أزاهير الخدمة المدنية! .. بقلم: د. مرتضى الغالي
20 يناير, 2018
د. مرتضى الغالي, منبر الرأي
78 زيارة
تجوّلتُ أنظر إلى مرافق الدولة ومنافذ الخدمات وحال العاملين والموظفين ومكاتب وكاونترات المعاملات وخدمات المرور وغيرها في الخرطوم فرأيت عجباً؛ حالة من الفوضى العارمة والتسيّب الرهيب والوضع المُزري والاستباحة الكاملة لكل النظم والقوانين والأعراف..عدا قلة هنا وهناك من أصحاب الضمائر وبعض الهيئات والمكاتب .. وقد بلغ الإنفراط درجة لا يمكن تصديقها بما في ذلك البنوك التي كانت تعمل مثل ساعة (برج وستمنستر)..بل إن أحد البنوك الي كان جوهرة المصارف ذوات الإسم الألمع والتاريخ الأتلد أصبحت فروعه تنافس جوطة (سوق الحرامية) ومَلَجَة الخضار! ..وتنظر فترى أن الناس غير مندهشين بل أصبحوا من غير أن يدروا شركاء في هذه المعمعة، وتذهب لتري المديرين لتواسيهم في انزعاجهم وحزنهم على ما يجري فتراهم هادئين مبسوطين (يكركعون) القهوة والشاي ويتآنسون.. وقد رأيت من فوضى مكتب أحد مديري الأفرع الرئيسية لأحد البنوك الكبرى من هوان وابتذال تعامل الموظفين والموظفات مع (سيادته) ما لا أستطيع ان أحكيه مكتفياً بأن أجعل (حمدو في بطنو)!!
حجتان لتعطيل دولاب العمل؛ الحجة الرئيسية هي (إن الجماعة في الفطور) وكل موظف أو فرقة موظفين او شلة أو جماعة أو (رباعة) هو الذي يحدد زمان ومكان و(طبيعة الفطور) ولا مرجعية في ذلك يمكن القياس عليها!..وهي حجة عامة تشمل المديرين والباشكتبة والمشرفين وموظفي التعامل المباشر مع الجمهور و)موظفي الخزنة( والاستمارات وأصحاب الأختام ..الخ فالمواطن لا يعرف وقت (الخروج الكبير) أو مواقيت الغياب أو (زمن العودة) والفطور يمكن أن يكون على الطاولات و(بين الفايلات) أو في مكتب المدير او (في السطوح) أو خارج المؤسسة – ويمكن أن يكون عبر النهر- أو في المنطقة الصناعية أو (في الكرين) أو عند إحدى السيدات الفضليات صانعات الأطعمة البلدية او الافرنجية أو حيث (مواقع الغزوات) التي تُرص فيها الأسماك ظهراً لبطن!
أما الحجة الثانية فهي صلاة الظهر و(حسّك عينك) أن تنكر على الموظف أداءها في ذروة وقت العمل وتعطيل مصالح العباد (العمل الذى جعله الله عبادة).. ثم إن العامل ياخذ أجراً على كامل الوقت، والصلاة عبادة تقتصر على شخصه، ثم إن الطريقة التي تؤدى بها الصلاة في أماكن العمل يتسم سلوك كثيرين فيها بالمظهرية (ومعاكم معاكم) علاوة على (تكسير الوقت) حيث أن تأديتها تجري على مراحل تستنفذ الصبر؛ منها (مرحلة التشمير) وإبدال الأحذية بـ(السفنجات).. ثم مرحلة (النهنهة والنفنفة) ثم مرحلة الوضوء و(الخفجيبة) وسيلان المياه في الشِعاب، ثم مرحلة البحث عن (التبروقات) والمصالي والخيش والجرائد، ثم مرحلة الصلاة نفسها وقد تكون (فرّادي) أو جماعية بإمامة صاحب (الإسكيل الأعلى)..ثم تأتي مرحلة التمتمة و(الباقيات الصالحات) ثم العودة الوئيدة التي تحتاج إلى (إعادة هندام ما قبل الصلاة).. ثم يكون الوقت قد قارب ساعة انتهاء العمل والخروج!
هذا هو ناتج إصلاح الخدمة المدنية و(إعادة صياغة المجتمع) وثمرة جهود وزارات العمل و(تثوير بيئة الإنتاج) وبركات هيئات الإرشاد وترقية الحياة وتزكية المجتمع ومجالس (الذكر والذاكرين) ولجان التحفيظ المنتشرة في مؤسسات الدولة بميزانياتها وسلطانها على العاملين..! هذا هو عائد التمكين الذي يقول عنه عرّابوه الآن إنه لا يعني الاستحواذ وإقصاء المؤهلين!.. وهذا هو الفتح المُبين الذي جاءت به طلائع المؤتمر الوطني!
murtadamore@yahoo.com