أرحل …. كش ملك للمعارضة !!! .. بقلم: عادل عبد الرحمن عمر
10 فبراير, 2015
منشورات غير مصنفة
40 زيارة
بسم الله الرحمن الرحيم
افق اخر
الشاعر التيجاني سعيد من أسرة أمدرمانية ، تشربت الاصالة والانفتاح و الحب من المجتمع الامدرماني العريق ، المتجاوز للانا و القبلية في آن واحد ، رغم أن منابت الأسر التي سكنت البقعة على نحو اكثر من مائة عام ، جاءوا مع الامام المهدي من السودان المختلف ، انصهروا في ثقافة الوسط وباتوا يشبهون احيائها العريقة ، بانت ، العباسية ، الموردة ، بيت المال ودنابوي قبل مقابر (احمد شرفي ) الكائنة في مكانها المعروف العتيق عند عتاه المنتمين لام ادرمان ، مثل ( الهادي الضلالي) ، وعم (احمد داود) رحمه الله وحيشان ( العيّاشه ) ابرزهم عم شاخور رحمه الله .
على حسب علمي ، وما تبقى من ذاكرة ان التيجاني سعيد من دار ” جعّل ” تفتقت عبقريته في ديوان ” قصائد برمائية ” قبل أن يترك الشعر وهو في جذوة نبوغه الفائض ، حيث تصوّف ـ تماما ـ وعلّق الكثير من الشعر في خياله الفسيح واعتصم بالصمت والتأمل المثابر الساحر ، ومرافقة اصدقائه من الشعراء الموهوبين دون ممارسة كتابته …. بل اصغاء حكيم نبيل .
في اعتقادي ان اغنية ” قلت أرحل ” التي لحنها وصدح بها الراحل العملاق وردي ، من عيون الشعر الدراجي السوداني ، حيث مثلت الاغنية تحولاً مدهشا في المفردة ، والمعاني …. فمن زمن الحقيبة الملئ بالمفردة الحسيّة المباشرة برغم أناقتها وقوتها المفرطة ، الى تحول جذري في الرؤية والخيال المعنوي المدهش :
( حيث إبتدر التيجاني سعيد القصيدة
قلت أرحل أسوق خطواتي
من زولاً نسى الالفة
أهوم ليل أسافر ليل أتوه من مرفأ لمرفأ
أبدل ريداً بعد ريدك
عشان إمكّن أكون أوفى )
مبتغى الأغنية قدم مفردة ناضجة وعميقة في تلك السنين الباكرة في بداية السبعينات القرن الماضي التي تضج بالفكر اليساري والاحتفاء بالشعر و الشعراء من قبلهم ، مع ضمور ذلك عند الاسلاميين ، الى أن حرر شيخ ” حسن الترابي ” شهادة حياة للأداب والفنون بندوته الشهيرة في مسجد جامعة الخرطوم بعنوان ” حوار الدين والفن ” عام 1981م . قال التيجاني ” عيونك زي سحابة صيف تحافي بلاد وتسعى بلاد “
بهذه اللغة الجديدة ، والنظرة الأخرى استقطاع الشاب ” الاستقراطي ” ود ام درمان أن يحرر أحساساً جديداً في اللغة الشعرية ، ومفردات الغزل البرئ .. الى أن وصل لغاية ” الجنون ” العبقري ” بدون عينيك بصبح زول بدون ذكرى وبدون ميلاد “
تغنى الراحل ” وردي ” هذه القصيدة ، بذات الروح ، و النفس الاستثنائي لتكون أغنية ” قلت أرحل ” من الروائع الخالدة في الذاكرة الجمعية الجمالية للسودانيين .
اذا كانت أغنية ” ارحل ” ساطعة عبر السنوات … فشعار المعارضة لكلمة ” أرحل ” لحكومة الانقاذ خافتة وشائهة ليس لان المعارضة لا تستحق الريادة وتنفيذ الشعار في وقت الذي تتاح الفرص واسعة لكلى تنظم معارضة وبالقانون ، في وقت عرض البضائع ، و تسويقها للناس كافة ، في موسم تتعطّل فيه الاجراءات الاستثنائية والقوانين المقيدة للحريات كما يحلو للمعارضة ، وتبدو فيه الحكومة أقل حساسية في تقويم تصريحات و أفعال المعارضة ، ويكون الفعل المعارض محمياً بالقانون ، وبأعراف راسخه تمثل قيداً صارماً على الحكومة .
المعارضة لم تستغل هذه السانحة المعلنة منذ وقت طويل ، قارب للاربع سنوات ، لتنظيم صفوفها ، وتعقد تحالفاتها ، ومالها المهدر او القليل ـ حسبما يرّون ـ والذي اذا جُمع سيكون كبيراً ، بدلاً من الاعتماد أن تسقط الحكومة ، بفعل التمرد المسلح في أطراف عدة من السودان او لضغوطات اقتصادية صعبة تؤدي لانفجار الوضع ، أو لتآمر مع جهات أجنبية لتنهار الدولة ، ويحدث سيناريو العراق وسوريا واليمن وغيرها … و ….
هذه المحاولات المتكررة اليائسة لم تفيد شيئاً ، وذلك ليس لان الحكومة قوية ، ولها جنود غلاظ ، وأمن فولاذي لا يخترق السبب الوحيد أن الشعب السوداني يدرك مآلات القفزة الهوجاء في الظلام ، وسيناريوهات التفكك والاضطراب التي تعصف بالوطن الذي يحتاج أكثر للاستقرار والسلام .
على الاقل الحكومة الحالية توفر أمناً و استقراراً رغم كل المؤامرات والصعوبات ، وحالات التمرد وايقاف عجلة التنمية التي تنهض رغم نزيف الموارد ، من عناد الحركات المسلحة التي تعمل ضد السلام ومصلحة الجماهير التي تدعي أنها خرجت لاجلهم
المعارضة بدلاً من أن تنتظم في الانتخابات التي تظن أن حزب المؤتمر الوطني سيفوز بها فوزاً كاسحاً تقوم بذات الممارسات التي لا علاقة لها بالفعل الديمقراطي الايجابي ، ولا تنظر بشمول للمآلات كلها التي تحيط بالبلد ، لذا تنسحب بشكل ” خائب ” من المعركة ، لتفرغ كل طاقتها في حملة ” إرحل ” التي تستهدف تعويق العملية الانتخابية .
يبدو أن المعارضة التي تجتهد في تنظيم حملة (إرحل) ستهزم بالضربة الفنية القاضية ، حين تخرج الجماهير السودانية ” بالملايين ” لا لاجل أن تختار المؤتمر الوطني ، بل لإختيار حكومة فاعلة من أحزاب عُده، حتى لا يحدث فراغاً دستورياً ، ومن ثم فوضى ، ومن ثم تنهار البلد ، فالتصويت في هذه المرحلة الحرجة يعني تماسك الوطن !!
هل أدركنا المفردات بين ( أرحل ) الثقافي و ( إرحل ) السياسي !!!
أخيراً قال الرائع التيجاني سعيد في رائعة ” قلت أرحل “
( أصلو العمر كان غرساً
سقيتو بُكا
وقبضت الريح !!! )
قبض الريح في الحب يورث شجناً شفيفاً ، بينما في السياسة يلقى بالحزب او الجماعة في متاهات وتعقيدات أكثر من مربكة ، وأحلام ومغامرات مجنونة تطيح بهم اولاً ، و للاسف بالشعب والوطن ، حين تسيطر دوامة العنف ، ويتمزق الوطن ، لتذروه الرياح !!!!
is582@windowslive.com
////////