في بلادنا وهي النقابة. وبينما تندلق الكتابات مستحقة عن مؤتمر الخريجين في دقائق تكوينه ومنعرجاته ومآثره وكادره وأنديته وخيباته يكاد يجف الحديث عن النقابة التي هي أوسع مؤسسة ديمقراطية أوت إليها جمهرة شعبنا والكادحين منهم بوجه أخص. فلم تبلغ عضوية مؤتمر الخريجين أكثر من الألفين في أحسن أحواله بينما كان جمهور نقابة عمال السكة الحديد فوق العشرين ألف. فأنظر الغزارة وسوء التوزيع في قول برنارد شو. في كتاباتنا عن الحركة الوطنية "حوص" زاغ عن الوطنية العمالية مرة واحدة ليتكاثف عند وطنية الخريجين. وقد نظرت في هذا الحوص في كتابي "حركة وطنية أم حركات وطنية: تاريخ ما أهمله التاريخ عن جنوب السودان". ويصدر كمقال في الإنجليزية في كتاب عن الاشتراكية الأفريقية هذا العام.
في الحلقة الماضية رأينا كيف كان مصرع الحداد ميرغني فرج بورشة مرمة السكة حديد بعطبرة في يوم ٢٢ إبريل ١٩٤٦ بغير صحة مهنية مسعفة سبباً لتحرك جماعة من العمال خريجي مدرسة الصنائع من دارهم (دار خريجي مدرسة الصنائع) لخلق هيئة تحمل شكواهم عن المعاش وغيره لمصلحة السكة حديد. وكونوا لجنة للغرض. وارتبطت هذه الحلقة بموظف عضو بمؤتمر الخريجين هو محمد مجذوب تطوع بتدريسهم اللغة العربية والخطابة. وهذا أثر للخريجين على الحركة النقابية قل بحثه.

واجتمعت اللجنة مساء 27-4-1946 بالدار وترأس الاجتماع صادق عثمان من فصل محمد مجذوب بسند من محي الدين زمراوي (اشتهر بعد بمراسلة جريدة الصراحة اليسارية) وزميله في الفصل الفاضل أدم.. وتوزع الاجتماع المسئوليات. فكانت الرئاسة لسليمان موسي (الجملة الميكانيكية) فتنحى له الصادق وأجلسه على منصة الرئاسة. واتفق المجتمعون على كتابة مذكرة لإدارة السكة الحديد تخطرهم بقيامها وتطلب موعداً للاجتماع بها. واتفقت أيضاً على تنوير العمال بقيامها وأن تشاورهم في الاسم والاشتراكات. وبعد نهاية الاجتماع جلس زملاء مدرسة أحمد مجذوب بمكتبة الدار لصياغة وقائع الاجتماع. كان الصادق يملي، وعلي محمد بشير (رئيس النقابة في ١٩٦٢ والنائب البرلماني عن عطبرة في ١٩٦٥) يكتب بخط جميل، وصنعوا منه صورة أخرى للحفظ.
استقبل العمال اللجنة بترحاب. فهي القوة المعادلة لقوة الإدارة وشرائح العمال العليا التي أرهبت الآخرين. وفي اجتماعها الثاني سمت الجماعة نفسها هيئة شئون العمال. وقررت الاشتراك عبارة عن 25 مليماً إلى 50 مليماً في الشهر. ومن الطريف أن حزب العمال البريطاني علم بتكوين اللجنة وطلب من مراسل صحفي عمالي أن ينزل بالخرطوم وهو في طريقه إلى جنوب افريقيا ليتحرى الأمر. وجاء الصحفي إلى عطبرة والتقى بعبيدي بردويل السكرتير وواصل رحلته. ثم سقطت طائرته في طريقه للندن ومات التحقيق معه. ونقل مستر وولف ملاحظ ورشة البرادين الخبر لعبيدي قائلاً: "ما فيش بخت."
ما الذي توصلت إليه هيئة شئون العمال بخصوص الحداد الذي لقي حتفه؟ احيلت القضية لسلطة المدينة. فكونت لجنة من مفتش المركز ومامورها السوداني وغيرهم. وجاؤوا لورشة المرمة لتمثيل الحادثة لهم. وقيل إن المامور ضخم الجثة سرعان ما اديرت الماكينة قال:"هوب" واطلق ضحكة مجلجلة. وعرف الناس فحوى ذلك لاحقاً حين نسب الغلط للعامل المرحوم، وعوضوا أسرته مبلغ عشرين جنيه. وأستاء العمال وسخروا من هيئتهم الصامتة. وسموها "هيئة شئون الألعاب" يكتبونها بالطباشير في انحاء الورش.
وسارت هيئة النقابة سيرتها المعروفة. ونقلت للقارئ هذا الخبر عن خميرة أول نقابة للعمال في البلاد من كتاب صدر للمرحوم على محمد بشير. وسيرى القارئ غياب من اشتهروا بيننا من نقابيّ عطبرة من مشهد البذرة الأولى للنقابة. فلن تجد قاسماً ولا الشفيع. وحدث هذا كله قبل سفرة أستاذنا عبد الخالق محجوب إلى مصر في ١٩٤٦ وزيارته الأولى لها في ١٩٤٧ . ولا يطعن هذا مقدار نملة في مساهمة الشيوعيين الغراء في بناء نقابة عمال السكة حديد. بل لن نفهم دورهم على وجهه الصحيح بغير نظر في دور فصل أحمد مجذوب في بذر البذرة الأولى للنقابة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.