أزمة العيش في الماضي والتناقض في السلوك الاجتماعي في السودان

بقلم: م: جعفر منصور حمد المجذوب
Gaafar.hamad@gmail.com
يعاني المجتمع السوداني من أزمة عميقة تتمثل في العيش في الماضي بوصفه ملاذًا نفسيًا وهروبًا من مواجهة الحاضر ومتطلباته. هذا التعلق بالماضي لا يظهر فقط في الخطاب السياسي أو التاريخي، بل يتجسد بوضوح في السلوك اليومي والقيم الاجتماعية، حيث تتعايش قيم متناقضة في الفعل الواحد دون وعي بالتناقض.

من أبرز هذه التناقضات الجمع بين الكرم والحسد. فالكرم، وهو قيمة نبيلة في أصلها، تحوّل في كثير من الأحيان من فعل إنساني تضامني إلى أداة استعراض اجتماعي ووسيلة للتفاخر والتكبر. لم يعد الكرم مرتبطًا بالرحمة أو الشعور بالآخر، بل صار مرتبطًا بالصورة والمكانة: من يُنفق أكثر يُنظر إليه كـ«الأرفع مقامًا»، حتى لو كان هذا الإنفاق على حساب الضروريات أو بالدَّين أو بدافع القهر الاجتماعي.
في المقابل، ينمو الحسد في الظل، كنتاج طبيعي لهذا الاستعراض. فحين يتحول الكرم إلى منافسة، يصبح الآخر خصمًا لا شريكًا، ويُنظر إلى نجاحه أو قدرته المادية بوصفها تهديدًا للذات لا مصدر إلهام. وهكذا تتجاور موائد عامرة وقلوب ممتلئة بالضيق، وتُقال عبارات المودة بينما تُضمر مشاعر الغِل.

هذا التناقض ليس مسألة أخلاق فردية فقط، بل هو نتيجة خلل بنيوي في الوعي الاجتماعي:
غياب مفهوم الكرامة الفردية المستقلة عن نظرة المجتمع
الخلط بين القيمة الإنسانية والقيمة الاستعراضية
تقديس الشكل على حساب الجوهر
الخوف من كسر “التقاليد” حتى لو كانت مُرهِقة أو زائفة

العيش في الماضي هنا ليس حنينًا ابجابيياً، بل هو إعادة إنتاج لقيم لم تعد صالحة لعصر الفقر الحضري، وضغط الاقتصاد، وتغير أنماط الحياة. فكرم القبيلة في زمن الوفرة لا يمكن نسخه آليًا في زمن العجز دون أن يتحول إلى عبء نفسي واجتماعي.
إن الخروج من هذا المأزق يبدأ بإعادة تعريف القيم:
الكرم كفعل تضامن لا كوسم اجتماعي
النجاح كاجتهاد لا كتهديد
الاحترام كحق إنساني لا كمكافأة اجتماعية

ولا يقف التناقض عند حدود الكرم والحسد، بل يتعمق ليشمل الرياء والنفاق الاجتماعي والسياسي، وهما من أخطر الظواهر التي تشوّه القيم وتفرغها من معناها الحقيقي. فالرياء الاجتماعي أصبح سلوكًا شائعًا، تُقال فيه الكلمات الجميلة لا تعبيرًا عن قناعة، بل خوفًا من العزلة أو طمعًا في القبول. يمدح الناس بعضهم بعضًا في العلن، بينما يمارسون الإقصاء والتشويه في الخفاء، فيتحول المجتمع إلى مسرح كبير للأقنعة.

هذا النفاق لا ينشأ من فراغ، بل من ثقافة تُعلي السلامة الشكلية على الصدق، وتعتبر الصراحة وقول الحقيقة نوعًا من قلة الأدب أو “كسر الخاطر”. فيُكافأ المنافق لأنه “ذكي اجتماعيًا”، ويُعاقب الصادق لأنه “مفتعل مُشاكل” أو “غير مرن”. وهكذا يُعاد إنتاج الزيف بوصفه فضيلة.

أما في المجال السياسي، فإن النفاق يبلغ ذروته. تُرفع الشعارات الأخلاقية والوطنية والدينية في الخطاب العام، بينما تُنتهك هذه القيم نفسها في الممارسة اليومية دون أدنى شعور بالذنب. السياسي الذي يتحدث عن النزاهة هو ذاته من يبرر الفساد، والذي يبكي على الوطن هو أول من يضحّي به عند أول مصلحة شخصية. المشكلة هنا ليست في الكذب وحده، بل في تطبيع الكذب حتى يصبح مقبولًا، بل ومتوقعًا.

والأخطر أن المجتمع لا يواجه هذا النفاق، بل يتعايش معه، بل أحيانًا يكافئه. فالمنافق السياسي يُوصف بـ“البراغماتي”، والمراوغ بـ“الواقعي”، بينما يُنظر إلى صاحب المبدأ كحالم أو ساذج. وهكذا يُقصى الصادقون من المجال العام، ويتصدر المشهد من يجيدون تغيير مواقفهم حسب اتجاه الريح.

في هذا السياق، يصبح الرياء آلية بقاء، لا خيارًا أخلاقيًا. ويصبح النفاق مهارة اجتماعية، لا عيبًا أخلاقيًا. وهذا ما يفسر لماذا تفشل محاولات الإصلاح: لأن الأزمة ليست في الأشخاص فقط، بل في منظومة قيم تكافئ الزيف وتعاقب الصدق.

إن الجمع بين الكرم الاستعراضي، والحسد الكامن، والرياء الاجتماعي، والنفاق السياسي، يكشف عن أزمة واحدة عميقة: انفصام بين القيم المعلنة والسلوك الفعلي. وما لم يُجسر هذا الانفصام بإعادة الاعتبار للصدق، والمساءلة، واحترام الفرد كإنسان لا كواجهة، سيظل المجتمع يدور في حلقة مفرغة من الشعارات الكبيرة والأفعال الصغيرة.

ما لم تتم هذه المراجعة، سيظل المجتمع عالقًا بين ماضٍ متخيل وحاضر مأزوم، يُكثر من الحديث عن القيم، ويعجز عن ممارستها بصدق.

وهذا لا يتم الا بمراجعة فهم الدين والأخلاق والممارسات الإنسانية فى المناهج والإعلام حتى تنتقل المفاهيم الأخلاقية إلى البيوت والى تربية النشء القادم

عن جعفر منصور حمد المجذوب

شاهد أيضاً

الإخوان المسلمون أمام بيان الرباعية: شتائم العاجز وتدليس اليائسين ونهاية المشروع

م. جعفر منصور حمد المجذوبgaafar.hamad@gmail.comمنذ اللحظة الأولى لصدور بيان الرباعية ( أمريكا، السعودية، الإمارات ومصر)، …