أحداث الفاشر ودموع التماسيح

lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال

الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة منكوبة، بل مرآة تعكس بشاعة ما وصل إليه السودان من انحدار إنساني وسياسي. الدماء التي تسيل في طرقاتها لا تروي فقط حكاية الحرب، بل تفضح ازدواجية الضمير الجمعي الذي ما زال عاجزًا عن مواجهة نفسه. فمن كانوا بالأمس يرفضون العدالة بحجة السيادة الوطنية، صاروا اليوم يذرفون دموعًا غزيرة على ضحايا الفاشر، وكأنهم لم يكونوا شركاء في صناعة المأساة. إنها دموع التماسيح التي تفيض على الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، دموع لا تُبنى على الألم بل على الحسابات السياسية. فالأيدي التي عطّلت العدالة بالأمس هي ذاتها التي تتباكى اليوم على غيابها. حين طالب العالم بتسليم عمر البشير إلى المحكمة الجنائية الدولية، قيل لنا إن ذلك مؤامرة غربية لتقسيم السودان، وإن محاكمة البشير تمثل انتكاسة للسيادة الوطنية وكرامة الشعب. ولكن الحقيقة أن الذين رفعوا تلك الشعارات لم يكونوا يدافعون عن السودان، بل عن أنفسهم، لأنهم كانوا يخشون أن تطالهم يد العدالة يومًا ما. ولو أن البشير وزمرته قُدموا للمحاكمة في لاهاي حينها، لما تجرأ أحد اليوم على ارتكاب هذه الجرائم في دارفور أو في أي بقعة من السودان. فالإفلات من العقاب كان وما زال هو الوقود الذي يغذي آلة القتل. كل من حمل سلاحًا ضد الأبرياء اليوم، فعل ذلك وهو يعلم أن من سبقه أفلت من العدالة، وأن الدولة التي تحكمها المصالح لا تحاكم القتلة بل تكافئهم بالمناصب. إن المأساة السودانية ليست فقط في القتل، بل في التواطؤ الصامت، في عيون تعرف الجاني وتبحث له عن مبرر، وفي مثقفين يكتبون بيانات التبرير بدلًا من بيانات الإدانة. وحين سقطت الفاشر، لم تبكِ النخبة على الضحايا بقدر ما بكت على خسائرها السياسية، ولم يصرخ أحد من أجل العدالة إلا حين مسّت النار مصالحه الخاصة. الفاشر اليوم تدفع ثمن صفقات الأمس، وثمن التواطؤ الجماعي الذي جعل دماء دارفور مادةً للجدل وليست صرخةً للضمير. كل جريمةٍ لا يُعاقب مرتكبها تتحول إلى بذرةٍ لجريمةٍ أكبر، وكل صمتٍ يُمنح للقاتل يصبح رخصةً جديدة لسفك الدماء. لذلك، لا غرابة أن تتكرر المآسي، لأننا لم نتعلم بعد أن العدالة ليست ترفًا سياسيًا، بل هي الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية. حين نتأمل جذور المأساة السودانية، نجد أنها لم تبدأ من سقوط الفاشر، بل من اليوم الذي قُتل فيه الضمير الوطني على أيدي الساسة الذين جعلوا العدالة جريمة، والمجرم بطلاً قوميًا. منذ أن اندلعت حرب دارفور في بداياتها، كان المجتمع الدولي يصرخ مطالبًا بالعدالة، فيما كانت النخب السودانية تتوارى خلف شعارات السيادة والاستقلال، وكأن السيادة تُحفظ بالتستر على القتلة لا بمحاسبتهم. هؤلاء الذين وقفوا ضد تسليم عمر البشير للجنائية الدولية لم يفعلوا ذلك حبًا في الوطن، بل لأنهم كانوا يدركون أن ملفات الجرائم لا تتوقف عند حدود الرئيس، بل تمتد لتشملهم جميعًا، من الساسة إلى القادة العسكريين الذين صنعوا آلة الموت بأيديهم. لقد استخدموا الوطنية كستارٍ كثيفٍ لإخفاء خوفهم من العدالة، وبدلًا من أن يقفوا إلى جانب الضحايا، وقفوا إلى جانب القتلة، فصنعوا جدارًا سميكًا من التبريرات والأكاذيب. قالوا إن تسليم البشير مؤامرة، وإن المحكمة الجنائية أداة استعمارية جديدة، لكنهم لم يقولوا لنا لماذا لم يُقدِّموا هم محكمة وطنية عادلة تُنصف الضحايا وتردّ المظالم. كانوا يريدون الإفلات من العقاب بأي وسيلة، فاختاروا طريق الشعارات ليغطوا على عجزهم الأخلاقي. ومنذ تلك اللحظة، بدأت العدالة تغيب عن الوعي الجمعي للسودانيين، وتحولت فكرة المحاسبة إلى تهمة. كل من تحدث عن القصاص وحقوق الإنسان ووقف الجرائم، وُصف بأنه عميل أو تابع للغرب. ومع مرور السنوات، أصبح الإفلات من العقوبة ثقافةً عامة، يترقى بها المجرم في المناصب بدل أن يُحاسب، ويتحدث القاتل باسم الوطنية بينما الضحية تُدفن بصمتٍ تحت ركام النسيان. وحين سقط نظام البشير، ظن البعض أن العدالة ستعود أخيرًا، وأن ضحايا دارفور سيجدون الإنصاف الذي حُرموا منه، لكن شيئًا من ذلك لم يحدث. فالعقول ذاتها التي رفضت العدالة بالأمس، هي التي عادت لتتحكم في المشهد من جديد. لم يتغير شيء سوى الوجوه والشعارات، أما الذهنية فبقيت كما هي: الخوف من مواجهة الحقيقة. حين تغيب العدالة، يصبح الوطن بلا قلب. وعندما يُدفن الحق تحت رماد السياسة، يتحول التاريخ نفسه إلى جريمة متكررة. السودان اليوم يعيش في ظلال عدالةٍ مفقودة، عدالةٍ كان يمكن أن تغيّر وجه البلاد لو أُقيمت في وقتها. لو تمت محاكمة عمر البشير وزمرته، لكان السودان قد خطا أولى خطواته نحو المصالحة الحقيقية مع ذاته، ولكانت دارفور اليوم تنعم بالأمن بدل أن تُغرقها الدماء من جديد. العدالة ليست رغبة انتقامية كما يروّج البعض، بل هي فعل تطهير وطني يُعيد للناس ثقتهم في الدولة. فحين يشعر المواطن أن الدولة قادرة على محاسبة أقواها، يكفّ عن حمل السلاح، ويؤمن أن القانون وحده كفيل بحماية كرامته. لكن ما حدث في السودان كان العكس تمامًا: تركنا المجرمين دون عقاب، فاستبدل الناس القانون بالانتقام، والعدالة بالثأر، والضمير بالصمت. في لحظةٍ فارقة من التاريخ، كان يمكن للسودان أن يسلك طريقًا مختلفًا. فالعالم قدّم لنا نموذج رواندا بعد الإبادة الجماعية، حين اختارت أن تحاكم القتلة لا أن تبرر لهم. اختارت العدالة طريقًا للسلام، فخرجت من ظلمة الحرب إلى نهضةٍ وطنيةٍ شاملة. وكذلك فعلت جنوب أفريقيا حين واجهت ماضيها عبر لجان الحقيقة والمصالحة، فطهّرت الجراح بدل أن تُخفيها. لكن في السودان، اختروا طريق النسيان، فكانت النتيجة أن الجراح صارت تتقيّح في جسد الوطن حتى صرنا اليوم في الفاشر نرى المشهد ذاته يتكرر، بوجوه جديدة وأسماء مختلفة بنفس الأدوات القديمة عرب علي زرقة، لكن بذات البشاعة. إن غياب العدالة لم يُضعف فقط إيمان الناس بالقانون، بل دمّر فكرة الدولة نفسها. صار المجرم يثق أنه محميّ، وأن أقصى ما سيناله هو العفو السياسي أو التسوية، بينما الضحية تُترك لمصيرها. هكذا تُبنى دول الظلم، وحين تُبنى على الظلم فإنها لا تصمد طويلًا. ولأن العدالة لم تتحقق بالأمس، صار كل طرف في الصراع اليوم يحمل سلاحه باسم “الردع” و”الدفاع” و”الثأر”، بينما في الحقيقة هي كلها أسماء مختلفة للانتقام. دارفور التي صرخت منذ عقدين طلبًا للإنصاف، لم تجد سوى التجاهل والوعود الزائفة. والآن، حين سقطت الفاشر في قبضة النار، استيقظ البعض فجأة يطالبون بالعدالة التي رفضوها من قبل، وكأنهم لم يدركوا أن كل دمٍ سُفك في دارفور كان نتيجة مباشرة لذلك الرفض القديم. إن العدالة ليست بندًا في مفاوضات السلام، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الأوطان. ومن لا يواجه جرائمه، لا يصنع مستقبلًا، بل يعيد إنتاج ماضيه بأشكالٍ أكثر دموية. الفاشر اليوم تدفع ثمن تلك العدالة التي غابت، وثمن صمت الذين ظنوا أن النسيان يمكن أن يكون بديلًا عن الحقيقة. ولكن الحقيقة، مهما أُخفيت، تعود دائمًا، وغالبًا ما تعود على شكل نيرانٍ تلتهم الجميع إن الذين يذرفون اليوم دموعهم على ما يجري في الفاشر هم أنفسهم الذين مهّدوا لهذه اللحظة، لأنهم رفضوا أن تكون هناك سابقة عدالةٍ تقف في وجه القتلة. ولو تمت محاكمة البشير في حينها، لكانت العدالة قد أصبحت تقليدًا ووعيًا جمعيًا يمنع أي مغامر من التفكير في ارتكاب الفظائع. ولكن حين غاب القصاص، كان لا بد أن تعود الكارثة، لأن الظلم الذي لا يُحاكم يعود بأشكالٍ أشد قسوةً وانتقامًا ما يثير الغثيان في المشهد السوداني اليوم ليس فقط حجم المأساة في الفاشر، بل حجم النفاق الذي يحيط بها. فالأصوات التي تملأ الفضاء حزناً وبكاءً على الضحايا، ليست كلها صادقة، ولا كلها حريصة على الإنسان بقدر حرصها على المكاسب. دموع كثيرة تُسكب أمام الكاميرات، لكنها لا تنبع من ضميرٍ حيّ، بل من مكرٍ سياسي مدروس. هذه ليست دموع الرحمة، بل دموع التماسيح التي تنتظر اللحظة المناسبة للانقضاض على الفريسة. الذين يصرخون اليوم ضد جرائم الدعم السريع، لم يفعلوا ذلك حين كانت الطائرات تقصف قرى دارفور قبل عشرين عاماً وقبل اشهر وحادثة مدينة الكومة جزءا من تلك الهجمات الانتقامية بالطائرات التي تقذف الأسواق بلا رحمة، ولم يتحرك ضميرهم حين كانت النساء تُغتصب والأطفال يُحرقون في قراهم. بل إن بعضهم كان يصف تلك الجرائم بأنها “ضرورات أمنية”، وكان يبرر القتل بحجة “حماية الدولة”. واليوم فقط، حين صار خصمهم السياسي هو المتهم، اكتشفوا فجأة فضيلة الإنسانية وتذكروا لغة العدالة. يا لسخرية الأقدار! كأن الضحايا يصبحون بشراً فقط حين يخدم موتهم مصلحة سياسية لطرفٍ بعينه. إن المأساة الحقيقية ليست في الجريمة وحدها، بل في هذا التلاعب الأخلاقي الذي يجعل الدم السوداني سلعة تُستخدم لتصفية الحسابات. الذين يتباكون على دارفور اليوم لا يريدون القصاص للضحايا، بل يريدون معاقبة خصومهم وتجفيف موارد قوتهم حتى يفتحوا الطريق لعودة سلطتهم القديمة. فهم لا يكرهون القتل، بل يكرهون أن يُمارسه غيرهم. لا يرفضون الجريمة لأنها جريمة، بل لأنهم لم يكونوا هذه المرة في موقع الفاعل. لقد صارت الكارثة مادةً للمزايدة الإعلامية، ووسيلة للظهور في المشهد السياسي. منابر كثيرة تتحدث عن الإنسانية، لكنها في العمق تحرّض على الانتقام. صفحات التواصل امتلأت بالنداءات والعبارات العاطفية، لكنها تخلو من أي مطالبة حقيقية بمحاكمات عادلة أو عدالة مستقلة. فالجميع يريد العدالة التي تخدم مصلحته فقط، لا العدالة التي تُنصف الجميع. وهكذا تحوّل البكاء على الفاشر إلى مشهد تمثيلي، يشترك فيه اللاعبون القدامى أنفسهم الذين تواطأوا بالأمس مع القتلة. وكلما زادت الدماء، زادت الفرص لتبادل الاتهامات وتحصيل النقاط السياسية، بينما تُترك جثث الأبرياء بلا أسماء، كأنهم مجرد أدواتٍ في صراعٍ لا ينتهي. هذه هي دموع التماسيح التي أرهقت دارفور منذ البداية، دموعٌ تُسكب عند الكاميرا وتُمحى بعد التصوير، دموع لا تصنع سلامًا ولا تمنع جريمة، لأنها لا تأتي من قلبٍ صادق، بل من عقلٍ يخطط كيف يستثمر المأساة. فكم مرةً بكى هؤلاء على دارفور؟ وكم مرةً جفّت دموعهم حين وصلوا إلى السلطة؟ إنهم يتبادلون الأدوار، مرة جلادًا ومرة باكيًا، لكنهم في الحالتين شركاء في الجريمة. إن ما يحدث في الفاشر اليوم ليس مجرد مأساة محلية، بل درس صارخ لكل من يظن أن بالإمكان الإفلات من العدالة أو شراء الضمير. كل دمٍ أُريق هناك يروي قصة إخفاقنا الجماعي، ويفضح حقيقة أننا لم ننجح في بناء دولة تحمي الإنسان قبل المصالح، ولا في تكريس ثقافة قانون تقف في وجه القتلة. العدالة ليست رفاهية سياسية يمكن التفاوض عليها أو تأجيلها، بل هي الحد الأدنى من كرامة الإنسان التي تحمي المجتمع من الانحدار إلى الفوضى والدمار. إن السودانيين جميعًا مدعوون اليوم لمواجهة الحقيقة: أن من رفضوا محاكمة البشير وزمرته هم نفس الذين أسهموا في استمرار ثقافة الإفلات من العقاب، وأن دماء دارفور لم تُسفك عبثًا، بل كانت نتاج هذا التواطؤ الطويل. لذلك، لا يكفي البكاء على الفاشر بعد فوات الأوان، بل يجب أن تتحول الدموع إلى عمل جاد، إلى إصلاحات قانونية وسياسية تضمن أن يُحاسب كل من ارتكب جرائم ضد الإنسانية، مهما علا شأنه أو تغيرت وجوهه. ولا يمكن أن تغفل أن العدالة ليست فقط محاسبة المجرمين، بل حماية المستقبل. كلما فشلتم في محاسبة الماضي، عاد الماضي ليقتلكم من جديد بأشكال أكثر وحشية. الفاشر لم تكن البداية، ولا ستكون النهاية، إن لم تضع حدًا لثقافة الإفلات من العقاب، ولنزعة استغلال المآسي السياسية لتحقيق مصالح شخصية. الشعب السوداني بحاجة إلى دولة قانون، دولة تحمي الإنسان، وتحاسب القاتل قبل أن يستشري الظلم من جديد. إن الدماء التي أُريقَت في دارفور والفاشر ليست للتزيين الإعلامي ولا مادة لمزايدات سياسية، بل هي تذكرة صادمة بأن كل جريمةٍ بلا عقاب تُرتكب من جديد، وأن أي محاولات للانتقام السياسي على حساب الضحايا لن تجلب سوى المزيد من الدماء. العدالة ليست خيارًا، بل واجبٌ أخلاقي وقانوني، وأي مستقبل مستقر للسودان لا يمكن أن يُبنى إلا على أساسها. اليوم، أكثر من أي وقت مضى، على السودانيين أن يقرروا: هل سيستمرون في دائرة النفاق والازدواجية، أم سيواجهون الماضي ويضعون أسس العدالة الحقيقية، تلك العدالة التي تحفظ كرامة الإنسان وتردع القتلة؟ الفاشر، بدمائها وشوارعها المشتعلة، تصرخ في وجوهنا جميعًا بأن الوقت لم يعد للاختباء خلف الشعارات، وأن كل لحظة تأخير في العدالة تُضاعف الخسائر، وتزيد من مأساة الأبرياء. إن رؤية السودان لا تتحقق إلا عندما تُحاكم الجرائم، ويُحاسب القتلة، ويُستعاد الحق لكل من سُلبت حياته وكرامته. والذين يظنون أن بإمكانهم الاستمرار في التلذذ بالسلطة عبر دماء الأبرياء، عليهم أن يدركوا أن العدالة، عاجلاً أم آجلاً، ستجد طريقها، وأن دماء دارفور لن تذهب سدى، بل ستظل صرخةً للأبد في وجه كل من يبيع ضميره ويبرر القتل باسم السياسة.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

مأساة أبيمنم… حين يصبح المدنيون وقوداً لصراع لا ينتهي

بقلم: لوال كوال لوال ليست المأساة التي شهدتها مقاطعة أبيمنم حادثة عابرة يمكن طيّ صفحتها …