من بطون كتب
sanhooryazeem@hotmail.com
أخلاق الثروة: بين كرم الفقراء وبخل الشركات العملاقة
منبر بنيان مقالات من بطون كتب،،،،،،
في وجدان الشعوب تتردد مقولة قديمة: “الفقراء أكرم من الأغنياء”. ليست مجرد عبارة عابرة، بل تلخيص لتجربة إنسانية ممتدة؛ فالفقر لا يمنع من العطاء، بينما الغنى لا يضمن الكرم. هذه المفارقة تزداد وضوحًا في عصرنا الراهن، حيث تعيش الإنسانية تحت هيمنة شركات عملاقة تتجاوز أرباحها ميزانيات دول، بينما تظل بصمتها الإنسانية والاجتماعية محل تساؤل. من هنا، نحاول عبر هذه الدراسة أن نحلل الظاهرة في جذورها الفكرية والاقتصادية، مستنيرين بعدد من الكتب المرجعية التي ناقشت العلاقة بين الثروة والمسؤولية الأخلاقية.
- الفلسفة القديمة وأخلاق الثروة
لطالما ارتبطت الثروة بالمسؤولية في الفكر الإنساني. أرسطو رأى أن الغنى ليس غاية في ذاته بل وسيلة لتحقيق الحياة الفاضلة. وعند آدم سميث، الأب المؤسس لعلم الاقتصاد، هناك إشارة إلى أن الثروة ينبغي أن تصب في مصلحة المجتمع عبر “اليد الخفية” للأسواق. غير أن هذه اليد، مع تطور الرأسمالية الحديثة، لم تكن بالضرورة يدًا كريمة، بل تحولت أحيانًا إلى أداة احتكار وتكديس.
- فجوة التوزيع وثقل الثروة
في كتابه الضخم “Capital in the Twenty-First Century” (توماس بيكيتي، 2014، 696 صفحة)، يبرهن المؤلف بالأرقام أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء تتسع بشكل مقلق، حيث أن معدل العائد على رأس المال يفوق معدل النمو الاقتصادي. النتيجة: تراكم الثروة في أيدي قلة صغيرة، وحرمان الأغلبية من نصيب عادل. بيكيتي يوضح أن هذا التكدس ليس مجرد مسألة اقتصادية، بل تهديد مباشر للتماسك الاجتماعي والديمقراطية. فإذا كانت الثروة تُعطي سلطة، فإن غياب المسؤولية الأخلاقية يحولها إلى عبء على الإنسانية.
- النخب ومسرحية الخير
في كتابه المثير للجدل “Winners Take All: The Elite Charade of Changing the World” (أناند غيريدهارداس، 2018، 304 صفحة)، يكشف الكاتب عن “مسرحية الخير” التي تمارسها النخب الغنية. إذ تقدم الشركات العملاقة نفسها كمنقذ للبشرية من الفقر والمرض، لكنها في الوقت ذاته تستفيد من أنظمة اقتصادية غير عادلة تعيد إنتاج الفقر. يضرب المؤلف مثالًا ببرامج مايكروسوفت أو فيسبوك التي تُسوّق على أنها إسهامات في التعليم أو الصحة الرقمية، بينما الهدف الحقيقي غالبًا توسيع قاعدة المستهلكين وتعزيز السيطرة على البيانات. هنا يظهر البخل بمعناه الرمزي: الكرم الانتقائي الذي لا يمس جوهر الاختلالات.
- الفقراء و”مفارقة الكرم”
في كتاب “The Paradox of Generosity” (كريستيان سميث، 2014، 320 صفحة)، تشير الدراسات الميدانية إلى أن الطبقات الأقل دخلاً غالبًا ما تكون أكثر عطاءً من حيث النسبة المئوية من دخلها، سواء في صورة تبرعات مالية بسيطة أو في شكل وقت وجهد. هذه المفارقة تؤكد أن الكرم لا يرتبط بالقدرة المالية بل بالقيم الإنسانية. الفقراء يمنحون رغم ضيق ذات اليد، بينما الأثرياء، أفرادًا وشركات، يمنحون بقدر محسوب يضمن لهم صورة براقة دون أن يمس تراكم الثروة.
- المسؤولية الاجتماعية للشركات: بين النظرية والواقع
الأدبيات الاقتصادية تضع إطارًا واضحًا لما يُعرف بـ Corporate Social Responsibility (CSR). كتاب “Corporate Social Responsibility: A Very Short Introduction” (جيريمي مون، 2014، 160 صفحة) يشرح أن المسؤولية الاجتماعية تعني التزام الشركات بالمساهمة في التنمية المستدامة، وحماية البيئة، وتعزيز العدالة الاجتماعية. لكن التطبيق في الواقع يظل متباينًا: بعض الشركات تعتبرها وسيلة تسويق وعلاقات عامة، بينما قلة قليلة فقط تدمجها فعليًا في صميم نموذج أعمالها. الفارق هنا بين الواجب الأخلاقي والمبادرة الطوعية، وبين كرم حقيقي وكرم شكلي.
- الأمم المتحدة والمنظمات الدولية: سد فراغ الكرم
حين تقع الكوارث الكبرى ـ حروب، فيضانات، أوبئة ـ فإن المنظمات الدولية هي التي تتصدر المشهد: برنامج الغذاء العالمي، اليونيسف، منظمة الصحة العالمية. بينما مساهمات الشركات العملاقة غالبًا محدودة، أو تأتي بعد ضغط الرأي العام. على سبيل المثال، في جائحة كوفيد-19، أُعلن عن تبرعات من بعض شركات التكنولوجيا، لكنها لم تتناسب مع الأرباح الهائلة التي جنتها هذه الشركات من الانتقال السريع للعالم نحو الاقتصاد الرقمي.
- بخل الشركات في العالم الثالث: استنزاف بلا مقابل
إذا كانت الشركات العملاقة في الغرب تُلام على بخلها الأخلاقي، فإن الشركات المستثمرة في العالم الثالث تُظهر صورة أكثر قسوة. شركات التعدين في أفريقيا، مثل شركات الذهب والنفط، تحقق أرباحًا طائلة بينما المجتمعات المحلية تظل غارقة في الفقر والتهميش. في صناعة الاتصالات مثلاً، نرى أسعار خدمات مرتفعة تفوق قدرة المواطن العادي، دون أن يقابلها استثمار حقيقي في التعليم أو الصحة. شركات الأسمنت وغيرها من الصناعات الثقيلة تزيد الطين بلة بتلويث البيئة، بينما لا تتحمل تكلفة علاج الأمراض الناتجة عن نشاطها. هنا يتجلى بوضوح أن البخل ليس فقط في قلة التبرع، بل في رفض تحمل تكلفة الأضرار التي تلحق بالمجتمع.
- ما بين الكرم الفردي والأخلاق المؤسسية
يمكن القول إن الفقراء يملكون أخلاق القرب؛ أي العطاء المباشر الذي ينبع من التضامن الإنساني. أما الأغنياء والشركات العملاقة، فيملكون أخلاق البعد؛ حيث يوزن العطاء بالميزان المالي والسياسي، وتُحسب خطواته بما لا يضر بمصالح التراكم. هذا التباين يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن إلزام الشركات بمعايير كرم حقيقية، عبر تشريعات دولية، كما تُلزم بدفع الضرائب أو حماية البيئة؟
- الخاتمة: نحو أخلاق جديدة للثروة
بين الفقراء والأغنياء، بين العطاء الإنساني والكرم المحسوب، تقف البشرية أمام خيار أخلاقي. إذا كانت الثروة هي “قوة” في عصرنا، فالأخلاق هي الضمان ألا تتحول هذه القوة إلى أداة استغلال. المطلوب ليس فقط أن نتساءل: لماذا لا يكرم الأغنياء كما يكرم الفقراء؟ بل أن نطالب بمنظومة دولية تُحوِّل المسؤولية الاجتماعية من شعار إلى التزام. فالفقراء أعطوا ما استطاعوا، أما الأثرياء، فقد آن لهم أن يعطوا ما يجب.
عبد العظيم الريح مدثر
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم