في 11 سبتمبر 2020م أصدر الكونجرس الأمريكي قانون بعنوان " قانون الانتقال الديمقراطي في السودان و المساءلة و الشفافية المالية للعام 2020م" و هو قانون يهدف إلي دعم الانتقال الديمقراطي في السودان حيث يتطلب مشروع القانون من وزارة الخارجية الأمريكية تقديم استراتيجية تفصل الدعم الأمريكي لعملية انتقالية نحو حكومة بقيادة مدنية في السودان، كما يعرب عن دعم المشرعين الكبير لتقديم مساعدات تسهل العملية الانتقالية السياسية. كان هذا القانون هو عنوان الندوة التي قدمها " Sudan Economic Forum" و استضاف فيها الدكتور عبد العزيز سليمان كمتحدث رئيس في الندوة إلي جانب عددا من المعقبين. كانت الندوة علي خدمة " iphone" هي حصريا علي هذا التلفون، و يمكن الدخول لها فقط لحامين جهاز " iphone" و كان الحضور كبيرا من قبل شباب سودانيين يتجاوز الاربعين من دول مختلفة في العالم و كان بإدارة كل من هويدا نديم و إيمان الشريف و عبد المطلب مكي و آخرين. و هنا أشكر الدكتورة إيمان الشريف التي تقيم في بريطانيا و دعوتي لحضور المنتدى، و للأسف أنني لم أحضر أغلبية حديث الدكتور عبد العزيز سليمان لكن حضرت كل المداخلات التي قد تمت من قبل شباب متابعين للسياسة السودانية ليست علي النطاق المحلي داخل السودان، و لكن كل ما يقال و يكتب عن السودان في دول العالم، و ذلك يساعدهم كثيرا علي التحليل السياسي الرصين.
أن الشباب المؤسسين للمنتدى الاقتصادي السوداني " Sudan Economic Forum" هدفوا من وجهة نظري إلي خلق حوار بين الشباب السودانيين في شتى بقاع العالم حول الموضوعات المختلفة لكي تقود في النهاية إلي بلورة أفكار جديدة تهدف لخلق وطن بمعالم جديدة من خلال عملية التحول الديمقراطي. و تبين ذلك من خلال مداخلاتهم العديدة، و رغم أن محور النقاش هو قانون الانتقال الديمقراطي الذي أصدره الكونجرس الأمريكي لكنهم فتحوا موضوعات شتى يعتقدون أن فتح ملفاتها مسألة ضرورية، لأنها تساعد علي قيام و تأسيس بناءات و مؤسسات سياسية حديثة و متطورة، لكي تصبح قاعدة متينة لمعلية التحول الديمقراطية. و في ذات الوقت؛ أيضا تطرقوا إلي حديث المستشار الألمانية أنغيلا ميركل عندما زار حمدوك ألمانيا، حيث قالت أن السودان في حاجة للدعم لكي تتم عملية التحول الديمقراطي، و قالت يجب علي السودانيين فتح طريق السلام و الديمقراطية في البلاد و إعادة بناء اقتصاده" و طريق الديمقراطية و السلام يتعلق بمشروع كيف يحدث التوافق الوطني في السودان.
أن قضية الانتقال الديمقراطي في السودان ليست جديدة في أجندة الإدارة الإمريكية، بل هي رؤية الأمرييكين المهتمين بالسودان منذ استولت الجبهة الإسلامية علي السلطة في السودان، و كنت قد تطرقت لها من قبل في عدد من المقالات. في منتصف تسعينات القرن الماضي أسسنا في القاهرة " المركز السوداني للثقافة و الإعلام" و كنت مديرا للمركز و نظمنا مهرجانين للثقافات السودانية في القاهرة الأول كان في الجامعة الأمريكية و الثاني كان في نادي الجزيرة بدعم من مؤسسة فورد فونديشن " Ford Foundation" و بعد نجاح المهرجان الأول الذي كان في الجامعة الأمريكية و كان قد حضره السفير الأمريكي و عدد من القائمين بأعمال السفارة وإلي جانب مؤسسات أخرى تابعة لهم، جأتني دعوة لحضور غداء عمل في فندق شبرد القاهرة من مديرة البرامج الثقافية في مؤسسة فورد كريستينا ديفيز.كان الحوار عبارة عن تقييم للمهرجان، و لكن الحديث تطرق للشأن السياسي في السودان و سوف اتطرق عليه بشكل مختصر، تحدث فيه مدير قطاع الدراسات الأفريقية في الجامعة الأمريكية في ذلك الوقت، و قال "أن السودان يستطيع أن يلعب دورا محوريا في عملية الاستقرار و السلام في المنطقة الأفريقية، و قال أن موقع السودان الاستراتيجي يساعده لكي يكون الدولة الأولي في المنطقة، و ذلك لأنه يربط القارة من جميع الاتجاهات، إلي جانب صلته بمنطقة الشرق الأوسط، لكن يجب أن يحدث في السودان استقرار سياسي و نهضة في مجال التنمية، إذا استطاع أن يحقق هاتين، يستطيع أن يكون محور أهتمام دول العالم." ثم قالت الدكتور كرستينا "أن مشكلة السودانيين حتى الآن لم يستطيعوا أن يحددوا سلم أولوياتهم، و لم يكتشفوا المؤهلات التي تستطيع أن تقدمهم كدولة مهمة في المنطقة تستطيع أن تلعب أهم دور في السلام و السلم الاجتماعي في منطقة أفريقيا، و أضافت قائلة أن السودان لديه كنوز كبيرة ليست التي في باطن الأرض، بل السودان دولة متعددة الثقافة و متداخلة هذه الثقافات مع عدد من دول الجوار، من خلال هذا التنوع و إدارته و توظيفه يستطيع السودان أن يقدم نفسه للعالم كدولة مهمة في صناعة السلام في المنطقة، لكن النخبة السودانية تتجاهل كل ذلك، و تريد أن تكون مكانتها في الشرق الأوسط ،و لن يستطيع السودان أن يصنع لنفسه المكانة التي يريدها في الشرق الأوسط، بسبب تعدد الدول المتنافسة هناك، و إمكانيات بعضها المالية، لكن استخدام الثقافة في صناعة السلام في المنطقة سوف تجعله رقما مهما و أيضا يؤهله في المستقبل أن يكون رقما في كل مكان" ثم تحدث بعد ذلك السفير و قال "لكن ما هي الأدوات التي تصنع هذا التحول، قال أن الجبهة الإسلامية تعتبر من الأحزاب الحديثة و تضم في عضويتها قطاع واسع من المتعلمين و هناك عدد كبير منهم تعلموا في المؤسسات الأكاديمية الأمريكية و الغربية، لكنهم لا يستطيعوا أن ينجحوا لوحدهم في الحكم و منع الآخرين، و قال أن استقرار السودان لا يتطلب مجموعة واحدة تستفرد بالحكم، هو في حاجة إلي قوتين متصارعتين واحدة تكون في الحكومة و الأخرى في المعارضة في إطار حكم ديمقراطي، لآن الديمقراطية تعطي مساحة واسعة لتبادل الأفكار، و تساعد المؤسسات الأكاديمية أن تجري بحوثها و دراساتها الاجتماعية بحرية كاملة دون مؤثرات سلطوية و يستفيد منها صناع القرار، كما أن الديمقراطية و حرية الصحافة و الإعلام تساعد علي زيادة رقعة الشفافية في الحكم. و قال أن السودان يحتاج إلي تحديث حقيقي في مؤسساته الحزبية، لذلك قال أن الحزبين التقليديين " الاتحادي الديمقراطي – الأمة القومي" هي أحزاب شاخت و هرمت، و أصبحت أدواتها غير فاعلة، إما أن يحدث فيها تجديد حقيقي تصعد علي قمتها قيادات جديدة بأفكار جديدة تستطيع أن تستقطب أكبر قطاع من القوى الحديثة في المجتمع، أو أنها سوف تتلاشي بمرور الزمن، و لذلك كان يعتقد أن تتحول الحركة الشعبية لحزب سياسي و تطرح نفسها كقوى تستطيع أن تستقطب شباب الهامش لكي تخلق المعادلة مع الحركة الإسلامية، لكن هذه لابد أن تتم بتسوية سياسية و ليست بقوة السلاح. و أضاف قائلا أن البناء الديمقراطي يحتاج إلي أحزاب قوية تجدد قيادتها باستمرار لكي تجذب قطاع واسع من الشباب يدخل الساحة السياسية" لذلك تجدون ؛أن فكرة الانتقال الديمقراطي في السودان هي فكرة قديمة في أجندة الإدارة الأمريكية.
و هذه الفكرة نفسها تؤمن بها الدول المهمة في أوروبا، و لذلك لم تتردد المستشارة الألمانية في تذكير الناس بها كل مرة. و لماذا أمريكا و الدول الأوروبية الأخرى تريد أن يحدث تحول ديمقراطي حقيقي في السودان؟ لأنها تعتقد أن السودان دولة تعدد و تنوع لا يصلح فيها إلا النظام الديمقراطي، و هي أيضا على قناعة أن السودان يمتلك ثروات كبيرة جدا، و الاستقرار يعد أهم ركائز التنمية و استقطاب الأموال للإستثمار فيه، لذلك أمريكا و بعض الدول الأوروبية لا تريد أن تدفع أموالا تذهب لجيوب نفر قليل من القيادات السياسية الحاكمة، و يظل الشعب في فقره، أن التحول الديمقرطي يحتاج إلي توافق وطني و جمع أكبر قاعدة أجتماعية حوله، لكي يحدث الاستقرار و يحتاج أيضا إلي إصلاح يتم داخل الأحزاب السياسية جميعها حتى تكون مؤهلة أن تلعب دورا مهما في عملية التنمية و الاستقرار السياسي في البلاد. أن ترسيخ الديمقراطية في أي مجتمع يتم باحترام القوانين و أحترام الرآي الأخر و توسيع دائرة المشاركة في السلطة و صنع القرار. و لابد من وضع حد للصراع الأيديولوجي الإقصائي الذي يحدث الأن بين القوى الأيدلوجية في الساحة. يقول جورج طرابشي في كتابه " في ثقافة الديمقراطية " أن مقولة اليمين و اليسار هي بالأساس مقولة صراعية، إلا أن الديمقراطية تقدم لهذا الصراع إطار أكثر سلمية و أكثر اعتدالا بكثير من ذلك الذي يتلبسه في ظل الأنظمة اللاديمقراطية" و يضيف قائلا " أما التطرف، يمينا أو يسارا، فهو مشروع الخصم و مبدأ التناوب معا. و من هنا خطورة التجذير الأيديولوجي في صراع اليمين و اليسار. فالأيديولوجية هي بالتعريف نظام مغلق، و ناف لكل نظام أخر من الأفكار" إذاٍ السودان الآن في مرحلة تحول سياسي اجتماعي يحتاج إلي لأفكار التي يؤسس عليها التوافق الوطني الذي يعد أرضية لعملية الاستقرار السياسي و الاجتماعي، و البعد عن التشطط.
أن فكرة المنتدي الاقتصادي السوداني للحوار في ملفات عديدة فكرة جيدة و كل ما توسعت دائرة الحوارات بين الشباب بعيدا عن التشطط، و استخدام شعارات الإقصاء و التطرف كان الناس أقرب إلي الديمقراطية، معلوم أيضا أن البلاد حكمت ثلاثين عاما بنظام شمولي خلف ثقافة في المجتمع من الصعوبة تجاوزها، لذلك الحوارات في منابر متعدد هي بمثابة إنتاج للثقافة الديمقراطية التي تنداح علي الثقافة الشمولية و تحاصرها. نسأل الله حسن البصيرة.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.