أن قضية قبول الطلاب للجامعات التي حدث فيها إخلال حقيقي بالموروث الذي كان سائدا في كل نظم الحكم في السودان، حيث خصصت الجامعات الحكومية نصف المقاعد للإستثمار علي حساب الطلاب المتفوقين و الفقراء، هي حالة جديدة تمر علي السودان، تعاطف أغلبية الشعب السوداني مع الطلاب المتفوقين، و يجب علي الدولة أن تجد لهم مقاعد للدراسة في الجامعات الحكومية التي تمول من دافعي الضرائب السودانيين، حيث ظهرت إرهاصات تقول أن التعليم بعد المرحلة الثانوية في الدول الغربية أي في " الجامعات و المعاهد العليا" غير مجاني بل الطالب يدفع كل مصروفات الجامعة و الرسوم. هذا صحيح لكن كيف يكون الدفع، و ما هو دور الدول تجاه عملية الدراسة ما بعد الثانوي.
أجعلونا نضرب مثلا بأستراليا و التعليم ما بعد الثانوي، كل التعليم ما بعد الثانوي في استراليا يجب أن يتحمله الطالب، و ليس أسرة الطالب كيف؟ يتقدم الطالب عندما يصل " grade 12 " في ولاية كوينزلاند باستراليا إلي مكتب المناهج و القبول " َQCAA _ QUEENSLAND CURRICULUM ASSESSMENT AUTHORITY" و يكتب الطلب و الطالبة رغباتهم في الكليات التي يريدون الدراسة فيها، إذا كانت في الكليات العلمية التطبيقية، أو الكليات الاجتماعية، و يتم توزيعهم، و ليس هناك تمييز بين الفقراء و الأغنياء في التقديم أو حتى الرسوم الجامعية، الفارق الوحيد أن الغني يدفع الالتزامات المالية مباشرة أو بعد الانتهاء من الجامعةمباشرة، و الفقير يأجل له الدفع حتى بعد التخرج و التوظيف، علي أن يصل مرتبه 40 الف دولار في السنة، و يتم منه الخصم بدفع 2% سنويا، و هي تستقطع عندما يقوم الفرد كل سنة بتسوية الضرائب مع الحكومة، دائما يكون هناك راجع يدفع للشخص من خلال استقطاعات الضرئب، و من خلال هذا الراجع يتم استقطاع اقساط الدراسة، و معلوم كل الاستراليين يتنافسوا من خلال التفوق، و ليست هناك مقاعد مخصصه وفقا للدخل المالي. كما أن المدارس الحكومية في استراليا هي المدارس المتفوقة. فالمدارس الخاصة هي غالبا مدارس دينية مثل المدارس الاسلامية و الكاثوليكية و البروتستانتية و غيرها، فالمسلمين يعلمون أطفالهم في المدارس الإسلامية في مرحل محددة حتى يتعلموا الإبجديات الدنية حفظ جزء عم و تبارك و تعليم اللغة العربية و كيفية الصلاة. ثم يحولونهم إلي المدارس الحكومية.
عند دخول الطلاب الجامعة هل تتحمل الأسرة مصاريف الدراسة الأخرى من مراجع و دفاتر و أقلام و ذهاب و إياب و غيرها، أن الحكومة الفدرالية هي التي تتحمل ذلك من خلال مكتب الدعم الاجتماعي، حيث يقدم الطلاب لمكتب الدعم الاجتماعي و تصرف لهم إعانات كل سبوعين لمواجهة احتياجاتهم المعيشية و حتى السكن، و هذه الأموال لا تنقطع حتى بعد انتهاء الدراسة في الجامعة، و يتوقف الدعم بعد ما يجدون عملا، و هي أموال لا ترد. أما المراجع الغالية جدا تجد أن الكلية توفر أعداد منها في الجامعة يمكن استلافها من المكتبة، أو تصويرها بشيء رمزي لا يشعر الطلاب به. فالتعليم العالي بعد الثانوي للكل ليس مجانا و لكن لا يشعر أي شخص أنه يستقطع منه سنويا، و لماذا سنويا لأن تسوية الضرائب هي التي تحدد هل يستقطع من الشخص، أم يؤجل لفترة أخرى يتجاوز فيها راتبه 40 ألف دولار استرالي في السنة، و أن كان الذين يتخرجون من الجامعات يحصلون علي هذا المبلغ بيسر. إذن فارق المقارنة كبير بين أن تقول أن التعليم في السودان يجب أن يتحول إلي استثمار و بين أن يكون مدعوما من الحكومة، إذا استطاعت الحكومة السودانية أن توفر الذي ذكرته عليها أن تحول كل التعليم بعد الثانوي بالدفع، لكن كل الشعب يواجه حياة شبيهة بالمجاعة، و نقص في مواد الإعاشة، و تريد أن تحرم الأسر حتى أن تفرح بنجاح أبنائها المتفوقين، اعتقد الذين يحاولون أن يناصروا مسألة أن يكون التعليم في الدول الأوروبية لا يعرفون شيئا عن الدعم الذي يجده الطلاب من قبل الحكومة، و هؤلاء يعيشون علي هامش المجتمعات و يريدون أن يتشدقوا فقط بأشياء سماعية، إذا كانت الحكومة قد أقرت في أتفاقية جوبا أن يعفو طلاب دارفور من الرسوم الجامعية هذه المسألة يجب أن تعمم لكل أبناء الوطن الفقراء الذين لا يجدون ما يعيشون به، أو أننا نحاول أن نخلق تمييزا في المجتمع، هو الذي يزعزع السلام الاجتماعي. و الغريب في الأمر سمعت نقد السيد عمر الدقير رئيس حزب المؤتمر السوداني لهذه السياسة في وزارة التعليم العالي، و حزب الدقير هو ممثل بوزيرين و عدد من الولاة في سلطة الفترة الانتقالية و هم مسؤولين مسؤولية مباشرة من هذه السياسة، و يجب عليهم مناقشتها داخل الحكومة إذا كانوا بالفعل يعارضون هذه السياسة، و ليس الحديث في وسائل الإعلام. نسأل الله حسن البصيرة.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.